زيارة ولي العهد السعودي لمصر.. لماذا الآن؟ وما الذي تخشاه الرياض في البحر الأحمر؟

✍️ يوحنا عزمي
لماذا يمكن وصف زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر بأنها زيارة بالغة الحساسية والخطورة؟ وما الذي تقف خلفه هذه الزيارة في هذا التوقيت تحديداً ؟ وهل نحن أمام تحرك اقتصادي أو سياسي تقليدي ، أم أن هناك حسابات أمنية واستراتيجية أعمق بكثير مما يبدو على السطح؟
هذه أسئلة معقدة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد قراءة البيانات الرسمية أو الاكتفاء بعنوان الزيارة ، وإنما تحتاج إلى وضعها داخل سياق المتغيرات المتسارعة التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة، وربط الملفات ببعضها البعض ضمن قراءة أوسع لخريطة الأمن الإقليمي.
ومن وجهة نظري ، فإن اختزال الزيارة في بعدها الاقتصادي فقط لا يفسر توقيتها ولا طبيعة التحركات المصاحبة لها. فإذا كانت القضية مجرد شراكات استثمارية أو ترتيبات اقتصادية ، فهناك مناسبات ولقاءات سابقة كان يمكن خلالها مناقشة هذه الملفات، خصوصاً أن التواصل المصري السعودي كان حاضراً بالفعل على هامش قمة بريكس في الهند.
أما الحديث عن أن السعودية جاءت إلى مصر للحصول على حماية من ضغوط أمريكية أو إسرائيلية فيما يتعلق بالتطبيع، فهو أيضاً تفسير شديد التبسيط لطبيعة العلاقات الدولية. مصر نفسها كانت أول دولة عربية توقع اتفاقية سلام مع إسرائيل ، وبالتالي فإن تصوير القاهرة باعتبارها طرفاً يمكن أن يتولى حماية قرار سيادي سعودي من التطبيع لا يستقيم كثيراً مع تاريخ السياسة الخارجية المصرية ولا مع طبيعة القرار السعودي نفسه.
العلاقات الدولية لا تُدار بهذه البساطة، والدول لا تتحرك وفق الشعارات، وإنما وفق حسابات المصالح والأمن القومي وموازين القوة وتقدير المخاطر.
إذن، إذا استبعدنا التفسير الاقتصادي البحت والتفسير المتعلق بالتطبيع، فعلينا أن نعود إلى السؤال الأهم: ماذا حدث في المنطقة خلال الأيام الأخيرة حتى يجعل توقيت الزيارة شديد الدلالة؟
هنا تبدأ الصورة في الوضوح.
خلال الساعات والـ72 ساعة الأخيرة ظهرت مجموعة من المتغيرات الأمنية شديدة الخطورة بالنسبة للسعودية وللمنظومة الإقليمية بأكملها، بداية من استهداف البنية المرتبطة بخط النفط السعودي “شرق _ غرب”، وما يمكن أن يعنيه ذلك من تهديد مباشر لقدرة المملكة على تصدير النفط عبر المسارات المعتادة، وصولًا إلى التحول الكبير في وضع جماعة الحوثيين، وما يعنيه امتلاك فاعل من غير الدول قدرة متقدمة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم ، وهو باب المندب.
وهنا تحديداً تكمن الخطورة.
لأن القضية لم تعد مجرد جماعة مسلحة تعمل داخل الأراضي اليمنية، وإنما أصبحت مرتبطة بمعادلة أوسع تتقاطع فيها إيران، والبحر الأحمر، وخليج عدن، ومضيق باب المندب، وأمن الطاقة، وقناة السويس، والمصالح التجارية الدولية.
وعندما تضع باب المندب في جهة ، ومضيق هرمز في الجهة الأخرى، ثم تنظر إلى موقع السعودية بينهما، ستكتشف أن المسألة لم تعد مجرد هجمات متفرقة ، وإنما احتمال نشوء ضغط استراتيجي على جناحي الحركة الاقتصادية والطاقة في المملكة.
وهذا هو السيناريو الذي يجب أن يثير القلق الحقيقي.
فإذا أصبحت إيران قادرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على التأثير في أحد المسارين البحريين الرئيسيين المرتبطين بأمن الطاقة السعودي ، فإن ذلك يمنحها ورقة ضغط إضافية في أي مواجهة مع الولايات المتحدة أو حلفائها. بمعنى آخر ، فإن أي تصعيد أمريكي ضد إيران يمكن أن تصبح له تكلفة إقليمية واقتصادية أكبر بكثير من السابق.
ومن هنا يمكن فهم سبب بحث السعودية عن بدائل.
الرياض لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي أمام تحول البحر الأحمر وباب المندب إلى مساحة ضغط على أمنها القومي ، وفي الوقت نفسه فإن الذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران أو الحوثيين يحمل تكلفة هائلة وغير مضمونة النتائج.
ولهذا كان من الطبيعي أن تحاول السعودية اختبار إمكانية بناء موقف خليجي أكثر تماسكاً.
لكن المشكلة أن الخليج نفسه ليس كتلة سياسية وأمنية متطابقة في جميع حساباتها، وهناك اختلافات في تقييم طبيعة العلاقة مع إيران، كما أن سلطنة عمان تمتلك تاريخاً مختلفاً في إدارة قنوات الاتصال والحوار مع طهران، وهو ما يجعل فكرة بناء جبهة خليجية موحدة تجاه إيران أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في الخطاب السياسي.
وهنا تصبح السعودية أمام معادلة شديدة الصعوبة: التصعيد قد يقود إلى حرب إقليمية واسعة ، والتهدئة تحتاج إلى وسيط قادر على التواصل مع أطراف متعددة في الوقت نفسه.
وهنا تحديداً يظهر الدور المصري.
مصر تمتلك واحدة من أهم نقاط القوة في هذه الأزمة ، وهي أنها ليست جزءًا من محور عسكري مغلق ضد طرف بعينه، ولذلك تستطيع الاحتفاظ بقنوات اتصال مع أطراف مختلفة ، وهو ما يمنحها مساحة للحركة الدبلوماسية والسياسية أكبر من دول أخرى.
وهذا ما يمكن أن نسميه في جوهره سياسة الاتزان الاستراتيجي؛ أي الحفاظ على المصالح والعلاقات مع القوى المختلفة دون الانجرار بالضرورة إلى استقطاب كامل مع أحدها.
وهذه ليست رفاهية دبلوماسية، وإنما ميزة استراتيجية في أوقات الأزمات.
مصر لا تستطيع أن تتعامل مع البحر الأحمر باعتباره أزمة بعيدة عنها، لأن أي اضطراب طويل المدى في باب المندب سينعكس مباشرة على قناة السويس، وبالتالي على أحد أهم مصادر الدخل والنشاط التجاري والاستراتيجي المصري.
والأمر لا يتوقف عند قناة السويس.
فالبحر الأحمر أصبح اليوم نقطة تقاطع بين أمن الخليج، وأمن اليمن، والأزمة السودانية، والملاحة الدولية، وأمن الطاقة، والتنافس الأمريكي الإيراني، والمصالح الإسرائيلية، وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
ولهذا فإن أي حرب واسعة في هذه المنطقة لن تبقى حرباً يمنية أو سعودية إيرانية ، وإنما يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة إقليمية شاملة.
وهنا يجب أن نتذكر الخبرة التاريخية المصرية في التعامل مع الملف اليمني.
مصر تعرف جيدًا أن الدخول في حرب اليمن ليس قراراً بسيطاً وأن التدخل العسكري المباشر يمكن أن يتحول من عملية محدودة إلى استنزاف طويل الأمد ، وهو ما يجعل القاهرة ، على الأرجح، أكثر ميلًا إلى البحث عن مسار سياسي وأمني يمنع انفجاراً أوسع بدلًا من الدخول في مواجهة عسكرية جديدة.
ومن هنا أعتقد أن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في ما سيقال خلالها، وإنما في ما قد يحدث بعدها.
فإذا كانت الزيارة بالفعل مرتبطة بالوضع الأمني المتفجر في البحر الأحمر، فإن الاتصالات والتحركات المصرية التي ستليها ستكون شديدة الأهمية ، خصوصاً في ظل حاجة المنطقة إلى طرف يستطيع التحرك بين أكثر من عاصمة وأكثر من طرف دون أن يتحول هو نفسه إلى طرف في الحرب.
وهنا أيضاً يجب النظر إلى العلاقات المصرية مع القوى الكبرى.
فالقاهرة لديها مصلحة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وفي الوقت نفسه تستطيع مخاطبة أطراف دولية كبرى، سواء الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين، انطلاقاً من فكرة أساسية مفادها أن حماية المصالح الاقتصادية والتجارية الدولية لا يمكن فصلها عن تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الأمني في المنطقة.
وهذه النقطة تحديداً تجعل الدور المصري مختلفاً عن مجرد دور الوسيط التقليدي.
مصر لديها مصلحة مباشرة في منع إغلاق أو تعطيل باب المندب، لأن استمرار اضطراب الملاحة هناك يعني ضغوطاً إضافية على قناة السويس والاقتصاد المصري ، كما أن استمرار التصعيد في البحر الأحمر بالتزامن مع ما يجري في السودان يفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة يتمثل في تحول كامل المنطقة الممتدة على ساحل البحر الأحمر إلى مساحة أزمات متداخلة.
ومن هنا ، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستدخل مصر حرباً إلى جانب السعودية؟
في تقديري، السؤال الأهم هو: هل تستطيع مصر أن تمنع السعودية وإيران والحوثيين والولايات المتحدة وإسرائيل وغيرهم من الانزلاق إلى حرب إقليمية لا يستطيع أحد التحكم في نتائجها؟
لأن الحرب الشاملة في هذه المنطقة لن يكون لها رابح حقيقي.
قد يحقق طرف مكاسب تكتيكية هنا أو هناك ، لكن التكلفة الاستراتيجية ستكون هائلة على الجميع، من أمن الطاقة إلى حركة التجارة ، ومن الاقتصاد المصري إلى أمن الخليج ، ومن اليمن إلى السودان والبحر الأحمر.
وفي وسط هذه الفوضى، هناك أطراف قد تجد في انشغال الجميع بأزماتهم فرصة لتوسيع نفوذها وتحقيق أهدافها على الأرض.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول كل دولة إلى البحث فقط عن كيفية حماية نفسها، بينما تتسع مساحة الفوضى حولها.
من هنا أفهم زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر باعتبارها، في جانبها الأهم ، زيارة ذات طبيعة أمنية واستراتيجية بالغة الحساسية ، وليست مجرد زيارة اقتصادية تقليدية.
واللافت أيضاً هو حضور رئيس المخابرات العامة المصرية في اللقاء، وهو تفصيل لا ينبغي تجاهله عند محاولة قراءة طبيعة الملفات التي يمكن أن تكون مطروحة خلف الأبواب المغلقة.
هل جاء ولي العهد السعودي إلى القاهرة وهو يحمل تصوراً محدداً لتحرك مقبل؟ هل تبحث الرياض عن دور مصري في احتواء الأزمة؟ هل هناك تصور مصري–سعودي مشترك لمنع اتساع نطاق المواجهة؟ أم أن الزيارة جاءت لتبادل التقديرات الأمنية والسياسية بشأن مرحلة تبدو المنطقة فيها أقرب من أي وقت مضى إلى لحظة انفجار جديدة؟
كل هذه الاحتمالات تبقى مطروحة.
لكن المؤكد أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر مائي في خريطة المنطقة.
إنه أصبح جزءًا من معادلة الأمن القومي المصري والسعودي والخليجي، وجزءًا من صراع أكبر على الطاقة والتجارة والنفوذ والممرات البحرية.
ولهذا فإن نجاح الدور المصري ، في تقديري ، لن يقاس بعدد التصريحات التي ستصدر بعد الزيارة، وإنما بمدى قدرة القاهرة على استخدام شبكة علاقاتها واتصالاتها لمنع التصعيد ، وفتح مسارات للتهدئة، والحفاظ على حرية الملاحة، ومنع تحول أزمة باب المندب إلى حرب إقليمية مفتوحة.
فالمنطقة تقف أمام لحظة شديدة الخطورة ، وأي خطأ في الحسابات قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
والحرب الشاملة ، إذا اندلعت ، لن تكون فاتورتها على طرف واحد.
الفاتورة ستكون على الجميع.
وقد تكون أكبر بكثير من قدرة الجميع على تحملها.



