مقالات

الفيتو الروسي الصيني يُسقط المشروع الأمريكي بشأن إيران .. مجلس الأمن يتحول إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

المشهد الذي جرى داخل مجلس الأمن في 17 سبتمبر 2026 يستحق التوقف أمامه، ليس فقط باعتباره تصويتاً على مشروع قرار أمريكي لتمديد ولاية فريق الخبراء المعني بمراقبة العقوبات المفروضة على إيران، وإنما لأنه يكشف بصورة أكثر وضوحاً طبيعة الصراع الدولي الذي أصبحت الأزمة الإيرانية جزءًا منه.

الولايات المتحدة تقدمت بمشروع قرار لتمديد ولاية فريق الخبراء لمدة عام آخر، في وقت كانت فيه آلية مراقبة العقوبات نفسها تعاني أصلًا من حالة من الشلل بسبب الخلافات داخل المجلس حول الأساس القانوني لإعادة فرض العقوبات على إيران. فالقضية لم تعد مجرد خلاف تقني حول لجنة أو فريق خبراء، وإنما أصبحت مرتبطة بالخلاف الأكبر حول ما إذا كانت العقوبات الأممية على إيران قد أُعيد تفعيلها بالفعل بعد استخدام آلية “سناب باك” المرتبطة بالاتفاق النووي الإيراني ، أم أن الإطار القانوني الذي كانت تستند إليه تلك العقوبات قد انتهى.

وهنا تحديداً تظهر أهمية التصويت. المشروع حصل على 11 صوتاً مؤيداً، مقابل امتناع باكستان والصومال، بينما استخدمت روسيا والصين حق النقض، وبالتالي سقط المشروع رغم حصوله على العدد الكافي من الأصوات من أعضاء المجلس.

وقد يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه مجرد انتصار أمريكي في عدد الأصوات ثم تعطيل روسي وصيني له باستخدام الفيتو ، لكن القراءة الأعمق تقول إن المسألة أكبر بكثير من مجرد عملية تصويت. لأن روسيا والصين لا تتعاملان مع الملف الإيراني باعتباره ملفاً منفصلًا عن إعادة تشكيل موازين القوى الدولية، بل تنظران إليه في سياق أوسع يتعلق بحدود النفوذ الأمريكي ودور مجلس الأمن نفسه في إدارة الأزمات الدولية.

وهذا هو الجزء الأخطر في المشهد.

فحين تصوت أغلبية من أعضاء مجلس الأمن لصالح مشروع القرار، ثم يستطيع عضوان دائمان إسقاطه بالفيتو ، فإن الرسالة السياسية لا تتعلق فقط بإيران، وإنما بحدود قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تحويل موقفهم السياسي إلى قرار أممي ملزم. وفي المقابل ، فإن استخدام روسيا والصين للفيتو لا يعني تلقائياً أن الدولتين أعلنتا تأييدهما لكل ما تفعله طهران، وإنما يعني بصورة أكثر تحديداً أنهما ترفضان الإطار الذي حاول المشروع الأمريكي من خلاله تمديد آلية الرقابة على العقوبات ، خصوصاً في ظل الخلاف القانوني المستمر حول آلية إعادة فرض العقوبات.

واللافت أن هذا الموقف لم يأتِ من فراغ. روسيا والصين سبق أن اعترضتا على خطوات إجرائية داخل مجلس الأمن مرتبطة بملف العقوبات الإيراني، كما أن الخلاف بينهما وبين الدول الغربية حول الوضع القانوني للعقوبات مستمر منذ عام 2025. موسكو وبكين تقولان إن العقوبات انتهت مع انتهاء الإطار الزمني المرتبط بالاتفاق النووي ، بينما ترى الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي فعلت آلية “سناب باك” أن العقوبات أُعيد تفعيلها وأصبحت نافذة.

وبالتالي ، فإن الفيتو الروسي والصيني يحمل في جوهره رسالة سياسية وقانونية في آن واحد: لا يمكن لواشنطن وحلفائها أن يفترضوا أن رؤيتهم للملف الإيراني ستتحول تلقائياً إلى إجماع دولي ، حتى لو حصلت على أغلبية أصوات الدول غير الدائمة في المجلس.

وهنا يجب أن ننتبه إلى نقطة مهمة جداً : سقوط مشروع القرار لا يعني أن العقوبات المفروضة على إيران اختفت أو انتهت بمجرد سقوط التصويت. العقوبات نفسها ما زالت موضع نزاع قانوني وسياسي، بينما الذي سقط تحديداً هو مشروع تمديد ولاية فريق الخبراء الذي كان يفترض أن يراقب تنفيذ تلك العقوبات ويرفع تقارير بشأن الانتهاكات. ولذلك فإن وصف المشهد بأنه “إلغاء للعقوبات” سيكون غير دقيق. الأدق أن نقول إن آلية الرقابة الأممية المستقلة تعرضت لضربة جديدة، في الوقت الذي تعاني فيه آليات مجلس الأمن المتعلقة بالملف الإيراني أصلًا من حالة شلل.

ومن هنا تبدأ الخطورة الحقيقية.

لأننا أمام أزمة لم تعد محصورة بين واشنطن وطهران. هناك الآن تداخل مباشر بين ثلاثة مستويات من الصراع: الصراع الأمريكي الإيراني ، والصراع الروسي الأمريكي، والصراع الصيني الأمريكي. وكلما اتسعت الأزمة الإيرانية، أصبح من الصعب فصل هذه المستويات عن بعضها.

روسيا لديها حساباتها الخاصة في مواجهة الولايات المتحدة، والصين لديها حساباتها الخاصة المتعلقة بالنظام الدولي والعقوبات والتجارة والطاقة، وإيران لديها حساباتها المتعلقة بأمنها ونظامها السياسي وبرنامجها النووي وعلاقاتها الإقليمية. وبالتالي فإن كل طرف يتحرك داخل الأزمة وفق مصالحه الاستراتيجية ، وليس بالضرورة وفق حسابات الطرف الآخر.

وهذا تحديداً ما يجعل فكرة الوصول إلى حل سريع أكثر تعقيداً.

فإذا كانت واشنطن تراهن على الضغط الاقتصادي والعقوبات والعزلة الدولية لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، فإن وجود دعم سياسي روسي وصيني لطهران في المؤسسات الدولية يمكن أن يحد من فعالية بعض أدوات الضغط، حتى لو لم يلغِ تأثير العقوبات الاقتصادية نفسها. وفي المقابل، فإن استمرار التصعيد قد يدفع واشنطن إلى البحث عن أدوات ضغط إضافية خارج إطار مجلس الأمن، بينما قد تبحث موسكو وبكين عن وسائل أخرى للحفاظ على مصالحهما وعلاقاتهما مع إيران.

وهنا تتحول الأزمة من معادلة “أمريكا ضد إيران” إلى شبكة مصالح وقوى أكثر تعقيداً بكثير.

ولذلك فإن مشهد رفع الأيدي داخل مجلس الأمن لم يكن مجرد لحظة إجرائية عابرة. الأرقام نفسها تقول شيئًا مهمًا: 11 دولة أيدت المشروع ، بينما وقفت دولتان دائمتا العضوية ضده باستخدام الفيتو، وامتنعت دولتان عن التصويت.

وهذا يكشف أن المجتمع الدولي ليس منقسمًا ببساطة إلى معسكر مؤيد لإيران ومعسكر مؤيد لأمريكا ، بل هناك دول تؤيد آليات الرقابة والعقوبات، ودول تعارض الأساس القانوني لها ، ودول تحاول إبقاء الباب مفتوحاً أمام المسار الدبلوماسي.

والأهم من ذلك أن هذا الانقسام يأتي في لحظة شديدة الحساسية إقليمياً، في ظل استمرار التوتر العسكري حول إيران، وتعقيدات الملف النووي، والصعوبات التي تواجه الوكالة الدولية للطاقة الذرية في استعادة قدرتها الكاملة على التحقق من بعض الأنشطة والمنشآت الإيرانية.

ومن هنا فإن الرهان على أن العقوبات وحدها ستؤدي تلقائياً إلى انهيار النظام الإيراني هو افتراض سياسي، وليس حقيقة يمكن التعامل معها باعتبارها نتيجة حتمية. وفي المقابل ، فإن افتراض أن الدعم الروسي والصيني يعني أن إيران أصبحت محصنة تماماً من الضغوط الغربية سيكون أيضاً قراءة مبالغاً فيها.

الحقيقة أكثر تعقيداً.

العقوبات يمكن أن تفرض تكلفة اقتصادية وسياسية، لكن قدرتها على تحقيق أهدافها السياسية تتأثر بقدرة الدولة المستهدفة على التكيف ، وبمدى وجود شركاء اقتصاديين وسياسيين قادرين على تخفيف آثارها ، وبطبيعة الهدف المطلوب تحقيقه أصلًا. وفي الحالة الإيرانية ، أصبح واضحاً أن العقوبات والضغط العسكري والدبلوماسية والصراع على النفوذ الدولي كلها تعمل في الوقت نفسه، وكل أداة تؤثر في الأخرى.

ولهذا أرى أن أهم ما ينبغي قراءته من جلسة مجلس الأمن ليس فقط أن مشروعاً أمريكياً سقط بالفيتو الروسي والصيني، وإنما أن الأزمة الإيرانية أصبحت واحدة من ساحات اختبار النظام الدولي نفسه.

كل خطوة أمريكية تجاه إيران أصبحت تحمل انعكاسات على العلاقة مع روسيا والصين ، وكل موقف روسي أو صيني في الملف الإيراني يمكن أن تكون له انعكاسات على ملفات أخرى، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا والتجارة والطاقة وترتيبات الأمن الدولي.

وهذا هو السبب في أن الأزمة تبدو مفتوحة على جولات إضافية من التصعيد والتفاوض في الوقت نفسه. فالأطراف الرئيسية لا تبدو مستعدة لتقديم تنازل استراتيجي كبير بسهولة ، وفي المقابل فإن استمرار المواجهة يحمل تكاليف ضخمة على الجميع.

لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط : ماذا ستفعل الولايات المتحدة مع إيران؟

السؤال الأهم أصبح : إلى أي مدى يمكن أن يستمر الصراع الإيراني دون أن يتحول تدريجياً إلى مواجهة أوسع بين القوى الكبرى نفسها؟

وهنا تكمن خطورة المشهد.

لأن الشرق الأوسط في هذه الحالة لا يصبح مجرد مسرح للصراع، وإنما يتحول إلى إحدى الساحات التي تتقاطع فوقها مشاريع القوى الكبرى وحساباتها الاستراتيجية. وما حدث داخل مجلس الأمن في 17 سبتمبر ليس بالضرورة إعلانًا عن المسار الذي ستذهب إليه الأزمة، لكنه بالتأكيد مؤشر واضح على أن الوصول إلى تسوية دولية بشأن إيران أصبح أكثر تعقيداً ، وأن أي تصعيد جديد لن تكون آثاره محصورة بالضرورة في طهران وواشنطن وحدهما.

والطرف الذي يراقب كل ذلك بعناية لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون هو الطرف الذي يرفع يده في مجلس الأمن ، فقد تكون القيمة الحقيقية بالنسبة لبعض القوى في كيفية توظيف حالة الاستقطاب نفسها، وتحويل كل جولة تصعيد وكل خلاف دولي إلى مكسب استراتيجي في ملفات أخرى.

وهنا بالضبط يجب أن نقرأ المشهد بعيداً عن الانفعال: إيران ليست وحدها في هذه المعادلة، وأمريكا ليست وحدها في مواجهتها، ومجلس الأمن لم يعد مجرد مكان لاتخاذ القرارات، بل أصبح أحد ميادين الصراع على شكل النظام الدولي القادم. وبالتالي ، فإن سقوط المشروع الأمريكي بالفيتو الروسي والصيني ليس نهاية القصة ، وإنما فصل جديد في أزمة أكبر بكثير من مشروع قرار واحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى