مقالات

ترامب يخنق إيران .. واتفاقية مكة تحت الإختبار .. وروسيا وأوكرانيا على حافة تصعيد جديد : حرب واحدة بثلاث جبهات

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

هناك ثلاثة ملفات أعتقد أن من الخطأ التعامل معها باعتبارها أحداثاً منفصلة ، لأن ما يجري في إيران، وما يسمى بـ«اتفاقية مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان ، وكذلك التصعيد المتزايد في الحرب الروسية الأوكرانية ، كلها مؤشرات على إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة والعالم، ولكن كل ملف منها يتحرك وفق حسابات مختلفة تماماً.

في تقديري ، فإن الهدف الأمريكي في التعامل مع إيران خلال المرحلة الحالية لا يتمثل بالضرورة في الدخول في حرب مفتوحة وطويلة، وإنما في شيء أكثر تعقيداً وأقل تكلفة: الضغط المستمر حتى يصل الاقتصاد الإيراني والمجتمع الإيراني إلى نقطة يصبح معها استمرار المواجهة أكثر تكلفة من تقديم تنازلات سياسية.

هذه هي النقطة التي تجعل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إيران تستحق قراءة مختلفة عن القراءة الإعلامية السطحية. فعندما يتحدث ترامب عن مفاوضات جزئية ، وعن مراقبة الوضع الاقتصادي الإيراني، وعن التضخم ونقص الأموال، فهو لا يتحدث فقط عن مفاوضات بالمعنى التقليدي، وإنما يرسل رسالة مفادها أن عامل الوقت نفسه أصبح جزءًا من الاستراتيجية الأمريكية.

ترامب يدرك أن الحرب العسكرية المباشرة لها تكلفة هائلة، ليس فقط على الولايات المتحدة وإنما على المنطقة بأكملها. ولذلك فإن استخدام أدوات العقوبات والحصار والضغط على مصادر الدخل الإيرانية قد يكون ، من وجهة النظر الأمريكية ، أكثر فاعلية من استنزاف القوات الأمريكية في حرب طويلة لا يمكن ضمان نتائجها.

وهنا تحديداً تصبح المماطلة الإيرانية سلاحاً ذا حدين.

إيران قد تراهن على الوقت لأنها لا تريد تقديم تنازلات كبرى خلال ولاية ترامب ، وربما تراهن على أن انتهاء ولايته يمكن أن يفتح الباب أمام إدارة أمريكية أكثر مرونة في المستقبل. وفي المقابل، فإن واشنطن قد ترى في مرور الوقت فرصة لاستنزاف الاقتصاد الإيراني بصورة أكبر.

بمعنى آخر ، الطرفان يلعبان على الساعة ، لكن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لصالحه.

إيران لا تريد التخلي عن برنامجها النووي، ولا تريد تقديم تنازلات استراتيجية في الملفات الإقليمية، ولذلك تستخدم أوراقاً مثل مضيق هرمز والضغط على حركة الملاحة باعتبارها أدوات تفاوضية. لكن المشكلة بالنسبة لإيران أن هذه الورقة لا تضرب جميع الأطراف بالدرجة نفسها.

فالولايات المتحدة ليست الطرف الأكثر اعتماداً على النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز ، بينما تتأثر اقتصادات آسيوية وأوروبية بصورة أكبر بأي اضطراب طويل في حركة الملاحة والطاقة.

وهذا يمنح الإدارة الأمريكية مساحة للمناورة، ويجعل واشنطن قادرة على النظر إلى أزمة هرمز باعتبارها جزءًا من صراع أوسع على تكلفة الحرب ، وليس باعتبارها ضربة مباشرة للاقتصاد الأمريكي وحده.

والأخطر بالنسبة لإيران هو أن الحرب الاقتصادية لا تُرى على شاشات التلفزيون بالطريقة نفسها التي تُرى بها الطائرات والصواريخ.

القصف العسكري يمكن أن يوحد الناس حول الدولة، أما الانهيار التدريجي في قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، ونقص السيولة، وتعطل المصارف، وتراجع القدرة الشرائية، وفقدان الوظائف، فهي أزمات تضرب الحياة اليومية للمواطن مباشرة ، وتدفعه تدريجياً إلى التساؤل عن جدوى استمرار الحرب.

وهنا تظهر صعوبة ما يسمى بـ«اقتصاد المقاومة».

فالدولة تستطيع أن تطلب من مواطنيها التحمل لفترة، لكنها لا تستطيع أن تجعل التضخم يختفي بالخطابات، ولا أن تعيد للعملة قيمتها بالشعارات، ولا أن تمنع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة بمجرد الحديث عن الصمود.

وبالتالي، فإن المعركة الحقيقية في إيران قد لا تكون فقط على الجبهات العسكرية ، وإنما داخل الأسواق والمصارف والبيوت.

وهذا بالضبط ما يجعل الاستنزاف الاقتصادي أخطر أحياناً من الضربة العسكرية المباشرة.

لكن في المقابل، يجب أن نكون حذرين من التعامل مع كل الأرقام المتداولة حول الاقتصاد الإيراني باعتبارها حقائق نهائية، لأن أرقام التضخم والبطالة والخسائر اليومية في الاقتصاد الإيراني تتباين بشدة بحسب الجهة التي تنشرها وطريقة احتسابها. إلا أن الاتجاه العام لا يحتاج إلى مبالغة حتى يكون واضحاً : الاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطاً شديدة ، والعملة المحلية فقدت جزءًا كبيراً من قيمتها، والأسعار ارتفعت، والحرب والعقوبات تعقدان قدرة الدولة على إدارة مواردها.

وهنا يمكن فهم الرهان الأمريكي بصورة أوضح : إذا استطاعت واشنطن إبقاء الضغط مرتفعًا لفترة طويلة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، فقد تجد إيران نفسها أمام معادلة صعبة؛ إما الاستمرار في دفع فاتورة اقتصادية متزايدة، أو العودة إلى طاولة التفاوض من موقع أضعف.

ومن هنا أنتقل إلى ما سمي بـ«اتفاقية مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان.

أنا لا أعتقد أن الخطأ يكمن في أهمية الاتفاق من حيث المبدأ، وإنما في المبالغة في تفسيره باعتباره حلفاً عسكرياً جديداً سيقود تلقائياً إلى حرب ضد إيران.

الاتفاق، حتى لو كان خطوة مهمة في مسار التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث ، لا يعني بالضرورة أن تركيا أو باكستان ستدخلان حرباً مباشرة مع إيران دفاعاً عن السعودية.

الدول لا تتحرك في السياسة الدولية بالعواطف ، وإنما بالمصالح.

تركيا لديها حساباتها الخاصة مع إيران، كما أن لها مصالح اقتصادية وأمنية وجيوسياسية واسعة في المنطقة. وباكستان كذلك لديها حسابات معقدة تتعلق بأمنها وحدودها وعلاقاتها مع إيران والهند والصين والخليج.

ولهذا فإن تحويل الاتفاق إلى صورة مبسطة مفادها «السعودية وتركيا وباكستان في مواجهة إيران» قد يكون قراءة إعلامية أكثر منه قراءة استراتيجية.

الأهم من ذلك أن أي تحالف دفاعي حقيقي يحتاج إلى آليات واضحة : من يقرر الحرب؟ كيف يتم تفعيل المادة الدفاعية؟

ما حدود الالتزام العسكري؟ وهل يعني الاعتداء على دولة عضو دخول بقية الأعضاء تلقائيًا في الحرب، أم أن لكل دولة حق تقييم الموقف واتخاذ القرار وفق مصالحها؟

هذه التفاصيل هي التي تحدد القيمة العسكرية الحقيقية لأي اتفاق.

أما إذا كان الاتفاق يهدف أساسًا إلى تعزيز الردع، ورفع مستوى التنسيق العسكري والأمني ، وإرسال رسالة سياسية إلى الخصوم، فهذا في حد ذاته ليس أمرًا قليل الأهمية ، لكنه يختلف تماماً عن الدخول في حرب مفتوحة.

واللافت هنا أن رد الفعل الإيراني لم يكن بالشكل الذي قد يتوقعه البعض.

فإذا كانت طهران ترى أن الاتفاق يمثل تهديداً عسكرياً وشيكاً، فمن الطبيعي أن نتوقع تصعيداً سياسياً وإعلامياً أكبر. لكن التعامل الإيراني الهادئ نسبياً مع الاتفاق، إلى جانب استمرار التعاون الاقتصادي والطاقة بين إيران وتركيا ، يعكس أن طهران لا تنظر إليه بالضرورة باعتباره مقدمة فورية لحرب إقليمية.

وهذا يعيدنا إلى السؤال الأهم : هل تستطيع تركيا أو باكستان الدخول في حرب مباشرة مع إيران من أجل السعودية؟

في رأيي ، الاحتمال ليس مستحيلًا، لكنه ليس السيناريو الذي ينبغي افتراضه تلقائياً.

فأي حرب مباشرة مع إيران لن تكون حربًا قصيرة بالضرورة. وستكون لها انعكاسات على الطاقة والتجارة والحدود والممرات البحرية والأمن الداخلي، وقد تمتد آثارها إلى أكثر من دولة.

ولهذا فإن القيمة الأكبر للاتفاق ، في المرحلة الأولى على الأقل ، قد تكون في الردع وليس في الهجوم.

بعبارة أخرى ، الرسالة قد تكون : «السعودية ليست وحدها»، وليس بالضرورة : «تركيا وباكستان ستدخلان الحرب غداً».

وهنا تكمن أهمية الفصل بين القوة العسكرية الفعلية والقوة النفسية والإعلامية.

الاتفاقات الدفاعية يمكن أن تؤثر في حسابات الخصم حتى دون أن تطلق رصاصة واحدة. فإذا اعتقد الخصم أن تكلفة استهداف دولة ما أصبحت أعلى، فإن الردع يكون قد حقق جزءًا من هدفه.

لكن الردع لا ينجح بمجرد الإعلان عنه ، وإنما يحتاج إلى قدرة حقيقية على التنفيذ.

ولهذا فإن الأيام والأسابيع المقبلة ستكون أكثر أهمية من لحظة توقيع الاتفاق نفسها.

فإذا تعرضت السعودية لهجمات متكررة ولم نرَ أي آليات عملية للتعاون العسكري، فسيتحول الاتفاق تدريجيًا من ورقة ردع إلى مجرد إعلان سياسي. أما إذا ظهرت تدريبات مشتركة ، وتبادل معلومات استخباراتية، وتنسيق في الدفاع الجوي والصاروخي، وتعاون فعلي في حماية الممرات والمنشآت الحيوية، فساعتها يمكن القول إن الاتفاق بدأ يتحول من «شو إعلامي» إلى منظومة أمنية حقيقية.

أما الملف الثالث، وربما الأخطر على المستوى الدولي، فهو التصعيد المتزايد في الحرب الروسية الأوكرانية.

منذ التاسع من أغسطس ، بدا أن مستوى الهجمات ارتفع بصورة ملحوظة ، مع استخدام مكثف للطائرات المسيرة والصواريخ واستهداف منشآت حيوية وبنية تحتية للطاقة في عدد من المناطق.

وهنا يجب أن ننتبه إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد مجرد صراع على خطوط تماس محددة، وإنما تحولت منذ فترة طويلة إلى حرب استنزاف شاملة تستهدف القدرة الاقتصادية والعسكرية والطاقة لدى الطرف الآخر.

ضرب منشآت الطاقة ليس مجرد عمل عسكري تكتيكي.

عندما يتم استهداف محطة كهرباء أو منشأة للطاقة، فإن الهدف الحقيقي يتجاوز المنشأة نفسها ، لأنه يمتد إلى المصانع والمستشفيات والمواصلات والاتصالات والحياة اليومية للسكان.

وهذا النوع من الحرب يهدف إلى إنهاك الدولة من الداخل ، تماماً كما هو الحال في الحروب الاقتصادية.

وفي المقابل، فإن روسيا نفسها تتحمل تكلفة ضخمة بسبب استمرار الحرب والعقوبات الغربية ، ولذلك فإن المعركة أصبحت في جانب كبير منها معركة قدرة على التحمل.

من يستطيع أن يستمر لفترة أطول؟

ومن يستطيع أن يعوض خسائره البشرية والمادية؟

ومن يستطيع الحفاظ على الدعم السياسي والاقتصادي الداخلي والخارجي؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد شكل المرحلة القادمة أكثر من عدد الصواريخ التي يتم إطلاقها في ليلة واحدة.

أما الحديث عن سقوط مدينة أو دخول قوات روسية إلى مدينة أخرى باعتباره أمراً محسوماً، فيحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأن خرائط الحرب تتغير بسرعة ، والمعلومات الصادرة من طرفي الصراع لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق مستقلة قبل التحقق منها من مصادر متعددة.

لكن المؤكد أن استمرار القصف المتبادل، وتوسع نطاق استهداف البنية التحتية، وتصاعد استخدام المسيرات، كلها مؤشرات على أن الحرب لم تصل بعد إلى مرحلة التسوية التي يتحدث عنها كثيرون.

والأهم أن هذه الملفات الثلاثة ليست منفصلة كما تبدو.

في إيران ، هناك صراع على الاقتصاد والوقت.

وفي الخليج ، هناك صراع على الردع والتحالفات.

وفي أوكرانيا، هناك صراع على القدرة على الاستنزاف والصمود.

وفي الحالات الثلاث ، تظهر قاعدة واحدة تحكم السياسة الدولية اليوم : من يستطيع تحمل تكلفة الانتظار أكثر ، يمتلك في كثير من الأحيان اليد الأقوى على طاولة المفاوضات.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط : من يملك السلاح الأقوى؟

بل من يملك القدرة على الاستمرار؟

ومن يستطيع تحمل ارتفاع الأسعار؟

ومن يستطيع تمويل الحرب؟

ومن يستطيع الحفاظ على حلفائه؟

ومن يستطيع إدارة الرأي العام؟

ومن يستطيع أن يجعل خصمه يشعر بأن الوقت يعمل ضده؟

هذه هي الحرب الحديثة في صورتها الأكثر تعقيداً.

فالحرب لم تعد مجرد صاروخ يضرب هدفاً عسكرياً ، وإنما أصبحت اقتصاداً وعملة وطاقة وموانئ ومصارف وإعلاماً وتحالفات وضغطاً نفسياً ومعلوماتياً.

ومن يقرأ الأحداث بهذه الطريقة، سيكتشف أن ما نراه على السطح ليس سوى الجزء الأصغر من المعركة الحقيقية.

أما ما يجري خلف الكواليس، فهو صراع طويل على إعادة تشكيل موازين القوى ، وقد تكون نتائجه أكبر بكثير من نتائج أي معركة عسكرية منفردة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى