مقالات

الهدنة الوهمية .. كيف انهار وقف إطلاق النار واندفعت المنطقة إلى تصعيد أشمل؟

✍️ يوحنا عزمي

ما جرى خلال الساعات الماضية يكشف بوضوح أن إعلان الهدنة لم يكن سوى غطاء هش لواقع ميداني وسياسي أكثر تعقيداً. فالإعلان الأمريكي عن وقف إطلاق النار بدا منذ لحظته الأولى وكأنه قرار غير مكتمل الأركان ، بلا ضمانات تنفيذية ، ولا توافق فعلي من الأطراف المنخرطة في الصراع. وفي أقل من يوم، تهاوى هذا الإعلان ، لتدخل المنطقة طوراً جديداً من التصعيد يتجاوز ما سبقه في الخطورة.

في الإعلام العبري ، بدت المفاجأة واضحة لدى النخبة السياسية والجمهور على السواء. فالتقارير تحدثت عن استمرار إطلاق النار من الجانبين حتى بعد إعلان الهدنة ، بينما برّر مسؤولون في البنتاغون ذلك بأن الأوامر لم تصل بعد إلى الوحدات المنفذة على الأرض. وفي الوقت نفسه ، لم يكن هناك موقف رسمي واضح من تل أبيب تجاه الاتفاق ، رغم أن بعض الصحف العبرية أشارت إلى أن التهدئة يفترض أن تشمل لبنان أيضاً. لكن الوقائع الميدانية سرعان ما كشفت أن الحسابات داخل القيادة الإسرائيلية لم تكن متطابقة مع هذا التصور.

بدل أن تُمنح المنطقة فرصة لالتقاط أنفاسها، شنت إسرائيل غارات واسعة على مدن ومناطق لبنانية ، وُصفت بأنها من أكبر العمليات منذ اندلاع الحرب. وبالتوازي تقريباً ، تعرضت مصفاة نفط “لوان” الإيرانية لهجوم غامض، في تطور أضاف مزيدًا من التعقيد إلى المشهد، خصوصاً مع تضارب الروايات حول الجهة المسؤولة عنه.

المفارقة الأبرز جاءت من الموقف الأمريكي. فبعد ساعات قليلة، خرج دونالد ترامب بتصريحات بدت وكأنها تراجع عملي عن مضمون الهدنة ، حين اعتبر أن لبنان لم يكن طرفًا في اتفاق وقف إطلاق النار ، وهو ما فُهم ضمنيًا كمنح إسرائيل مساحة حركة أوسع.

لاحقاً ، أعلن البنتاغون أن الولايات المتحدة “حققت أهدافها”، وأن مسؤولية تأمين الملاحة في مضيق هرمز باتت على عاتق المجتمع الدولي، في إشارة بدت وكأنها محاولة للخروج من المشهد المباشر.

الرد الإيراني جاء سريعاً وحاسماً. فقد أعلن محسن رضائي معادلة جديدة: “وقف إطلاق نار شامل في كل الجبهات، أو لا وقف إطلاق نار على الإطلاق”. وعلى هذا الأساس، أعلنت طهران مجددًا إغلاق مضيق هرمز ، مشترطة توقف العمليات الإسرائيلية في لبنان لفتح الممر الملاحي. كما لوحت برد عسكري على إسرائيل ، مع رسائل تحذيرية إلى دول حليفة في الخليج للضغط نحو التهدئة.

في الداخل الإسرائيلي ، تصاعدت حدة الانتقادات. فقد هاجم كل من يائير لابيد وأفيغدور ليبرمان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، واعتبرا ما حدث إخفاقًا سياسيًا واستراتيجيًا غير مسبوق. وذهبت بعض التحليلات العبرية إلى القول إن إسرائيل لم تكن أصلًا طرفاً فعلياً على طاولة التفاوض، وإنها وجدت نفسها أمام واقع أُعلن فيه وقف إطلاق النار في واشنطن بينما كان الإسرائيليون يتجهون إلى الملاجئ فجراً.

المشهد الإقليمي اتسع بدوره. فقد دخلت دول خليجية على خط الأزمة سياسياً وإعلامياً ، مع تبادل اتهامات حول المسؤولية عن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية. اللافت أن واشنطن وتل أبيب تنصلتا من مسؤولية ضرب مصفاة “لوان”، ما فتح الباب أمام فرضيات متعددة بشأن الجهة المنفذة، وأعطى الصراع بعداً أفقياً جديداً يشمل أطرافاً إضافية بشكل غير مباشر.

الخلاصة أن الهدنة لم تكن سوى محطة عابرة في مسار تصعيدي أكبر. الولايات المتحدة تبدو وكأنها تسعى لتقليص انخراطها المباشر، بينما تمضي إسرائيل في عملياتها وفق حساباتها الخاصة ، في حين تصر إيران على أن أي تهدئة لا بد أن تكون شاملة ومتزامنة. وبين هذه المواقف المتباعدة ، تتشكل مرحلة جديدة من الصراع ، أكثر غموضًا، وأوسع نطاقاً ، تُعاد فيها كتابة قواعد الاشتباك بالنار، وتبقى المنطقة كلها تحت اختبار مفتوح على احتمالات غير محسوبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى