مقالات

لماذا لم تنضم مصر إلى “إتفاقية مكة”

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

السؤال عن عدم انضمام مصر إلى الاتفاقية التي جمعت السعودية وباكستان وتركيا، والتي عُرفت إعلامياً باسم «اتفاقية مكة»، لا ينبغي أن يُطرح من زاوية المؤامرة أو منطق «كل ما يحدث في المنطقة يدور حول مصر». كما لا يصح التعامل مع الاتفاقية باعتبارها اختباراً لمكانة القاهرة أو نفوذها الإقليمي لمجرد أنها لم تكن طرفاً فيها.

في العلوم السياسية ، الدول لا تتحرك وفق العواطف ولا وفق فكرة أن دولة بعينها هي محور كل شيء ، وإنما تتحرك وفق حسابات أكثر تعقيداً تتعلق بالمصالح الوطنية ، والتهديدات ، والقدرة على تحمل التكلفة ، وطبيعة التحالفات ، ومساحة الحركة التي تريد الدولة الاحتفاظ بها في سياستها الخارجية.

ومن هذا المنطلق ، فإن السؤال الأهم ليس: «لماذا لم تنضم مصر؟»، وإنما: «هل كان انضمام مصر إلى هذا النوع من الترتيبات سيحقق لها مكاسب أكبر من التكاليف والالتزامات التي ستترتب عليه؟».

عندما ننظر إلى الاتفاقية من هذه الزاوية، نجد أن لكل طرف من الأطراف الثلاثة حساباته الخاصة. السعودية تبدو صاحبة المصلحة الأوضح في بناء إطار جديد للردع الإقليمي، من خلال الجمع بين دولتين تمتلك كل منهما أوراق قوة استراتيجية مختلفة؛ باكستان باعتبارها دولة نووية ذات ثقل عسكري ، وتركيا باعتبارها قوة إقليمية كبرى وعضواً في حلف شمال الأطلسي «الناتو».

وهنا تصبح الفكرة الأساسية هي الردع، وليس بالضرورة الدخول في حرب. فالتحالفات العسكرية في الأصل لا تُبنى فقط لخوض المعارك، وإنما قد يكون الهدف الأساسي منها هو إقناع الخصوم بأن تكلفة الاعتداء على أي طرف ستكون مرتفعة، لأن المواجهة لن تظل محصورة بين دولتين.

وبحسب ما أُعلن عن الاتفاق، فإن التعاون الدفاعي المتبادل يمثل أحد مرتكزاته الأساسية، بما يعني أن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يمكن أن يستدعي دعم الدولتين الأخريين. كما أن الإعلان عن مناورات عسكرية مشتركة يضيف بعداً عملياً إلى العلاقة، لأن الانتقال من البيانات السياسية إلى التدريب والتنسيق العسكري يعني أن الأطراف تريد اختبار مستوى التعاون على الأرض.

لكن هنا تحديداً يجب أن نتوقف أمام نقطة مهمة: الاتفاقية لا تعني تلقائيًا أن الدول الثلاث أصبحت كتلة واحدة في كل الملفات، ولا تعني أن مصالحها متطابقة، ولا أن كل دولة ستتخلى عن سياساتها المستقلة. التحالفات الدولية لا تقوم عادة على التطابق الكامل في المصالح، وإنما على وجود مساحة مشتركة كافية تجعل التعاون أكثر فائدة من الانفراد.

وهنا يمكن فهم الموقف المصري بصورة أكثر واقعية.

مصر ليست مضطرة إلى الدخول في كل تحالف إقليمي لمجرد أنه يضم قوى مهمة، وليس من المنطقي أن تتحول عضوية التحالفات إلى مقياس وحيد للحضور المصري. فالقوة الدبلوماسية لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات العسكرية التي توقعها الدولة ، وإنما أيضاً بقدرتها على التواصل مع أطراف مختلفة، والحفاظ على قنوات مفتوحة ، والتوسط عندما تتعقد الأزمات ، وحماية مصالحها من دون تحويل نفسها إلى طرف مباشر في كل صراع.

وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة لمصر تحديداً، لأن موقعها الجغرافي يجعلها متصلة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمعظم الملفات الساخنة في الشرق الأوسط. مصر تتعامل مع إسرائيل، ولها علاقات مع الدول العربية ، وقنوات اتصال مع إيران ، وعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا ، فضلًا عن علاقاتها مع تركيا ودول الخليج.

هذه المساحة الواسعة من العلاقات تمنح القاهرة ميزة لا ينبغي الاستهانة بها: القدرة على التحدث مع أطراف قد لا تتحدث بسهولة مع بعضها البعض.

والانضمام إلى تحالف دفاعي ملزم قد يحد، بدرجات مختلفة، من هذه المساحة. فإذا أصبحت مصر جزءًا من ترتيبات دفاعية تلزمها سياسيًا أو عسكريًا بالتحرك في حال تعرض أحد الحلفاء لهجوم، فإن هامش المناورة المصرية قد يصبح أضيق، خصوصاً إذا كان الطرف المعتدي أو الأزمة ذاتها مرتبطة بدولة تحتاج القاهرة إلى الاحتفاظ بقنوات اتصال معها.

وهنا يظهر الفرق بين «التحالف» و«الشراكة».

يمكن للدولة أن تتعاون عسكرياً مع دولة أخرى، وتجري تدريبات مشتركة، وتنسق استخباراتياً ، وتوقع اتفاقيات استراتيجية، من دون أن تضع نفسها بالضرورة داخل مظلة دفاع جماعي تجعلها ملزمة بالدخول في حرب إذا اندلعت مواجهة تخص حليفاً آخر.

وهذه المرونة قد تكون في حد ذاتها أحد عناصر القوة.

هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله : الاقتصاد.

الدخول في أي ترتيبات دفاعية لا يحمل فقط قيمة سياسية أو عسكرية، وإنما يفرض تكلفة مباشرة وغير مباشرة. والجيوش الحديثة تحتاج إلى إنفاق ضخم على التسليح والتدريب والجاهزية واللوجستيات ، فضلًا عن أن الالتزام بتحالف عسكري قد يعني الاستعداد للتدخل خارج الحدود إذا تطلبت الاتفاقية ذلك.

ومن هنا، فإن الدولة التي تواجه ضغوطًا اقتصادية كبيرة عليها أن تسأل قبل الدخول في أي التزام عسكري طويل المدى: هل أستطيع تحمل تكلفة هذا الالتزام؟ وهل التهديد الذي سأتحمل من أجله هذه التكلفة يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن الدولة المصرية؟

هذا السؤال ليس انعزالية ، ولا تخلياً عن الدور الإقليمي، وإنما هو جوهر الواقعية السياسية.

فمصر لديها أولويات أمن قومي مباشرة تتعلق بحماية حدودها، وتأمين مواردها، والحفاظ على استقرارها الداخلي ، ودعم اقتصادها، والتعامل مع الملفات الإقليمية المحيطة بها. وبالتالي فإن تحويل الجيش المصري إلى قوة تدخل في نزاعات متعددة خارج حدود الدولة قد يحمل تكاليف لا تتناسب بالضرورة مع المكاسب المتوقعة.

وهنا يمكن فهم تجربة مصر التاريخية مع الحروب بصورة أكثر عمقًا.

الحديث عن السلام ليس مجرد شعار سياسي، وإنما هو في الحالة المصرية نتيجة لتجربة تاريخية شديدة القسوة. ومن عاش حرب أكتوبر 1973 يعرف أن الحرب ليست مجرد خرائط تتحرك عليها الجيوش، أو بيانات عسكرية تعلنها الحكومات.

الحرب تعني مدناً وبنية تحتية واقتصادًا ومصانع وطرقاً ومطارات، وتعني أجيالًا من الشباب الذين قد لا يعودون إلى منازلهم.

ولذلك فإن أحد أهم الدروس التي تركتها التجربة المصرية الحديثة هو أن استخدام القوة يجب أن يكون مرتبطاً بضرورة حقيقية وبهدف واضح، وليس بمجرد الرغبة في إثبات الحضور أو الانخراط في سباق تحالفات إقليمية.

الرئيس أنور السادات، الذي اتخذ قرار الحرب ثم انتقل لاحقاً إلى مسار التفاوض والسلام ، كان يدرك أن الهدف النهائي من القوة العسكرية ليس الحرب في حد ذاتها، وإنما حماية مصالح الدولة وإنهاء حالة الصراع عندما يصبح ذلك ممكنًا.

ومن هنا يمكن أن نفهم السياسة المصرية باعتبارها محاولة لتحقيق معادلة صعبة : الحفاظ على قوة الردع ، مع تجنب التورط في حروب لا تمس الأمن القومي المصري بصورة مباشرة.

أما السؤال عن كون عدم انضمام مصر قد يقلل من مكانتها، فأراه سؤالًا يحتاج إلى إعادة صياغة من الأساس.

من قال إن مكانة الدولة تُقاس بعدد التحالفات التي تنضم إليها؟

لو كان الأمر كذلك، لكانت الدول التي لا تنضم إلى كل ترتيبات الأمن الجماعي أقل شأناً بالضرورة، وهو استنتاج لا يصمد أمام الواقع الدولي.

المكانة الدولية تُبنى من عناصر متعددة: القوة الاقتصادية، والقوة العسكرية، والموقع الجغرافي، والقدرة الدبلوماسية، وحجم السكان، والموارد، والاستقرار، والشبكة الدولية للعلاقات، وقدرة الدولة على التأثير في الأزمات.

ومصر تمتلك أوراقاً تجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله في قضايا المنطقة، حتى من دون أن تكون عضوًا في كل تحالف عسكري جديد يظهر على الساحة.

أما الحديث عن «مؤامرة على مصر»، فهو أيضاً يحتاج إلى قدر من الهدوء.

ليس كل تحالف لا تشارك فيه مصر مؤامرة ضدها، كما أن قيام السعودية أو تركيا أو باكستان ببناء ترتيبات أمنية تخدم مصالحها لا يعني تلقائيًا أن الهدف هو إضعاف القاهرة.

الدول تتحرك أولًا وفق مصالحها، وقد تتقاطع هذه المصالح مع مصر في ملفات، وتختلف معها في ملفات أخرى، وقد تتعاون معها في وقت وتتبنى ترتيبات مستقلة عنها في وقت آخر.

والسياسة الدولية لا تعرف الصداقة الدائمة أو العداء الدائم بالمعنى العاطفي ؛ ما تعرفه هو المصالح المتغيرة وتوازنات القوة.

بل إن السؤال الأكثر واقعية بالنسبة لمصر هو: هل تستطيع القاهرة الاستفادة من هذا التحالف من الخارج بدلًا من أن تكون جزءًا منه بالضرورة؟

قد يكون ذلك عبر الحفاظ على علاقات قوية مع أطراف الاتفاق، والتعاون معها في الملفات التي تتوافق فيها المصالح المصرية، وإجراء تدريبات أو ترتيبات أمنية ثنائية ومتعددة الأطراف عند الحاجة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بحرية القرار المصري.

وهذه النقطة تحديدا قد تكون أهم من مجرد الحصول على مقعد داخل تحالف.

فالدولة القوية ليست التي تدخل كل تحالف، وإنما التي تعرف متى تدخل، ومتى تكتفي بالتعاون، ومتى تبتعد، وما الذي تريد الحصول عليه من كل علاقة.

لذلك، فإن عدم انضمام مصر إلى «اتفاقية مكة» لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تراجعاً في مكانتها، ولا باعتباره انتصارًا عليها، ولا باعتباره مؤامرة تستهدفها، إلا إذا ظهرت أدلة واضحة تثبت وجود هدف مباشر ضد المصالح المصرية.

حتى الآن، القراءة الأكثر واقعية هي أن القاهرة قد تكون رأت أن الحفاظ على هامش الحركة الاستراتيجي، وعدم تحمل التزامات دفاعية إضافية ، والتركيز على الملفات المباشرة للأمن القومي والاقتصاد، يوفر لها مكاسب أكبر من الدخول في تحالف عسكري جديد.

وفي السياسة، أحياناً يكون القرار الأكثر قوة ليس أن تقول «نعم» لكل من يطلب منك التحالف ، وإنما أن تعرف لماذا تقول «لا».

مصر ليست مطالبة بأن تكون طرفاً في كل ترتيبات المنطقة حتى تثبت أنها دولة محورية. الأهم أن تحافظ على قدرتها على اتخاذ قرارها بنفسها ، وأن تستخدم وزنها السياسي والعسكري والدبلوماسي عندما تكون مصالحها وأمنها القومي على المحك.

وفي النهاية، لا ينبغي أن ننظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها مباراة صفرية: إما أن تكون مصر داخلها فتكون قوية، أو خارجها فتكون ضعيفة. هذه ببساطة ليست الطريقة التي تعمل بها العلاقات الدولية.

المعيار الحقيقي هو: ماذا تكسب مصر إذا انضمت؟ وماذا ستدفع في المقابل؟ وما البدائل المتاحة أمامها؟ وهل ستصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها أم ستفقد جزءًا من هامش حركتها؟

إذا كانت الإجابة أن البقاء خارج التحالف يمنح القاهرة قدرة أكبر على التواصل مع الجميع، ويجنبها التزامات عسكرية لا تحتاج إليها، ويحافظ على مواردها لمواجهة تحدياتها المباشرة، ويمنحها مساحة أوسع للوساطة والتحرك السياسي، فإن عدم الانضمام لا يكون علامة ضعف، بل قد يكون قراراً محسوباً من منظور الواقعية السياسية.

وفي عالم شديد الاضطراب، ربما تكون إحدى أهم أدوات القوة أن تعرف الدولة ليس فقط متى تستخدم قوتها، ولكن أيضاً متى تمتنع عن استخدامها، ومتى تلتزم بتحالف، ومتى تحتفظ لنفسها بمسافة استراتيجية تسمح لها بأن تتحدث مع الجميع عندما يصمت الآخرون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى