قراءة إستراتيجية في التعاون النووي بين واشنطن والرياض

بقلم : يوحنا عزمي
ما يجرى داخل أروقة واشنطن خلال الساعات الأخيرة قد يكون واحداً من أكثر التطورات حساسية فى الشرق الأوسط منذ سنوات. فإدارة الرئيس دونالد ترامب تستعد – بحسب ما يتردد فى الأوساط السياسية الأمريكية – لتقديم مشروع إلى الكونجرس للموافقة على اتفاق تعاون نووى مع المملكة العربية السعودية، فى خطوة لا تبدو مجرد اتفاق اقتصادى أو تعاون فى مجال الطاقة، وإنما تحمل أبعاداً استراتيجية قد تعيد رسم موازين القوى فى المنطقة لعقود قادمة.
الحديث هنا لا يتعلق ببناء مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء فقط، كما قد يتبادر إلى الذهن ، وإنما يدور حول طبيعة الضمانات والقيود التى ستتضمنها الاتفاقية، وهل ستكون مشابهة للاتفاقيات النووية التى أبرمتها الولايات المتحدة مع دول أخرى ، أم أنها ستمنح الرياض هامشًا أوسع فى التعامل مع دورة الوقود النووى.
جوهر القضية يتمثل فيما يُعرف داخل الأوساط النووية بـ”المعيار الذهبى”، وهو بند تتضمنه بعض اتفاقيات التعاون النووى الأمريكية، ويقضى بأن تمتنع الدولة المتلقية للتكنولوجيا عن تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووى المستنفد، لأن هاتين العمليتين تمثلان الحلقة الأكثر حساسية فى دورة الوقود، ويمكن – إذا اتُخذ قرار سياسى بذلك – استخدامهما فى إنتاج مواد صالحة لصناعة الأسلحة النووية.
التقارير المتداولة تشير إلى أن مشروع الاتفاق الحالى، المعروف باسم “اتفاقية 123″، لا يتضمن هذا الالتزام بصورته التقليدية، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وبين خبراء منع الانتشار النووى. لكن من المهم التمييز بين أمرين؛ فغياب هذا الشرط لا يعنى تلقائياً أن السعودية أصبحت تمتلك سلاحاً نووياً أو أنها ستنتجه فوراً ، وإنما يعنى – إذا صحت هذه التقارير – أن الاتفاق قد يمنحها مساحة أكبر مستقبلًا فى تطوير برنامجها النووى مقارنة بما كان معمولًا به فى اتفاقيات أخرى.
وتزداد حساسية المشهد مع الحديث عن أن الاتفاق لا يتضمن إلزاماً واضحاً بالبروتوكول الإضافى للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو البروتوكول الذى يمنح الوكالة صلاحيات تفتيش ورقابة أوسع على الأنشطة النووية للدول. وإذا صح ذلك ، فمن الطبيعى أن تثار تساؤلات داخل المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الغربية حول مستوى الشفافية والرقابة الذى سيصاحب البرنامج النووى السعودى خلال السنوات المقبلة.
غير أن القفز مباشرة إلى استنتاج أن السعودية ستصبح “ثانى دولة نووية بعد إسرائيل” لا يستند إلى حقائق مؤكدة. فامتلاك التكنولوجيا النووية أو حتى امتلاك القدرة على تخصيب اليورانيوم يختلف جذرياً عن امتلاك سلاح نووى فعلى، لأن تصنيع القنبلة النووية يحتاج إلى سلسلة طويلة ومعقدة من القرارات السياسية والقدرات التقنية والمواد الانشطارية والتجارب والبنية الصناعية، فضلًا عن التداعيات الدولية الهائلة التى ستترتب على مثل هذه الخطوة.
مع ذلك ، فإن الأثر السياسى للاتفاق قد يكون أكبر من مضمونه الفنى. فالشرق الأوسط يعيش أصلًا واحدة من أكثر مراحله اضطراباً ، مع استمرار التوتر بين إيران وإسرائيل، وتصاعد الأزمات فى اليمن ولبنان وسوريا، واحتدام المنافسة الإقليمية على النفوذ. وفى مثل هذا المناخ ، فإن أى توسع فى القدرات النووية لدولة رئيسية سيُقرأ من جانب المنافسين باعتباره تحولًا استراتيجياً يستوجب إعادة الحسابات.
إيران، التى ترى نفسها فى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من القوى الإقليمية، قد تعتبر أى مرونة أمريكية تجاه البرنامج النووى السعودى مبررًا إضافياً لتسريع تطوير برنامجها النووى أو رفع سقف مطالبها السياسية، وهو ما قد يعمق أزمة الانتشار النووى فى المنطقة بدلاً من احتوائها.
وفى المقابل، ستراقب دول أخرى المشهد بحذر شديد. فإذا شعرت بأن ميزان القوى بدأ يتغير بصورة دائمة، فقد تسعى هى الأخرى إلى توسيع برامجها النووية السلمية، ليس بالضرورة بهدف إنتاج السلاح، وإنما لامتلاك “قدرة كامنة” تمنحها هامش ردع فى المستقبل. وهنا تكمن خطورة المشهد؛ فسباقات التسلح لا تبدأ عادة بإنتاج السلاح، وإنما تبدأ بإنتاج القدرة على إنتاجه.
ومن زاوية أخرى، تبدو واشنطن مقتنعة بأن أى تعاون نووى مع الرياض سيظل خاضعاً لنفوذها المباشر، سواء من خلال تشغيل الشركات الأمريكية للمفاعلات، أو تقديم الوقود والخدمات الفنية، أو الارتباط بعقود طويلة الأجل تمنح الولايات المتحدة قدرة على التأثير فى مسار البرنامج. ومن هذا المنطلق ، قد ترى الإدارة الأمريكية أن الاتفاق يعزز الشراكة الاستراتيجية مع السعودية ويمنع توجهها إلى منافسين مثل الصين أو روسيا للحصول على التكنولوجيا النووية.
لكن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بما تراه واشنطن أو الرياض، وإنما بكيفية استقبال بقية دول الشرق الأوسط لهذا التحول. ففى منطقة تعانى من صراعات ممتدة، وأزمات أمنية، وانقسامات سياسية حادة، فإن أى تغيير فى معادلة الردع قد يدفع أطرافاً أخرى إلى إعادة صياغة استراتيجياتها الدفاعية، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المنافسة الإقليمية يصعب التنبؤ بمآلاتها.
لذلك ، فإن القضية لا يجب اختزالها فى سؤال : “هل ستمتلك السعودية سلاحًا نووياً؟”، لأن هذا استنتاج لا تؤيده الوقائع الحالية. السؤال الأكثر دقة هو: هل يمثل هذا الاتفاق بداية لتحول فى سياسة منع الانتشار النووى الأمريكية؟ وهل يفتح الباب أمام سباق إقليمى للحصول على قدرات نووية متقدمة؟ وإذا حدث ذلك، فكيف ستتعامل القوى الإقليمية والدولية مع شرق أوسط قد يصبح أكثر تعقيداً وخطورة من أى وقت مضى؟
قد لا يحمل المشروع كل هذه النتائج فورًا، لكنه بلا شك يمثل نقطة تحول تستحق المتابعة الدقيقة، لأن القرارات التى تُتخذ اليوم داخل الكونجرس الأمريكى قد تصبح بعد سنوات جزءًا من معادلة أمنية جديدة ستؤثر فى مستقبل المنطقة بأكملها.



