مقالات

نتنياهو «مجرم حرب» .. لكن لا أحد في أمريكا يجرؤ على اعتقاله! هل سقطت هيبة القانون الدولي؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

ما قاله زهران ممداني في أحدث ظهور له لم يكن مجرد تصريح سياسي عابر ، بل كان انعكاسًا لأزمة أعمق تضرب قلب النظام الدولي ، وتكشف حجم الفجوة بين ما يرفعه العالم من شعارات  عن العدالة وسيادة القانون ، وبين ما يحدث عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

ففي الفيديو الذي نشره، وصف ممداني رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل مباشر بأنه “مجرم حرب”، وحمّله مسؤولية ما وصفه بواحدة من أكثر الكوارث الإنسانية دموية في العصر الحديث بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. لكن المفارقة التي لخصت المشهد كله جاءت بعد ذلك مباشرة، عندما اعترف بأنه، رغم قناعته، لا يملك أي سلطة قانونية لاعتقال نتنياهو إذا وصل إلى مدينة نيويورك، حتى مع وجود مذكرة توقيف صادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية.

وهنا تتجاوز القضية شخص نتنياهو نفسه، لتصبح سؤالًا كبيراً عن طبيعة النظام الدولي بأكمله. فما قيمة القرارات القضائية الدولية إذا كانت غير قابلة للتنفيذ على من يتمتع بحماية القوى الكبرى؟ وما معنى الحديث عن القانون الدولي إذا كان تطبيقه يتوقف على هوية المتهم ، وليس على طبيعة الجريمة المنسوبة إليه؟

في حديثه، استعرض ممداني سلسلة من الاتهامات الخطيرة التي استند فيها إلى تقارير دولية، متحدثاً عن أعداد هائلة من القتلى والجرحى، وعن استهداف المدنيين والمستشفيات والأطفال، وعن أوضاع إنسانية وصفها بأنها تمثل إهانة للضمير الإنساني. ورأى أن هذه الوقائع هي التي دفعت المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار مذكرة توقيف بحق نتنياهو، معتبراً أن مكان من تُوجه إليه مثل هذه الاتهامات ينبغي أن يكون أمام منصة القضاء ، لا على منبر الأمم المتحدة.

لكن اللحظة الأكثر أهمية لم تكن في وصف الجرائم، وإنما في الاعتراف بالعجز عن تنفيذ القانون. فممداني، الذي كان قد صرح سابقاً بأنه سيعمل على اعتقال نتنياهو إذا زار نيويورك، كشف أنه طلب دراسة قانونية كاملة لمعرفة ما إذا كانت سلطات المدينة تمتلك صلاحية تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، لتكون النتيجة أن هذه الصلاحية ليست بيد المدينة ولا سلطات الولاية، وإنما تعود للحكومة الفيدرالية الأمريكية وحدها.

وهذا الاعتراف يفتح باباً واسعاً للنقاش حول حدود استقلال السلطات المحلية في الولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على حقيقة سياسية أكثر تأثيراً ، وهي أن القرارات المرتبطة بإسرائيل تبقى، في نهاية المطاف، رهينة للموقف السياسي للإدارة الأمريكية. لذلك أصبح المشهد شديد الرمزية؛ عمدة أكبر مدينة أمريكية يستطيع أن يصف نتنياهو بمجرم حرب، لكنه لا يستطيع اتخاذ أي إجراء بحقه، بينما تبقى السلطة الفعلية في يد حكومة تُعد الحليف العسكري والسياسي الأكبر لإسرائيل.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل ازداد تعقيداً مع رد السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، الذي رفض تصريحات ممداني بصورة حادة، وأكد أن نتنياهو سيحضر إلى نيويورك خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسيلقي كلمته بصورة طبيعية، معتبراً أن الدعوات لاعتقاله لا تغير شيئا على أرض الواقع.

وهنا يظهر التناقض الذي يثير كثيراً من الجدل عالمياً ؛ فبينما توجد مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس حكومة، يبقى تنفيذها مرتبطًا بإرادة الدول، وليس بقرار المحكمة نفسها. وهذا يطرح تساؤلات مستمرة حول مدى قدرة المؤسسات الدولية على فرض قراراتها عندما يتعلق الأمر بقادة دول يحظون بدعم سياسي واسع من قوى كبرى.

ومن وجهة نظر سياسية، ربما تكون الحرب في غزة قد أحدثت تحولًا لم يكن متوقعًا قبل سنوات قليلة. فالنقاش الذي كان يدور سابقًا داخل أروقة المنظمات الحقوقية والمحاكم الدولية، أصبح اليوم يُطرح على ألسنة مسؤولين وسياسيين منتخبين داخل الولايات المتحدة نفسها. وهذا لا يعني بالضرورة تغيراً في السياسة الأمريكية الرسمية ، لكنه يعكس اتساع مساحة الجدل الداخلي، وازدياد الأصوات التي تنتقد الدعم غير المشروط لإسرائيل، خاصة بعد ما خلفته الحرب من خسائر إنسانية كبيرة.

في النهاية، قد يختلف الناس في توصيف الأحداث، أو في المواقف السياسية منها، لكن ما يصعب تجاهله هو أن الحرب في غزة لم تعد مجرد صراع عسكري، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمصداقية القانون الدولي، ولمدى قدرة المؤسسات الدولية على تطبيق مبادئها بصورة متساوية على الجميع. فالعدالة لا تُقاس فقط بما تنص عليه القوانين، وإنما أيضًا بقدرتها على أن تُطبق دون استثناء أو انتقائية، لأن أي نظام قانوني يفقد مبدأ المساواة أمام القانون، يصبح عرضة لفقدان جزء كبير من شرعيته وثقة الشعوب فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى