مقالات

هل تتحول دول الخليج إلى ساحة مواجهة مباشرة بين أمريكا وإيران؟

✍️ يوحنا عزمي

التطورات المتلاحقة في الساعات الأخيرة تشير إلى أن الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران يقترب من نقطة تحول قد تكون الأخطر منذ اندلاع المواجهة الحالية. فالمشهد لم يعد يقتصر على تبادل الضربات الجوية أو الصاروخية، بل بدأت تتردد معلومات وتقارير تتحدث عن تحركات برية قد تنقل الحرب إلى مرحلة جديدة بالكامل، وهي مرحلة قد تجعل أراضي عدد من دول الخليج والعراق ساحة مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية.

وبحسب ما تداولته منصات ومصادر عراقية غير مؤكدة رسمياً حتى الآن، فإن القوات الأمريكية نفذت عملية إنزال جوي في مناطق قريبة من قضاء النخيب غرب العراق، وهي منطقة تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها الذي يربط العراق بالحدود السعودية ويشرف على عدد من خطوط الإمداد والتحرك العسكري. وفي المقابل ، خرجت تصريحات منسوبة إلى قيادات في الحرس الثوري الإيراني تشير إلى استعداد طهران لتنفيذ عمليات برية تستهدف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في العراق والكويت والبحرين ، اعتماداً على الفصائل المسلحة الحليفة لها داخل العراق.

ورغم أن هذه المعلومات لا تزال بحاجة إلى تأكيد رسمي ، فإن مجرد تداولها بهذا الشكل يعكس حجم التوتر الذي وصلت إليه المنطقة، ويؤكد أن الجميع بات يتعامل مع احتمال الانتقال من الحرب الجوية إلى المواجهة البرية باعتباره سيناريو قائمًا، وليس مجرد فرضية بعيدة.

ولفهم كيف وصل المشهد إلى هذه المرحلة، لا بد من العودة إلى سلسلة الأحداث التي شهدتها الساعات الثماني والأربعون الماضية ، والتي تكشف أن التصعيد يسير وفق مسار متدرج لكنه شديد الخطورة.

البداية جاءت مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، أعلن فيها أن الولايات المتحدة سترد على أي هجوم يستهدف السفن المارة في مضيق هرمز من خلال ضرب منشآت حيوية داخل إيران ، مثل الجسور ومحطات الكهرباء والبنية التحتية. هذا النوع من التهديدات يحمل دلالة استراتيجية مختلفة؛ فهو يعني أن الحرب لم تعد تستهدف القدرات العسكرية فقط ، وإنما بدأت تدخل مرحلة استنزاف الدولة نفسها عبر ضرب المرافق المدنية والاقتصادية ، وهي مرحلة غالباً ما تكون أكثر تدميراً وأطول أمداً، لأن آثارها تمتد إلى حياة ملايين المدنيين وتنعكس على الاقتصاد والطاقة والخدمات الأساسية.

اللافت أن الرد الأول على هذه التهديدات لم يصدر من طهران مباشرة، بل جاء من اليمن، حيث أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على السفن السعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ، باعتباره رداً على العمليات العسكرية السعودية الأخيرة في اليمن، واستمرار الحصار المفروض على البلاد منذ سنوات.

ولم يتوقف الأمر عند حدود البيانات السياسية، إذ أعلن الحوثيون تنفيذ هجوم على ناقلتي نفط سعوديتين باستخدام صواريخ بحرية وطائرات مسيرة، مؤكدين أن العملية دفعت السفينتين إلى تغيير مسارهما، كما أثرت على حركة عدد آخر من السفن التجارية التي فضلت العودة وتجنب المرور في المنطقة.

تكمن خطورة هذه التطورات في أنها تضع صادرات النفط السعودية أمام ضغوط متزامنة من جهتين. فمن ناحية، يظل مضيق هرمز عرضة للتهديد الإيراني، ومن ناحية أخرى يتحول باب المندب إلى منطقة عالية المخاطر بسبب العمليات الحوثية. وفي الحروب البحرية لا يشترط أن تُغرق السفن حتى يتحقق التأثير الاستراتيجي، إذ يكفي إطلاق صاروخ أو طائرة مسيرة بالقرب من خطوط الملاحة حتى ترتفع تكاليف التأمين، وتعيد شركات الشحن حساباتها، وتتغير مسارات التجارة العالمية، وهو ما ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة والأسواق الدولية.

وقد ظهرت بالفعل أولى مؤشرات ذلك مع ارتفاع أسعار النفط وعودة المخاوف العالمية بشأن أمن المضائق البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.

الرد الأمريكي جاء سريعاً أيضاً ، من خلال ضربة استهدفت منطقة معبر الشلامجة الحدودي بين العراق وإيران، وهو أحد أهم المعابر التي تشهد حركة مدنية ودينية كثيفة بين البلدين. ووفق السلطات الإيرانية المحلية، أسفر الهجوم عن سقوط ضحايا وإصابات بين المدنيين ، الأمر الذي زاد من حالة الاحتقان، خاصة مع انتشار صور ومقاطع مصورة من موقع الاستهداف.

وفي الوقت نفسه، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تحذيراً أمنياً واسع النطاق لرعاياها، دعتهم فيه إلى توخي أقصى درجات الحذر بسبب احتمالات التصعيد المفاجئ، واحتمال إغلاق المجالات الجوية وتعطل حركة السفر، كما حذرت من إمكانية تعرض المصالح الأمريكية لهجمات خارج منطقة الشرق الأوسط أيضًا، وهو ما يعكس اتساع دائرة القلق داخل المؤسسات الأمريكية من تحول الصراع إلى مواجهة عابرة للحدود.

وعلى المستوى العسكري، واصلت الولايات المتحدة عملياتها الجوية المكثفة داخل إيران، حيث شنت موجات متتالية من الضربات باستخدام مقاتلات شبحية وطائرات هجومية مدعومة بطائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود، مستهدفة مواقع بحرية ومنظومات دفاع جوي ومخازن صواريخ وقواعد للطائرات المسيّرة في عدة مدن إيرانية.

في المقابل ، لم تعد إيران تكتفي باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية، بل تشير تقارير إلى توسع دائرة الهجمات لتشمل مرافق الطاقة والبنية التحتية في بعض دول الخليج، وهو ما ظهر في إعلان السلطات الكويتية عن خروج أجزاء من شبكة الكهرباء عن الخدمة نتيجة هجمات بطائرات مسيرة، الأمر الذي استدعى تشغيل مولدات ومحطات متنقلة لتغطية العجز.

عندما تصل الحرب إلى استهداف الكهرباء والمياه والموانئ وشبكات النقل، فإنها تدخل مرحلة تختلف جذرياً عن المواجهات العسكرية التقليدية ، لأن الهدف يصبح إنهاك الدولة اقتصاديًا واجتماعيًا، وليس فقط إضعاف قدراتها القتالية.

أما السؤال الأكثر حساسية الآن، فهو ما إذا كانت الولايات المتحدة تستعد بالفعل لعملية برية ضد إيران انطلاقاً من الأراضي العراقية. وحتى هذه اللحظة لا توجد أدلة رسمية تؤكد ذلك ، لكن الموقع الجغرافي للنخيب يجعل أي تحرك عسكري في تلك المنطقة محط اهتمام كبير، لأنها تمثل عقدة مواصلات يمكن استخدامها لتأمين خطوط الإمداد أو تنفيذ عمليات استطلاع أو تعزيز حماية القواعد العسكرية المنتشرة في العراق.

وفي المقابل، إذا صحت المعلومات المتداولة بشأن استعداد إيران لتنفيذ عمليات برية ضد القواعد الأمريكية في العراق والكويت والبحرين، فإن ذلك يعني عمليًا انتقال المواجهة إلى أراضي دول أخرى، وهو سيناريو يحمل مخاطر هائلة على أمن الخليج واستقرار المنطقة بأكملها، لأن الدول المستضيفة لتلك القواعد ستجد نفسها طرفًا ميدانيًا في الحرب حتى وإن لم تكن صاحبة قرار إشعالها.

ولا يتوقف التعقيد عند هذا الحد، إذ بدأت تبرز مؤشرات على احتمال دخول تركيا في معادلة الصراع، بعد تقارير تحدثت عن تحذيرات تركية من مشاركة قوات كردية في أي عملية برية داخل إيران. فأنقرة تنظر إلى أي توسع عسكري للقوى الكردية المسلحة باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وبالتالي قد تتحرك لمنع تشكل واقع جديد على حدودها، حتى لو تطلب ذلك اتخاذ مواقف تتقاطع مرحليًا مع المصالح الإيرانية.

إذا أضيف هذا العامل إلى المشهد، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام شبكة معقدة من التحالفات والتقاطعات ؛ الولايات المتحدة والقوات الحليفة لها ، وإيران والفصائل المرتبطة بها، وإسرائيل في حالة استنفار ، وتركيا تراقب التطورات وتحسب خطواتها بدقة، فيما تتحول دول الخليج إلى ساحة تتقاطع فوقها المصالح العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية.

ورغم كثرة التقارير المتداولة، يبقى من الضروري التمييز بين المعلومات المؤكدة وتلك التي لا تزال تعتمد على مصادر غير رسمية ، لأن الحروب لا تُدار بالسلاح وحده، بل بالمعلومات أيضاً ، وكثيراً ما تتحول الشائعات والتسريبات إلى جزء من أدوات الحرب النفسية والتأثير على الرأي العام.

لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية، وأن أي خطأ في الحسابات، أو أي قرار متسرع من أحد الأطراف، قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على الاقتصاد العالمي ، وأسواق الطاقة ، وأمن الملاحة الدولية ، ومستقبل الاستقرار الإقليمي بأكمله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى