مقالات

اليمن وإيران .. هل نحن أمام الشرارة التي قد تشعل حرب المنطقة الكبرى؟

✍️ يوحنا عزمي

من الواضح أن مسار الحرب في اليمن ، بالتوازي مع التصعيد المرتبط بإيران، يدفع المنطقة تدريجياً نحو نقطة شديدة الخطورة، وربما نحو مرحلة يصبح فيها التراجع عن مسار التصعيد أكثر صعوبة من الاستمرار فيه. والمشكلة الحقيقية ليست فقط في اتساع رقعة المواجهات ، وإنما في أن الصراعات حين تدخل هذه المرحلة تبدأ في إنتاج أسباب جديدة لاستمرارها ، بحيث لا يعود السؤال: من انتصر؟ وإنما يصبح السؤال الأخطر: كيف يمكن إيقاف هذا المسار قبل أن يتحول إلى حرب إقليمية شاملة لا يستطيع أحد التحكم في نتائجها؟

لقد كررت مراراً أن الصراع في هذه المنطقة لا يمكن حسمه عسكريًا بالمعنى التقليدي، وأن الحلول الجزئية أو الترقيعية لن تكون قادرة على معالجة جذوره. وهذه ليست دعوة إلى الاستسلام أو التخلي عن أدوات القوة ، وإنما هي قراءة لطبيعة الصراع نفسه، وللتجارب التاريخية التي تؤكد أن بعض الحروب لا تنتهي بمجرد تحقيق تفوق عسكري على الأرض ، لأن المشكلة تكون أعمق من السيطرة على مدينة أو موقع أو طريق استراتيجي.

ولعل اليمن هو النموذج الأكثر وضوحاً على ذلك.

فالتاريخ اليمني يحمل دروسًا قاسية لكل قوة خارجية ظنت في لحظة ما أن امتلاك التفوق العسكري يعني امتلاك القدرة على إخضاع اليمن. الإمبراطورية العثمانية دخلت هذا الاختبار، والبريطانيون خاضوا تجارب طويلة، ومصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر دفعت أثماناً كبيرة خلال تدخلها في اليمن. ومع اختلاف الظروف والسياقات التاريخية بين كل تجربة وأخرى، ظل هناك عامل ثابت تقريباً: الطبيعة الجغرافية والاجتماعية والسياسية المعقدة لليمن تجعل تحويل الانتصار العسكري إلى استقرار سياسي مستدام مهمة شديدة الصعوبة.

ولهذا فإن تشبيه اليمن بأفغانستان ليس مبالغة في تقديري، مع اختلاف التفاصيل بين الحالتين. فكلاهما يمثل نموذجاً لصراع تستطيع فيه القوة العسكرية أن تحقق مكاسب تكتيكية، لكنها تواجه صعوبة شديدة في تحويل تلك المكاسب إلى تسوية سياسية نهائية ومستقرة. وقد رأينا كيف استُنزفت قوى كبرى في أفغانستان، من الاتحاد السوفيتي إلى الولايات المتحدة، رغم الفوارق الهائلة في الإمكانيات العسكرية بينها وبين خصومها.

وهنا يجب أن نفرق بين الانتصار العسكري والانتصار الاستراتيجي.

قد تستطيع دولة ما أن تدمر قدرات خصمها العسكرية، أو تسيطر على مساحة جغرافية ، أو تحقق تفوقاً ميدانياً ، لكن السؤال الحقيقي يجب أن يكون: ماذا بعد ذلك؟

إذا انتهت الحرب إلى بيئة أكثر اضطراباً، وإلى أجيال جديدة تحمل مشاعر الانتقام، وإلى فراغ سياسي تستغله قوى أخرى، وإلى حدود أكثر هشاشة وتهديدات أمنية أكثر تعقيداً ، فهل يمكن اعتبار ذلك انتصاراً حقيقياً ؟

الحروب لا تُخاض من أجل الحرب نفسها، وإنما تُخاض لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية محددة. ولذلك فإن معيار نجاح الحرب ليس حجم الدمار الذي ألحقته بالخصم، وإنما قدرتها على تحقيق الهدف الذي اندلعت من أجله.

وفي الحالة السعودية، إذا كان الهدف الأساسي هو تحقيق الأمن والاستقرار وحماية الحدود ومنع تحول اليمن إلى مصدر تهديد دائم، فإن السؤال الاستراتيجي يجب أن يكون: أي الخيارات يحقق هذا الهدف بأقل تكلفة وأعلى ضمانة للاستدامة؟

إذا كانت الحرب لا تحقق الأمن، بل تستنزف الموارد وتزيد العداء وتخلق تهديدات جديدة، بينما يستطيع المسار السياسي أن يحقق قدرًا أكبر من الأمن والاستقرار بتكلفة أقل ، فإن اللجوء إلى السياسة لا يكون تراجعًا، بل قد يكون هو عين القوة.

بل إن أعظم الانتصارات أحياناً هي تلك التي تحقق هدفك من دون أن تضطر إلى خوض الحرب أصلًا.

فالقوة العسكرية ليست هدفاً بذاتها، وإنما أداة ضمن مجموعة أدوات أخرى ، والحكمة الاستراتيجية تكمن في معرفة متى تستخدم القوة، ومتى تستخدم السياسة، ومتى تجمع بينهما، ومتى تدرك أن استمرار الحرب أصبح أكثر تكلفة من أي مكسب يمكن أن تحققه.

أما المشكلة الأخرى، فهي أن المنطقة اعتادت منذ سنوات على إنتاج حلول مؤقتة لصراعات عميقة.

اجتماعات، بيانات، مؤتمرات، عبارات دبلوماسية، دعوات إلى التهدئة، ثم يعود التصعيد من جديد.

والسبب أن كثيراً من هذه المبادرات تتعامل مع أعراض الأزمة، ولا تتعامل مع جذورها. قد توقف إطلاق النار لفترة، لكنها لا تجيب عن سؤال اليوم التالي. قد تخفف التوتر، لكنها لا تبني نظاماً سياسياً وأمنياً قادراً على منع عودة الصراع. وقد تفتح باباً للتفاوض، لكنها لا تضع تصوراً متكاملًا لشكل المنطقة بعد انتهاء الحرب.

وهذا تحديداً هو ما يجعلني أرى أن أي حل حقيقي يجب أن يكون أعمق بكثير من مجرد تسوية مؤقتة.

المشكلة في اليمن وإيران والخليج والشرق الأوسط عموماً ليست سياسية فقط ، وإنما هي شبكة شديدة التعقيد من الحسابات الأمنية والجيوسياسية والطائفية والتاريخية والاقتصادية، ولذلك فإن محاولة حلها بأداة واحدة ستظل عاجزة عن الوصول إلى نتيجة دائمة.

ومن هنا تأتي أهمية التفكير في مشروع إقليمي مختلف تماماً، يقوم على فكرة تبدو بسيطة لكنها في الحقيقة شديدة العمق: لماذا لا تتحول دول المنطقة من حالة الصراع المستمر إلى حالة تعاون حقيقي تحفظ مصالح الجميع؟

لماذا يصبح التنافس بين القوى الكبرى في العالم الإسلامي سبباً في تدمير دول المنطقة بدلًا من أن يتحول إلى تنافس إيجابي على التنمية والاستقرار والنفوذ الاقتصادي والسياسي؟

لقد دفعت المنطقة بالفعل أثماناً هائلة نتيجة الصراعات بين مراكز القوى، وفقد العالم الإسلامي خلال العقود الماضية دولًا ومجتمعات كانت تمثل مراكز ثقل أساسية، بينما استُنزفت موارد هائلة في الحروب والصراعات التي كان يمكن توجيهها إلى التنمية وبناء الإنسان والاقتصاد.

والحل، في تقديري، لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق سياسي عابر، وإنما يحتاج إلى بناء منظومة متدرجة تبدأ بإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي نفسه.

نحن بحاجة إلى نظام تعاون جديد بين دول المنطقة، يقوم على مصالح مشتركة وضمانات متبادلة وآليات واضحة لمنع الصدام، بحيث لا تصبح قوة دولة ما تهديداً تلقائياً لجيرانها، وإنما تتحول هذه القوة إلى جزء من منظومة أمن جماعي.

وهنا تأتي المسألة الأكثر حساسية، وهي المصالحة بين المكونات والمذاهب الإسلامية المختلفة، خصوصًا السنة والشيعة والزيدية.

فالاستقرار السياسي لن يكون كاملًا ما دامت المجتمعات نفسها تُدفع بصورة مستمرة إلى النظر إلى بعضها باعتبارها تهديداً وجودياً. ولا يمكن أن نتجاهل أن سنوات طويلة من الخطاب التحريضي والاستثمار السياسي في الانقسامات المذهبية ساهمت في إنتاج بيئة قابلة للانفجار.

وهذا لا يعني أن كل الصراعات السياسية يمكن اختزالها في البعد المذهبي ، فهذا تبسيط مخل ، لكن تجاهل هذا البعد أيضاً خطأ استراتيجي.

الصراع له جذور سياسية وجيوسياسية وأمنية واقتصادية وتاريخية، وله كذلك أبعاد مذهبية واجتماعية. ولذلك فإن أي مشروع لإنهائه يجب أن يتعامل مع كل هذه الطبقات في وقت واحد، بدلًا من معالجة طبقة واحدة وترك بقية أسباب الانفجار قائمة.

وأقوى أنواع الأمن، في تقديري، ليس أن تكون قادراً على تدمير خصمك، وإنما أن تصل إلى مرحلة لا تخشى فيها قوة جارك؛ لأنك تعرف أن هذه القوة، مهما تضخمت ، لن تتحول إلى خطر عليك.

عندها فقط يمكن أن تنتقل المنطقة من منطق استنزاف القوة إلى منطق توظيف القوة.

ومن إنفاق الأموال على السلاح إلى الاستثمار في الاقتصاد.

ومن بناء التحالفات ضد بعضنا البعض إلى بناء المصالح المشتركة.

ومن تخويف الشعوب من بعضها إلى خلق مساحة للتعايش والتعاون.

هذه ليست أفكاراً مثالية منفصلة عن الواقع، وإنما هي في جوهرها محاولة لإعادة تعريف معنى الانتصار نفسه.

فالانتصار الحقيقي ليس أن يهزم طرف طرفاً آخر، وإنما أن تنتهي الحرب دون أن يحتاج أي طرف إلى تدمير الآخر حتى يشعر بالأمان.

وأنا هنا أجدد موقفي بوضوح شديد : لا أفرح بسقوط دم إنسان، أياً كان هذا الإنسان. الدم السعودي مقدس، والدم اليمني مقدس، والدم الإيراني مقدس، والدم الخليجي والعراقي وكل دم إنساني مقدس بالقدر نفسه.

لا أرى أن حياة إنسان تصبح أقل قيمة بسبب جنسيته أو مذهبه أو قوميته أو موقفه السياسي.

كما أرفض الكراهية بكل أشكالها، وأحترم المذاهب والطوائف والأديان والآراء المختلفة. المعتقدات في النهاية شأن إنساني وشخصي، والله وحده هو المعني بالحساب عليها.

هذا ليس موقفاً سياسياً مؤقتاً تفرضه ظروف اللحظة، وإنما هو موقف إنساني أؤمن بأنه قادر ، إذا تحول من مجرد كلمات إلى ثقافة وممارسة ، على إزالة جزء كبير من أسباب أزمات هذه المنطقة.

لقد جربنا الحرب بما يكفي، وجربنا الاستقطاب بما يكفي، وجربنا لغة الكراهية بما يكفي.

وربما آن الأوان لأن نجرب شيئاً مختلفاً.

أن نجرب أن تكون القوة في حماية الإنسان لا في قتله، وأن يكون الأمن قائماً على التعاون لا على الخوف ، وأن يصبح اختلاف المذهب أو القومية أو الجنسية سبباً للتنوع لا ذريعة للصراع.

وأخشى أن تدرك المنطقة هذه الحقيقة، كما يحدث كثيراً في التاريخ، بعد أن يكون ثمن إدراكها قد أصبح أكبر بكثير مما كان يمكن دفعه في البداية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى