ثورة 23 يوليو .. بين الإنجازات التاريخية وإخفاقات التجربة

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
تحل غداً الذكرى الرابعة والسبعون لثورة 23 يوليو 1952، وهي مناسبة تستدعي قراءة متوازنة لتجربة شكلت واحدة من أبرز محطات التاريخ المصري والعربي في القرن العشرين ، بعيداً عن المبالغة في التمجيد أو الانحياز إلى الإدانة المطلقة.
فالثورات ، بطبيعتها ، ليست تجارب معصومة من الخطأ. والتاريخ يؤكد أن أعظم الثورات في العالم، وعلى رأسها الثورتان الفرنسية والروسية، حققت تحولات كبرى لكنها دفعت أيضاً أثماناً إنسانية باهظة، وظلت صفحاتها مليئة بالأحداث الدامية. وفي المقابل ، تمكنت ثورة يوليو من تجنب كثير من تلك المآسي ، رغم ما شهدته من نجاحات وإخفاقات.
لم تكن ثورة يوليو مجرد حركة لتغيير نظام الحكم، بل مشروعاً متكاملًا لإعادة تشكيل الدولة المصرية داخلياً وتعزيز دورها خارجياً. ومن هنا ، فإن أي تقييم منصف لها يجب أن ينظر إلى مجمل تجربتها ، لا إلى جانب واحد منها ، حتى لا تتحول القراءة إلى ظلم للتاريخ أو إلى تمجيد يخلو من الموضوعية.
على الصعيد الداخلي، حققت الثورة إنجازات يصعب إنكارها. فقد أرست مبادئ العدالة الاجتماعية ، وأطلقت مشروعات صناعية واقتصادية كبرى ، ووسعت نطاق التعليم، وأسهمت في بناء نهضة ثقافية وعلمية وفنية تركت أثراً عميقاً في المجتمع المصري. غير أن أبرز إخفاقاتها تمثل في عجزها عن تأسيس حياة سياسية ديمقراطية حقيقية ، بعدما تمسكت طوال سنواتها بفكرة التنظيم السياسي الواحد، وهو الخيار الذي أثبت محدوديته في خلق حياة حزبية فاعلة أو تشجيع المشاركة الشعبية.
وكانت المفارقة أن إقامة حياة ديمقراطية سليمة كانت أحد المبادئ الستة التي أعلنتها الثورة عند انطلاقها، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق. ومع غياب التعددية والمساءلة ، تزايدت الأخطاء، حتى وصلت إلى ذروتها في هزيمة يونيو 1967، التي ارتبطت بجملة من العوامل الداخلية والخارجية ، وفي مقدمتها تركيز السلطة في يد دائرة ضيقة وغياب الرقابة البرلمانية والمؤسسية عن عملية صنع القرار.
أما في السياسة الخارجية، فقد تجاوز تأثير ثورة يوليو حدود مصر ليترك بصمة واضحة في العالم العربي وإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. فقد تحولت القاهرة إلى مركز لدعم حركات التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار ، وأصبح الرئيس جمال عبد الناصر رمزاً عالمياً للتحرر ، خاصة بعد تأميم قناة السويس وصمود مصر في مواجهة العدوان الثلاثي ، وهي محطة غيرت موازين القوى في المنطقة ورسخت استقلال القرار الوطني.
كما نجحت الثورة في كسر الاحتكار الغربي لتسليح مصر، عبر الانفتاح على الاتحاد السوفيتي وإقامة شراكات اقتصادية وصناعية جديدة، وهو تحول استراتيجي أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط، ومنح القاهرة هامشاً أوسع للاستقلال السياسي، بعدما كانت خاضعة بدرجة كبيرة للنفوذ البريطاني والغربي.
وبعيداً عن الجدل الذي لا ينتهي حول تجربة يوليو، تبقى الحقيقة أن الثورة حققت إنجازات تاريخية لا يمكن إنكارها، كما ارتكبت أخطاء لا يمكن تجاهلها. لكن حصيلتها العامة تظل، في نظر كثير من المؤرخين، إيجابية، لأنها أطلقت طاقات المجتمع، ورسخت مفهوم الدولة الوطنية، وطرحت مشروعاً تنموياً طموحاً سعى إلى تغيير وجه مصر في مختلف المجالات.
لقد كانت ثورة 23 يوليو تجربة إنسانية وسياسية كبرى، أصابت في ملفات وأخفقت في أخرى، لكنها ستظل واحدة من أكثر الأحداث تأثيراً في التاريخ المصري الحديث ، بما تركته من إنجازات ، وما أثارته من نقاشات، وما رسمته من ملامح لا تزال حاضرة في واقع مصر حتى اليوم.



