مقالات

فرنسا بين شبح الحرب وأزمة الطاقة.. وماكرون يواجه عاصفة أمنية وسياسية متصاعدة

✍️ يوحنا عزمي

المشهد الفرنسي خلال هذه الساعات لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الكبرى التي تضرب أوروبا والعالم. ففرنسا تبدو وكأنها تقف أمام مجموعة من الضغوط المتزامنة: تهديدات أمنية مرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية ، مخاوف أوروبية متزايدة من اتساع نطاق المواجهة ، اضطرابات في أسواق الطاقة ، وفي الداخل الفرنسي صراع سياسي يزداد سخونة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتعامل مع التطورات الأمنية باعتبارها ملفاً يتجاوز حدود الحرب في أوكرانيا. فالتقدير الفرنسي المعلن خلال الفترة الأخيرة يركز على ضرورة الاستعداد لسيناريوهات أمنية أكثر تعقيداً ، بما في ذلك حماية البنية التحتية الحيوية من الهجمات السيبرانية والطائرات المسيرة وغيرها من أدوات الصراع الحديثة.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الرسائل التي يوجهها ماكرون إلى مؤسسات الدولة الفرنسية، لأن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ الموجودة على الجبهات، وإنما بمدى قدرة الدول على حماية شبكات الطاقة والاتصالات والموانئ والمطارات والمنشآت الصناعية والمنظومات الرقمية. ولذلك فإن الحديث عن حماية البنية التحتية الفرنسية يعكس تحولًا في مفهوم الأمن الأوروبي نفسه، من أمن عسكري تقليدي إلى منظومة أوسع تشمل الاقتصاد والطاقة والأمن السيبراني وسلاسل الإمداد.

لكن المشكلة بالنسبة لماكرون أن هذا النقاش الأمني يأتي في توقيت شديد الحساسية داخلياً. فالمواطن الفرنسي لا ينظر إلى الأزمة من زاوية الاستراتيجيات العسكرية فقط، وإنما يشعر بها بصورة مباشرة عندما ترتفع تكلفة الوقود والطاقة والنقل. وعندما يصبح الديزل أو الكيروسين أكثر تكلفة، فإن التأثير لا يتوقف عند صاحب السيارة ، بل يمتد إلى قطاع الصيد والنقل والطيران والخدمات والصناعة ، ثم ينعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات.

ولهذا فإن أزمة الطاقة يمكن أن تتحول سريعاً من أزمة اقتصادية إلى أزمة سياسية. فالحكومة التي تطلب من مواطنيها الاستعداد لمرحلة أمنية صعبة تحتاج في الوقت نفسه إلى إقناعهم بأن لديها القدرة على حماية مستوى معيشتهم من تداعيات تلك الأزمة. وهذه معادلة بالغة الصعوبة ، خصوصًا عندما تتزامن الضغوط الخارجية مع حالة استقطاب سياسي داخلي.

وفي قلب هذا المشهد يظهر صعود اليمين الفرنسي، وعلى رأسه مارين لوبان وجوردان بارديلا، باعتباره أحد أبرز ملامح المنافسة السياسية المقبلة. لوبان تطرح عدداً من الملفات المرتبطة بالهجرة والهوية والأمن والإسلام السياسي، كما تتحدث عن إجراءات أكثر تشدداً تجاه النقاب وبعض التنظيمات التي تعتبرها مرتبطة بالتطرف، بينما يحاول حزب التجمع الوطني تقديم نفسه أمام الناخب الفرنسي باعتباره طرفًا قادراً على تقديم بدائل للسياسات القائمة.

لكن التعامل مع الانتخابات الفرنسية يحتاج إلى قدر من الحذر، فوجود لوبان أو بارديلا في موقع متقدم في بعض استطلاعات الرأي لا يعني تلقائياً أن نتيجة الانتخابات قد حُسمت ، كما أن السباق الرئاسي الفرنسي يرتبط بعوامل عديدة، من بينها المرشحون النهائيون، التحالفات، نسبة المشاركة، وتطورات الوضع الاقتصادي والأمني خلال الفترة المقبلة.

وفي هذا السياق يصبح ارتفاع أسعار الطاقة عنصراً سياسياً بالغ الحساسية. فالوقود ليس مجرد سلعة اقتصادية عادية في فرنسا؛ بل هو جزء من الحياة اليومية لملايين المواطنين، وأي زيادة كبيرة في تكلفته يمكن أن تتحول إلى قضية انتخابية بامتياز. ومن هنا تأتي أهمية المطالبات بخفض الضرائب المفروضة على الوقود أو اتخاذ إجراءات حكومية لتخفيف العبء عن المستهلكين.

لكن الأزمة لا تبدأ وتنتهي عند الضرائب. فأسواق الطاقة الدولية شديدة الارتباط بالحروب والعقوبات والاضطرابات في طرق التجارة والإمدادات. وكلما اتسع نطاق الصراع في الشرق الأوسط أو أوروبا الشرقية، زادت المخاطر على سلاسل التوريد، وارتفعت تكلفة التأمين والنقل، وأصبح الوصول إلى مصادر الطاقة أكثر تعقيدًا.

كما أن الهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة والمنشآت النفطية يمكن أن تؤثر في الأسواق حتى عندما لا تؤدي مباشرة إلى نقص شامل في الإمدادات ، لأن الأسواق تتفاعل مع توقعات النقص والمخاطر المستقبلية قبل أن تظهر آثارها المادية بصورة كاملة.

ومن هنا يمكن فهم القلق الأوروبي المتزايد من استمرار الحرب الروسية الأوكرانية. فالمسألة بالنسبة للعواصم الأوروبية لم تعد مرتبطة فقط بما يحدث داخل الأراضي الأوكرانية، وإنما بما يمكن أن تفرزه الحرب من تداعيات على الأمن الأوروبي، والطاقة، والاقتصاد، والهجرة، والأمن السيبراني، والبنية التحتية الحيوية.

وفي المقابل، تظهر الولايات المتحدة وهي تعيد التأكيد على أهمية وجودها الاستراتيجي في منطقة القطب الشمالي، وفي مقدمة ذلك جرينلاند. الجزيرة تتمتع بأهمية جيوسياسية كبيرة بسبب موقعها بين أمريكا الشمالية وأوروبا وقربها من طرق الملاحة والمجال القطبي، ولذلك فإن الاهتمام الأمريكي بها ليس ملفاً عابراً، بل جزء من التنافس الأوسع في القطب الشمالي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.

لكن الربط بين أي اتفاق أمريكي دنماركي بشأن جرينلاند وبين “قطع الطريق نهائيًا” على روسيا أو الصين يحتاج إلى قدر من الدقة، لأن التنافس في القطب الشمالي لا تحسمه قاعدة عسكرية واحدة أو اتفاق منفرد، وإنما شبكة واسعة من التحالفات والقدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية وطرق الملاحة والنفوذ السياسي.

وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العالم يدخل مرحلة أصبحت فيها الملفات منفصلة ظاهرياً لكنها مترابطة عمليًا. الحرب في أوكرانيا تؤثر في أمن أوروبا، وأمن أوروبا يرتبط بالطاقة، والطاقة تؤثر في الاقتصاد، والاقتصاد ينعكس على السياسة الداخلية، والسياسة الداخلية تؤثر في الانتخابات، بينما يعيد التنافس الأمريكي الروسي الصيني تشكيل الحسابات الاستراتيجية في مناطق مثل القطب الشمالي والشرق الأوسط.

ولهذا فإن ما يحدث في فرنسا لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد ارتفاع في أسعار البنزين أو مجرد خلاف سياسي بين ماكرون ولوبان، كما أن التحركات الأمريكية في جرينلاند لا يمكن فصلها عن إعادة ترتيب موازين القوة الدولية.

المشهد الأكبر يقول إن أوروبا تواجه مرحلة شديدة التعقيد: عليها أن ترفع جاهزيتها الأمنية في مواجهة المخاطر الخارجية، وفي الوقت نفسه تحافظ على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي في الداخل. وأي فشل في إدارة أحد المسارين يمكن أن ينعكس مباشرة على المسار الآخر.

أما المواطن الأوروبي، فهو في النهاية الطرف الذي يدفع تكلفة هذه التحولات، سواء من خلال ارتفاع أسعار الطاقة ، أو زيادة تكاليف النقل، أو اتساع الإنفاق الدفاعي ، أو القلق المتزايد بشأن مستقبل الأمن الأوروبي.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تقترب أوروبا من مواجهة أوسع مع روسيا؟ وإنما أيضاً : هل تستطيع الحكومات الأوروبية إدارة فاتورة هذه المواجهة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، دون أن تتحول الأزمات الخارجية إلى أزمات داخلية تعيد رسم الخريطة السياسية للقارة بأكملها؟

هذه هي المعركة الحقيقية التي بدأت ملامحها تظهر بوضوح: معركة أمنية في الخارج، واقتصادية في الداخل، وسياسية فوق الاثنين، وكل مسار منها يؤثر في الآخر بصورة مباشرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى