تهديد ترامب بإبادة الحضارة الإيرانية والرد الإيراني المحتمل

✍️ يوحنا عزمي
التصريحات المتبادلة في الساعات الأخيرة تعكس مستوى غير مسبوق من التصعيد اللفظي والسياسي ، بلغ حد استخدام تعبيرات صادمة توحي بإمكانية تدمير دولة كاملة خلال وقت قصير.
هذا النوع من الخطاب ، حين يصدر عن قادة دول كبرى، لا يُفهم باعتباره مجرد انفعال أو استعراض إعلامي، بل يُقرأ بوصفه رسالة ضغط قصوى تُوجه في لحظة احتقان عسكري وسياسي شديد الحساسية.
في هذا السياق ، تزامنت التصريحات مع تقارير عن ضربات استهدفت مرافق بنية تحتية داخل إيران ، من بينها خطوط سكك حديدية وجسور في مدن قريبة من طهران وتبريز.
استهداف البنية التحتية في أي صراع يُعد مرحلة مختلفة نوعياً عن استهداف الأهداف العسكرية المباشرة ، لأنه يطال مفاصل الحياة اليومية للدولة ويُرسل إشارة بأن المواجهة لم تعد محصورة في نطاق عسكري تقليدي.
في المقابل ، أظهرت صور ومقاطع متداولة دعوات داخلية للإيرانيين بالتجمع حول منشآت الطاقة لحمايتها ، في خطوة تعكس حجم القلق من احتمال توسيع نطاق الاستهداف ليشمل هذه المرافق الحيوية. مثل هذه الدعوات ، إن صحت ، تحمل مخاطر جسيمة على المدنيين ، لأنها تضعهم فعلياً في محيط أهداف قد تُعتبر عسكرية أو استراتيجية في حسابات الحرب.
سياسياً ، أعلنت طهران تعليق قنواتها الدبلوماسية مع واشنطن ، في مؤشر إضافي على انغلاق مسارات التهدئة التقليدية. وعندما تُغلق القنوات السياسية بالتوازي مع التصعيد الميداني، يصبح خطر سوء التقدير أعلى بكثير ، لأن الرسائل تنتقل عبر الضربات والردود بدلًا من القنوات الدبلوماسية.
اللافت أن الخطاب الإيراني المتشدد لم يقتصر على التهديد بالرد داخل الإقليم ، بل ألمح إلى اتساع نطاق الرد ليشمل مصالح خارج الشرق الأوسط. هذا النوع من التهديدات يفتح الباب أمام سيناريوهات “حرب الظل” عبر عمليات تخريب أو استهداف غير مباشر في مناطق متفرقة من العالم ، وهو نمط شهدته صراعات سابقة عندما تتجاوز المواجهة حدود الجغرافيا المباشرة.
وفي هذا الإطار ، تزامنت الأحداث مع تقارير عن انفجار كبير قرب “جسر الأمريكتين” في بنما ، وحادث إطلاق نار قرب القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول. ورغم غياب أي تأكيد رسمي يربط هذه الوقائع بطرف بعينه، فإن تزامنها الزمني مع موجة التهديدات جعلها تُقرأ في سياق أوسع من القلق الدولي بشأن اتساع مسرح العمليات بصورة غير تقليدية.
على مستوى آخر ، أُعلن بشكل مفاجئ إلغاء مؤتمر صحفي كان مقرراً لوزير الدفاع الأمريكي ، وهو تفصيل صغير ظاهرياً لكنه يُفهم في أوقات الأزمات بوصفه مؤشراً على انشغال غرف القرار بتطورات ميدانية حساسة. كذلك ، ظهرت تصريحات من شخصيات سياسية في الخليج تتحدث عن لحظة “تصفية النفوذ” واستعادة ملفات عالقة منذ سنوات ، ما يعكس أن بعض الأطراف ترى في التصعيد الجاري فرصة لإعادة ترتيب موازين إقليمية قديمة.
وسط هذه الأجواء ، بدأ الحديث يتسلل إلى أكثر السيناريوهات خطورة ، بما في ذلك التكهن بإمكانية استخدام سلاح نووي. ورغم أن هذا الاحتمال لا يزال في إطار التكهنات الإعلامية والسياسية دون أي مؤشرات مؤكدة، فإن مجرد تداوله على نطاق واسع يعكس حجم القلق من أن تتجاوز الأزمة كل الخطوط الحمراء المعروفة.
المخاوف لا تقتصر على الضربات العسكرية المباشرة ، بل تمتد إلى احتمالات استهداف منشآت نووية أو كابلات اتصالات بحرية أو مرافق طاقة حيوية ، وهي أهداف إن تم المساس بها قد تُحدث تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة تتجاوز أطراف الصراع لتطال المنطقة والعالم.
في المحصلة ، المشهد الراهن يتسم بتراكم مؤشرات خطرة : تصعيد لفظي حاد ، استهداف بنية تحتية، تعطيل مسارات دبلوماسية ، إشارات إلى توسيع مسرح العمليات ، وقراءة إقليمية تعتبر اللحظة فرصة لإعادة رسم خرائط النفوذ. ومع ذلك ، يبقى احتمال أن يكون جزء من هذا التصعيد موجهاً لتحقيق مكاسب تفاوضية قصوى قبل العودة إلى مسار التهدئة قائماً ، كما حدث في أزمات سابقة اقتربت من حافة الانفجار ثم تراجعت في اللحظة الأخيرة.
الساعات المقبلة ، وفق هذا المشهد ، لا تحمل فقط احتمالات التصعيد ، بل أيضاً احتمالات الانعطاف المفاجئ نحو التهدئة وهو ما يجعل الموقف مفتوحاً على كل السيناريوهات بين أقصى درجات الخطر وأقصى درجات المناورة السياسية.



