مقالات

بريكس .. هل يقترب العالم من فك قبضة الدولار؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

لو سألتني: ما هي مجموعة بريكس؟ وهل تستطيع فعلًا أن تطيح بالدولار من عرش النظام المالي العالمي؟ وهل تستطيع مصر أن تحقق مكاسب حقيقية من عضويتها في هذا التكتل؟ فسأقول لك إن الإجابة ليست نعم أو لا بهذه البساطة، لأن بريكس ليست مجرد تحالف اقتصادي، وليست في الوقت نفسه مشروعاً مكتمل الأركان لإسقاط الولايات المتحدة أو إنهاء هيمنة الدولار، وإنما هي واحدة من أهم علامات التحول الجاري في شكل النظام الدولي.

فبريكس، التي بدأت عام 2009، وتضم اليوم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا ، إلى جانب مصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات العربية المتحدة، تمثل محاولة من مجموعة من القوى الصاعدة ودول الجنوب لإعادة صياغة جزء من قواعد النظام الدولي الذي ظل لعقود طويلة خاضعاً بدرجة كبيرة للنفوذ الأمريكي والغربي.

وهنا يجب أن نتوقف قليلاً، لأن الخطأ الأكبر هو النظر إلى بريكس باعتبارها كتلة متجانسة تقف في مواجهة كتلة غربية متجانسة. الواقع أكثر تعقيداً بكثير.

عندما تنظر إلى حجم المجموعة، ستجد أمامك كتلة بشرية ضخمة تقترب من نصف سكان العالم، ومساحة جغرافية هائلة، واقتصادات تمثل نسبة كبيرة من الناتج العالمي والتجارة الدولية. وهذه الأرقام وحدها تجعل من الصعب التعامل مع بريكس باعتبارها مجرد تجمع سياسي عابر أو منتدى دولي محدود التأثير.

لكن القوة لا تقاس بالأرقام فقط.

فالمشكلة الأساسية أمام بريكس هي أن هذه الدول ليست موجودة في إقليم جغرافي واحد ، ولا تجمعها بالضرورة رؤية سياسية موحدة، بل إن بعض أعضائها يرتبطون فيما بينهم بتنافسات وصراعات ومصالح متعارضة. الصين والهند نموذج واضح، وكذلك إيران والإمارات والسعودية في الإقليم ، ومصر وإثيوبيا لديهما ملفات خلافية معروفة ، فضلًا عن اختلاف طبيعة الأنظمة الاقتصادية والسياسية والمصالح الاستراتيجية بين أعضاء المجموعة.

ومن هنا نفهم لماذا يبدو الاقتصاد هو المساحة الأكثر قابلية للتوافق داخل بريكس.

فالدول الأعضاء قد تختلف سياسيًا، وقد تتنافس استراتيجياً ، لكنها تستطيع في الوقت نفسه أن تتفق على توسيع التجارة، وتسهيل الاستثمارات ، وزيادة استخدام العملات المحلية ، وإنشاء آليات تمويل بديلة، وتقليل الاعتماد على المؤسسات المالية التي يملك الغرب فيها نفوذًا تاريخيًا كبيرًا.

وهنا تحديداً تظهر قضية الدولار.

هل بريكس تستطيع القضاء على الدولار؟

في تقديري، الحديث عن “نهاية الدولار” مبالغ فيه إذا كان المقصود أن تستيقظ الولايات المتحدة ذات صباح لتجد عملتها خرجت من النظام المالي العالمي. هذا السيناريو غير واقعي في المدى المنظور، لأن قوة الدولار لا تستند فقط إلى قوة الاقتصاد الأمريكي، وإنما إلى شبكة ضخمة من التجارة والتمويل والأسواق والمؤسسات المالية والاحتياطيات والأصول المقومة بالدولار.

لكن في المقابل ، من الخطأ أيضاً التقليل من أهمية ما تفعله بريكس.

فالمعركة الحقيقية ليست بالضرورة إسقاط الدولار، وإنما تقليل درجة الاعتماد الإجباري عليه.

وهذا فرق جوهري.

إذا تمكنت دول بريكس من زيادة التجارة فيما بينها باستخدام عملاتها المحلية، وتطوير أنظمة دفع أكثر استقلالًا، وتوسيع أدوات التمويل بعيداً عن القنوات التقليدية، فإنها بذلك لا “تقتل الدولار”، لكنها تقلل من احتكاره لبعض المسارات التجارية والمالية.

والنظام الدولي عادة لا يتغير بضربة واحدة، وإنما يتغير عندما تبدأ البدائل في الظهور وتكتسب قدرة تدريجية على منافسة النظام القائم.

وهنا تأتي أهمية بريكس الحقيقية.

المجموعة لا تتحرك فقط في اتجاه العلاقات التجارية، وإنما تحاول أيضاً زيادة قدرتها على التأثير في قواعد النظام الاقتصادي العالمي، والمطالبة بإصلاح مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية ، وهي مؤسسات لعبت القوى الغربية دورًا محوريًا في تشكيلها وإدارتها طوال العقود الماضية.

لكن المفارقة هنا أن دول بريكس لا تستطيع ببساطة تجاهل هذه المؤسسات، فهي ما زالت جزءًا أساسياً من النظام المالي العالمي.

وبالتالي، نحن أمام معادلة أكثر ذكاءً من مجرد “شرق ضد غرب”.

أعضاء بريكس يريدون من ناحية زيادة استقلالهم عن النظام الذي يهيمن عليه الغرب، لكنهم من ناحية أخرى لا يستطيعون الانفصال عنه بالكامل، لأن الاقتصاد العالمي مترابط، والاستثمارات والتجارة وسلاسل الإمداد والتمويل الدولي لا يمكن فصلها بجرة قلم.

ومن هنا يمكن فهم بريكس باعتبارها محاولة لبناء مساحة أكبر للمناورة ، وليس إعلان حرب اقتصادية شاملة على الغرب.

وهنا تظهر أهمية مصر.

مصر لا ينبغي أن تنظر إلى عضويتها في بريكس باعتبارها شهادة سياسية أو انتصاراً رمزياً فقط، وإنما باعتبارها فرصة اقتصادية تحتاج إلى إدارة شديدة الذكاء.

لماذا؟

لأن وجود مصر داخل هذا التكتل يفتح أمامها إمكانية الوصول بصورة أوسع إلى أسواق ضخمة تمتد من آسيا إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية ، كما يمنحها فرصة أكبر لجذب الاستثمارات ، وتوسيع الصادرات، وتطوير العلاقات التجارية والمالية مع عدد من القوى الاقتصادية الكبرى.

لكن عضوية بريكس وحدها لن تجعل مصر دولة صناعية، ولن تخفض الديون تلقائياً، ولن تمنع أزمة العملة الأجنبية، ولن تلغي الحاجة إلى الدولار.

وهنا يجب أن نقول الحقيقة بوضوح: السوق وحده لا يصنع القوة الاقتصادية.

القوة تبدأ من القدرة على الإنتاج.

فإذا كانت مصر ستدخل أسواق بريكس لتستورد أكثر مما تصدر، وتشتري منتجات أكثر مما تبيع، فإن اتساع الأسواق قد يتحول paradoxically إلى زيادة في فاتورة الاستيراد بدلًا من أن يصبح فرصة للنمو.

أما إذا استطاعت مصر أن تنتج بكفاءة، وتطور صناعاتها، وتزيد القيمة المضافة، وتبني منتجات قادرة على المنافسة، وتستخدم موقعها الجغرافي وقناة السويس وشبكات النقل والطاقة والعمالة والسوق المحلية ، فإن بريكس يمكن أن تتحول بالفعل إلى منصة اقتصادية شديدة الأهمية لمصر.

بمعنى آخر: المشكلة ليست في أن يكون لديك سوق كبير، وإنما في أن تكون قادرًا على امتلاك هذا السوق بمنتجك.

والدولة التي تنتج وتصدر هي التي تستفيد من الأسواق، أما الدولة التي تستهلك وتستورد فقط ، فقد تجد نفسها تنتقل من الاعتماد على سوق إلى الاعتماد على سوق آخر ، دون أن يتغير جوهر المشكلة.

وهنا نصل إلى التحدي الأكبر أمام بريكس نفسها.

التجارة لا تعيش في فراغ.

لكي تتحرك السلع والاستثمارات بين هذه الدول، نحتاج إلى طرق آمنة، وممرات بحرية مستقرة، ومضائق مفتوحة، وبيئة سياسية وأمنية تسمح لرأس المال بأن يتحرك.

وهنا يصبح الشرق الأوسط نقطة شديدة الحساسية في معادلة بريكس.

فالممرات البحرية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، ليست مجرد خطوط على الخريطة، وإنما شرايين رئيسية للتجارة والطاقة العالمية. وأي اضطراب أمني واسع فيها لا ينعكس فقط على دول المنطقة، وإنما يمكن أن يصل تأثيره إلى الصين والهند وأوروبا وروسيا ودول الخليج والأسواق العالمية بأكملها.

وهنا تصبح المصالح متشابكة بصورة شديدة التعقيد.

الصين تريد استمرار تدفق التجارة والطاقة، والهند تريد حماية طرقها التجارية، ودول الخليج تريد أمن صادراتها، ومصر تريد استقرار قناة السويس، وروسيا لديها حساباتها الجيوسياسية، بينما تظل الولايات المتحدة والقوى الغربية حاضرة بقوة في المعادلة الأمنية للمنطقة.

إذن ، لا يمكن فصل مشروع بريكس الاقتصادي عن الصراعات الجيوسياسية المحيطة به.

ومن هنا أيضاً يأتي السؤال الذي قد يبدو بسيطًا لكنه في الحقيقة شديد الدلالة: إذا كانت بريكس تسعى إلى تقليص الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي ، فلماذا لا تتحول بيانات قممها دائماً إلى بيانات صدامية مباشرة مع الولايات المتحدة وسياساتها؟

الإجابة في رأيي أن هذا التكتل أكثر براغماتية مما يبدو في الخطاب السياسي المتداول عنه.

الدول الأعضاء لا تريد بالضرورة الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن ، وإنما تريد زيادة هامش استقلالها عن واشنطن.

والفرق بين الاثنين كبير جداً. 

الصدام المباشر قد يكون مكلفاً، أما بناء البدائل تدريجياً فيمنح الدول مساحة أكبر للمناورة دون أن تضطر إلى قطع علاقاتها بالنظام القائم.

ولهذا فإن مستقبل بريكس لن يتحدد بعدد الدول التي تنضم إليها فقط، وإنما بقدرتها على تحويل الحجم الاقتصادي الهائل الذي تمتلكه إلى أدوات مؤسسية حقيقية: تجارة أكبر، استثمارات أكثر، تمويل مستقل، أنظمة دفع أكثر كفاءة، سلاسل توريد بديلة، وزيادة في استخدام العملات المحلية.

أما فكرة أن بريكس ستستيقظ غداً لتعلن نهاية عصر الدولار، فهي أقرب إلى العناوين المثيرة منها إلى التحليل الاقتصادي الواقعي.

الأدق أن نقول إن العالم يتحرك تدريجياً من نظام كانت فيه العملة الأمريكية تتمتع بدرجة استثنائية من الهيمنة، إلى نظام أكثر تعدداً في مراكز القوة والعملات والمؤسسات.

وهذه النقلة قد تستغرق سنوات طويلة ، وربما عقوداً.

أما بالنسبة لمصر، فالمعادلة أبسط وأصعب في الوقت نفسه : لا يكفي أن تكون عضواً في بريكس ، بل يجب أن تعرف ماذا تريد من بريكس.

إذا استخدمت مصر العضوية لتوسيع الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتوطين الصناعة، وزيادة القيمة المضافة، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري، والاستفادة من موقعها كبوابة بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، فإن العضوية يمكن أن تصبح أداة مهمة في دعم الاقتصاد المصري.

أما إذا تحولت المسألة إلى مجرد احتفال بالعضوية وبيانات سياسية وصور جماعية، فلن يتغير شيء جوهري في حياة الاقتصاد.

في النهاية، بريكس ليست عصا سحرية، والدولار لم يسقط، والولايات المتحدة لم تفقد نفوذها، لكن العالم بالفعل يتحرك نحو تعددية أكبر في مراكز القوة.

والسؤال الحقيقي ليس : هل ستسقط أمريكا؟

السؤال الأهم هو : من سيكون مستعداً للعالم الجديد عندما يصبح أكثر تعدداً وأقل انفراداً؟

وهنا تحديداً ستكون المنافسة الحقيقية.

فالدولة التي تصنع وتنتج وتصدر وتطور التكنولوجيا وتحمي أمن طرق تجارتها، هي التي ستملك القدرة على الاستفادة من التحولات الدولية.

أما الدولة التي تنتظر أن ينهار النظام القديم كي تتحسن أوضاعها، فلن تنقذها بريكس ولا الدولار ولا أي تحالف آخر.

والقاعدة في السياسة والاقتصاد واحدة تقريباً: الفرص لا تصنع الدول القوية، وإنما الدول القوية هي التي تعرف كيف تصنع من الفرص قوة.

وهذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه ونحن ننظر إلى بريكس: ليس ماذا ستفعل بريكس بالعالم فقط، وإنما ماذا تستطيع مصر أن تفعل داخل هذا العالم المتغير؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى