مقالات

عبد الرحمن السيد .. هل يصنع تحولًا تاريخياً في السياسة الأمريكية أم يخوض مناورة انتخابية؟

بقلم : يوحنا عزمي

ما جرى في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد فوز انتخابي لمرشح جديد، بل يمثل مؤشراً سياسياً يستحق التوقف عنده طويلًا، لأنه يعكس تحولات أعمق داخل المجتمع الأمريكي، ويكشف عن تغيرات متسارعة في المزاج السياسي، خصوصاً لدى الأجيال الشابة ، تجاه قضايا السياسة الخارجية الأمريكية ، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل.

عبد الرحمن السيد، الطبيب الأمريكي المنحدر من أصول مصرية، وجد نفسه خلال أيام قليلة في قلب واحدة من أكثر المعارك السياسية والإعلامية إثارة للجدل. فمن ناحية، حقق انتصاراً انتخابياً اعتبره كثيرون مفاجأة كبيرة أمام منافسة حظيت بدعم مالي وسياسي واسع، ومن ناحية أخرى تحول إلى هدف لحملات نقد وهجوم داخل الولايات المتحدة وخارجها ، خاصة بعد إعادة تداول تصريحات قديمة له عن مصر أثارت حالة واسعة من الغضب والرفض.

بعيداً عن ردود الأفعال العاطفية، فإن قراءة هذه الحالة تحتاج إلى قدر من الهدوء ، لأن ما يحدث يتجاوز شخص عبد الرحمن السيد نفسه، ويمس طبيعة التحول الجاري داخل السياسة الأمريكية.

نشأة الرجل تكشف جزءًا مهماً من قصته. فهو ابن لعائلة مصرية هاجرت إلى الولايات المتحدة، وتلقى تعليمه داخل واحدة من أكثر المؤسسات الأكاديمية الأمريكية تميزاً، قبل أن يعمل طبيباً وخبيراً في الصحة العامة، ويشارك في ملفات اجتماعية وصحية معقدة داخل مدينة ديترويت. هذه الخلفية منحته صورة المرشح القادم من خارج المؤسسة السياسية التقليدية، وهو النموذج الذي أصبح يحظى بجاذبية متزايدة لدى قطاعات واسعة من الناخبين الأمريكيين الذين يشعرون بأن الطبقة السياسية القديمة لم تعد تعبر عنهم.

لكن العامل الأكثر أهمية في صعوده لم يكن سيرته المهنية فقط، وإنما برنامجه السياسي، الذي تضمن انتقادات واضحة للسياسة الأمريكية تجاه الحرب في غزة، ودعوات لإعادة النظر في حجم الإنفاق الخارجي، وهو خطاب وجد صدى لدى قطاعات من الشباب والناخبين التقدميين الذين أصبحوا أكثر تشكيكاً في السياسات التقليدية لواشنطن في الشرق الأوسط.

وبغض النظر عن حجم الأموال التي أُنفقت في هذه المعركة الانتخابية أو حجم الدعم الذي تلقاه منافسوه، فإن النتيجة النهائية أوضحت أن المال السياسي لم يعد وحده قادراً على حسم كل المعارك ، وأن المزاج الشعبي بات يمتلك قدرة أكبر على فرض خياراته عندما تتوافر شخصية تستطيع مخاطبة هموم الناخبين بصورة مباشرة.

هذا هو السبب الحقيقي وراء حالة القلق التي صاحبت صعوده. فالخوف بالنسبة إلى خصومه لا يتعلق بشخصه فقط ، وإنما بإمكانية أن يصبح نموذجاً جديداً لسياسيين أمريكيين يتبنون رؤية مختلفة تماماً للسياسة الخارجية، ويعيدون طرح أسئلة كانت حتى وقت قريب تعتبر من المحرمات داخل واشنطن.

أما النقطة التي أثارت الجدل الأكبر في مصر ، فهي تصريحاته المتعلقة ببلد أصوله، وحديثه عن وقف المساعدات الأمريكية لمصر، إلى جانب تعليقات اعتبرها كثيرون مسيئة وغير لائقة. ومن الطبيعي أن تثير مثل هذه التصريحات غضباً واسعاً لدى المصريين، لأن الانتماء الوطني لا يقاس بالحسابات الانتخابية، كما أن احترام بلد المنشأ يظل قيمة أخلاقية لا ينبغي التفريط فيها مهما كانت طبيعة المنافسة السياسية.

ومع ذلك، فإن فهم دوافع هذا الخطاب يقتضي النظر إليه من زاوية مختلفة. فعبد الرحمن السيد لا يخوض انتخابات داخل مصر، ولا يخاطب الناخب المصري ، بل يسعى إلى كسب ثقة الناخب الأمريكي، وهو يدرك أن خصومه يحاولون تقديمه باعتباره مرشحاً تحركه خلفيته العربية أو الإسلامية، وليس المصالح الأمريكية. ولذلك قد يكون من مصلحته السياسية أن يؤكد باستمرار أن موقفه لا يستثني أي دولة تتلقى دعمًا أمريكياً ، حتى تلك التي تنتمي إليها جذور عائلته، ليقدم نفسه باعتباره سياسياً أمريكياً يضع مصلحة دافع الضرائب الأمريكي فوق أي اعتبارات أخرى.

هل يعكس هذا قناعته الحقيقية؟ لا أحد يستطيع الجزم بذلك. فالسياسة، خاصة في الولايات المتحدة، تقوم في كثير من الأحيان على صناعة الرسائل الانتخابية بقدر ما تقوم على التعبير عن القناعات الشخصية. والسياسي الناجح لا يخاطب مشاعره، وإنما يخاطب أولويات الناخب الذي سيمنحه صوته.

وفي المقابل ، لا ينبغي للمصريين أن يبالغوا في ربط مستقبل بلادهم بتصريحات مرشح أمريكي، مهما كانت أهميته. فمصر دولة ذات ثقل إقليمي وتاريخي، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة تحكمها اعتبارات استراتيجية معقدة تتجاوز الأشخاص والانتخابات. كما أن المساعدات الأمريكية ليست مجرد منحة مجانية ، وإنما ترتبط بسياقات سياسية وأمنية واتفاقات ممتدة عبر عقود، وبالتالي فإن التعامل معها يحتاج إلى قراءة أشمل من مجرد تصريح انتخابي.

الأهم من كل ذلك أن صعود شخصيات مثل عبد الرحمن السيد يعكس تحولًا أوسع داخل المجتمع الأمريكي نفسه. فمنذ اندلاع الحرب في غزة، شهد الرأي العام الغربي تغيرات واضحة، خاصة بين الشباب والجامعات وقطاعات واسعة من التيار التقدمي، وأصبح النقاش حول الدعم الأمريكي لإسرائيل أكثر اتساعاً من أي وقت مضى. وما كان يُعد سابقاً هامشياً أصبح اليوم جزءًا من الخطاب السياسي الرئيسي داخل الحزب الديمقراطي.

لذلك فإن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في شخص عبد الرحمن السيد وحده، وإنما في الدلالات السياسية التي تحملها. فإذا تمكن من استكمال طريقه إلى مجلس الشيوخ، فسيكون ذلك تعبيرًا عن تغيرات بنيوية داخل الحياة السياسية الأمريكية ، وقد يمثل بداية مرحلة جديدة في طريقة تعامل واشنطن مع كثير من ملفات الشرق الأوسط، حتى وإن لم يحدث ذلك بصورة فورية.

وفي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي على أي سياسي مرهوناً بما يفعله بعد وصوله إلى السلطة، لا بما يقوله أثناء حملته الانتخابية. فالانتخابات مليئة بالشعارات ، أما التاريخ فلا يكتب إلا بالمواقف والقرارات. وما نشهده اليوم قد يكون مجرد محطة عابرة في السياسة الأمريكية، وقد يكون أيضاً بداية لتحول أعمق يعيد رسم ملامح العلاقة بين الولايات المتحدة والمنطقة خلال السنوات المقبلة. وحدها التطورات القادمة ستكشف أي الاحتمالين سيكون أقرب إلى الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى