مقالات

الساعات الحاسمة في الشرق الأوسط.. عدة جبهات مفتوحة وسيناريوهات شديدة الخطورة

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

المشهد في الشرق الأوسط خلال الساعات الأخيرة لم يعد مجرد تصعيد عابر أو تبادل رسائل نارية بين أطراف الصراع، وإنما بدأ يأخذ شكلاً أكثر تعقيداً ، وكأن المنطقة تقف أمام لحظة يمكن أن تتغير فيها قواعد الاشتباك مرة أخرى.

اللافت هنا أن الولايات المتحدة أصدرت عبر سفاراتها في عدد من دول الشرق الأوسط تحذيرات أمنية متزامنة لمواطنيها، شملت دولاً مثل السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان والعراق ولبنان وإسرائيل والأردن ، ودعتهم إلى رفع مستوى اليقظة، مع التحذير من احتمالات إلغاء الرحلات أو إغلاق المجال الجوي وتعطل حركة السفر إذا تصاعد الصراع بصورة سريعة.

وهنا تحديداً يجب أن نتوقف قليلاً ، لأن مثل هذه التحذيرات لا تعني بالضرورة أن واشنطن اتخذت قراراً نهائياً بشن عملية عسكرية جديدة خلال الساعات المقبلة ، لكنها في المقابل تكشف أن المؤسسات الأمريكية تتعامل مع احتمال اتساع دائرة الخطر باعتباره احتمالاً جدياً يستحق الاستعداد له.

والتوقيت ليس عادياً.

المنطقة أصلًا تعيش فوق برميل من البارود ، فالحرب مع إيران مستمرة منذ أشهر ، والحوثيون عادوا إلى استهداف الأراضي السعودية، بينما أصبحت منشآت الطاقة والموانئ وخطوط الملاحة وممرات التجارة الدولية جزءاً مباشراً من معادلة الصراع. وخلال الساعات الأخيرة تحديدًا، أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلق باتجاه الرياض، بالتزامن مع هجمات حوثية أخرى، وهو ما يفسر جانباً مهماً من حالة الاستنفار والتحذيرات الأمريكية الأخيرة.

وهنا تصبح الصورة أكثر حساسية، لأن السعودية لم تعد تتعامل فقط مع تهديد بعيد من الأراضي اليمنية، وإنما مع مسار تصعيد يمكن أن يضغط على أمن المدن والمنشآت النفطية والموانئ وشبكات النقل والطاقة في وقت واحد.

وفي المقابل ، هناك حديث متزايد عن تحركات أمريكية عاجلة،  من بينها عودة الرئيس دونالد ترامب بصورة مبكرة من رحلته إلى كامب ديفيد ، في توقيت يتزامن مع تصاعد التحذيرات الأمنية الأمريكية في المنطقة. بعض التقارير ربطت بين الأمرين، بينما لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي يثبت أن عودة ترامب كانت بسبب قرار عسكري محدد في الشرق الأوسط ، وبالتالي من الضروري التفريق بين ما هو مؤكد وما هو استنتاج أو تسريب.

الأمر نفسه ينطبق على ما يتم تداوله عبر مواقع التواصل بشأن ما يسمى «مؤشر البيتزا» في البنتاجون ، والذي يُستخدم أحياناً باعتباره مؤشراً غير رسمي على وجود اجتماعات عسكرية طارئة عندما ترتفع طلبات الطعام حول وزارة الدفاع الأمريكية. لكن هذا المؤشر ليس أداة استخباراتية معتمدة، ولا يمكن اعتباره وحده دليلًا على التحضير لعملية عسكرية كبرى.

وبالتالي، لو جمعنا هذه الإشارات معاً، فإن الصورة الأكثر واقعية ليست أننا أمام «دليل مؤكد» على ضربة وشيكة ، وإنما أننا أمام بيئة أمنية شديدة التوتر، تتحرك فيها عدة جبهات في وقت واحد، وأي حادث كبير يمكن أن يحول التصعيد المحدود إلى مواجهة أوسع.

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: إلى أين يمكن أن يتجه هذا التصعيد؟

أحد السيناريوهات التي لا يمكن تجاهلها هو أن تعود الولايات المتحدة إلى توجيه ضربات مباشرة داخل إيران إذا اعتبرت واشنطن أن تطورات الحرب تجاوزت الخطوط التي تستطيع احتواءها سياسياً. وفي هذه الحالة، لن تكون المشكلة في الضربة نفسها فقط ، وإنما في رد الفعل الإيراني المحتمل ، وفي قدرة طهران على توسيع دائرة الاشتباك عبر حلفائها وشبكاتها الإقليمية، خصوصاً في العراق واليمن ولبنان ، إضافة إلى استهداف مصالح أمريكية وإسرائيلية ومصالح حلفاء واشنطن في الخليج.

وهنا تصبح السعودية ودول الخليج جزءًا أساسياً من معادلة المخاطر، ليس بالضرورة لأنها طرف مباشر في كل قرار عسكري، وإنما بسبب وجود منشآت وقواعد ومصالح أمريكية حيوية على أراضيها، فضلًا عن قربها الجغرافي من مسار الصراع.

أما السيناريو الآخر، والأكثر ارتباطاً بالتطورات الحالية، فهو أن تتحول جبهة اليمن إلى مسرح رئيسي للتدخل الأمريكي المباشر.

الحوثيون تمكنوا خلال الفترة الأخيرة من رفع مستوى الضغط على السعودية ، واستهداف مواقع حساسة، بينما أصبحت سيطرتهم أو نفوذهم على أجزاء من ساحل البحر الأحمر عاملًا إضافياً يهدد حركة الملاحة والطاقة. وتقول تقارير حديثة إن الهجمات الأخيرة وصلت إلى الرياض ومناطق أخرى، في وقت تواجه فيه السعودية ضغوطاً متزايدة على دفاعاتها الجوية ومصالحها النفطية.

أما الحديث عن استعداد الحوثيين لعملية برية واسعة داخل الحدود السعودية، فلا يزال في إطار المعلومات غير المؤكدة، ولذلك لا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة محسومة. لكن مجرد وجود هذا السيناريو في التداول يكشف إلى أي مدى أصبحت الحدود الجنوبية للمملكة جزءًا حساساً من الحسابات العسكرية الحالية.

والأخطر من كل ذلك أن أي توسع أمريكي في اليمن لن يُقرأ بمعزل عن إيران.

فطهران والحوثيون مرتبطون سياسياً وعسكرياً بدرجات مختلفة، وأي ضربة أمريكية واسعة ضد الجماعة قد تُفسر إيرانياً باعتبارها جزءًا من الحرب الأوسع، وهو ما يمكن أن يدفع الصراع مرة أخرى إلى دائرة التصعيد المتبادل بدلًا من احتوائه.

ثم تأتي واحدة من أخطر الأوراق الموجودة على الطاولة: مضيق هرمز.

هذا الممر البحري لا يمثل فقط شرياناً لتجارة النفط العالمية، وإنما تمر عبر مياهه أيضاً بنية تحتية حساسة للاتصالات الدولية. وتشير تقارير متخصصة إلى وجود ما لا يقل عن سبعة مسارات رئيسية لكابلات ألياف ضوئية تحت البحر في منطقة المضيق ، وهي ذات أهمية كبيرة للاتصالات في دول الخليج.

وهنا تظهر خطورة أي تهديد باستهداف هذه الكابلات.

لكن يجب أيضاً وضع الأمور في حجمها الحقيقي: قطع الكابلات الموجودة في هرمز يمكن أن يسبب اضطراباً مهماً في اتصالات دول الخليج، لكنه لا يعني تلقائيًا «قطع الإنترنت عن العالم» أو انهيار الإنترنت العالمي بالكامل. فشبكات الاتصالات الدولية تعتمد على مسارات متعددة ، وهناك كابلات برية وبحرية بديلة، كما أن الكابلات الموجودة في هرمز تخدم الخليج بصورة أساسية.

ومع ذلك، فإن تعمد استهداف هذه البنية التحتية في وقت حرب سيكون تطوراً شديد الخطورة ، لأنه ينقل الصراع من استهداف القواعد والمنشآت العسكرية إلى استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية التي تعتمد عليها البنوك والطاقة والاتصالات والخدمات الرقمية.

وهنا يمكن أن نتصور حجم التأثير: اضطراب الاتصالات لا يعني فقط أن المواطن لن يستطيع فتح تطبيق على هاتفه، وإنما يمكن أن يمتد إلى أنظمة مصرفية ، معاملات إلكترونية ، شركات طاقة، موانئ، شركات طيران، خدمات سحابية، ومؤسسات مالية تعتمد على الاتصال المستمر بالشبكات العالمية.

لكن في النهاية، أخطر ما في المشهد الحالي ليس وجود سيناريو واحد مؤكد، وإنما وجود عدة مسارات تصعيدية يمكن أن تتقاطع في لحظة واحدة.

ضربة أمريكية لإيران قد تفتح جبهة جديدة.

تصعيد أمريكي ضد الحوثيين قد يدفع اليمن إلى مواجهة أوسع.

هجوم حوثي كبير داخل السعودية قد يفرض على الرياض طلب دعم عسكري أكبر من حلفائها.

وأي تهديد للملاحة في هرمز أو البحر الأحمر يمكن أن يتحول من أزمة إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية.

وهذا هو السبب الحقيقي وراء خطورة اللحظة الحالية.

فالشرق الأوسط لا يعيش أزمة منفصلة، وإنما سلسلة أزمات مترابطة، إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، واليمن والحوثيون من جهة ثالثة، ودول الخليج في قلب دائرة التأثير ، بينما تظل الملاحة والطاقة والاتصالات العالمية مرتبطة مباشرة بما يحدث في هذه الجغرافيا.

لذلك، فإن التحذيرات الأمريكية الأخيرة يجب أن تُقرأ باعتبارها إشارة واضحة إلى ارتفاع مستوى المخاطر، لكن ليس باعتبارها إعلانًا مسبقًا عن ضربة عسكرية مؤكدة خلال الساعات المقبلة.

المنطقة بالفعل في واحدة من أكثر مراحلها حساسية، وما سيحدد اتجاه الأحداث لن يكون مجرد تحرك عسكري واحد ، وإنما كيفية تفاعل إيران والولايات المتحدة وإسرائيل والحوثيين ودول الخليج مع كل خطوة خلال الساعات والأيام القادمة.

والسؤال الآن ليس فقط: هل ستحدث ضربة جديدة؟

السؤال الأخطر هو : إذا حدثت ، هل سيتمكن الجميع من إبقائها محدودة … أم أن ضربة واحدة ستكون الشرارة التي تدفع عدة جبهات إلى الاشتعال في الوقت نفسه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى