ترامب يلوح بالحرب من كوبا إلى إيران.. هل بدأت واشنطن استراتيجية إسقاط الخصوم بالقوة؟

✍️ يوحنا عزمي
هناك لحظة تبدو فيها السياسة الدولية وكأنها تتحرك فوق حافة هاوية، وكل تصريح يصدر من واشنطن يمكن أن يكون مجرد ورقة ضغط، أو مقدمة لقرار عسكري حقيقي. وفي حالة إدارة دونالد ترامب ، تصبح قراءة ما وراء التصريحات أكثر أهمية من التصريحات نفسها؛ لأن ترامب لطالما تعامل مع التهديد باستخدام القوة باعتباره أداة تفاوضية بقدر ما هو خيار عسكري محتمل.
ومن هنا تأتي كوبا إلى واجهة المشهد.
الحديث عن احتمال قيام الولايات المتحدة بعملية عسكرية ضد كوبا ليس مجرد تفصيل عابر في خضم الأزمات العالمية المتلاحقة. فهذه الجزيرة الواقعة على مسافة قصيرة نسبيا من ولاية فلوريدا تحتل موقعا استراتيجيا بالغ الحساسية بالنسبة للأمن القومي الأمريكي. كوبا ليست مجرد دولة صغيرة في البحر الكاريبي؛ إنها دولة تقع على مقربة شديدة من الأراضي الأمريكية، وتحكمها منذ انتصار الثورة الكوبية عام 1959 منظومة سياسية يقودها الحزب الشيوعي، في ظل علاقات تاريخية وثيقة مع خصوم واشنطن.
وهنا تحديداً تكمن حساسية الملف.
فمنذ الثورة الكوبية، ظلت كوبا تمثل بالنسبة للولايات المتحدة واحدة من أكثر القضايا الرمزية في تاريخ الحرب الباردة. واشنطن لم تنظر إلى نظام فيدل كاسترو باعتباره مجرد نظام سياسي مختلف، وإنما باعتباره نظاما معاديا يتمركز على بعد نحو 145 كيلومترا فقط من السواحل الأمريكية. ولهذا لم تكن أزمة خليج الخنازير عام 1961، ولا أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، مجرد أحداث عسكرية منفصلة، وإنما كانتا تعبيرا عن صراع استراتيجي أوسع حول سؤال بالغ الخطورة: ماذا يعني أن يكون هناك حليف للاتحاد السوفيتي عند أبواب الولايات المتحدة مباشرة؟
اليوم، تعود بعض عناصر ذلك المشهد القديم إلى الظهور، وإن كانت الظروف الدولية مختلفة تماما.
إدارة ترامب تنظر إلى العالم من منظور يقوم على القوة والضغط الاقتصادي والعسكري ومحاولة إعادة رسم قواعد التعامل مع الخصوم. وفي هذا السياق، فإن أي علاقة لكوبا مع روسيا أو الصين أو إيران أو كوريا الشمالية يمكن أن تتحول في الحسابات الأمريكية من مجرد علاقات دبلوماسية إلى ملف أمني واستراتيجي.
ولهذا فإن تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، إذا ثبتت في سياقها الكامل، بشأن إبقاء جميع الخيارات، بما فيها الخيار العسكري، مطروحة تجاه كوبا، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد جملة سياسية عابرة. لكن في الوقت نفسه، يجب الحذر من القفز من عبارة “جميع الخيارات مطروحة” إلى استنتاج أن قرار الغزو قد اتخذ بالفعل، فهذه اللغة تستخدم عادة في السياسة الأمريكية لرفع مستوى الضغط والردع وإجبار الطرف الآخر على إعادة حساباته.
والسؤال الحقيقي هنا ليس : هل تستطيع الولايات المتحدة غزو كوبا؟ بالطبع تستطيع عسكرياً. وإنما السؤال الأكثر أهمية هو: هل تحتاج واشنطن فعلا إلى غزو كوبا لتحقيق أهدافها؟
الإجابة ليست بالضرورة نعم.
فالغزو المباشر ستكون له تكلفة سياسية واستراتيجية كبيرة، وقد يحول كوبا من دولة معزولة إلى قضية دولية كبرى، ويمنح روسيا والصين وإيران فرصة لإعادة تقديم أنفسهم باعتبارهم المدافعين عن دولة تتعرض لتدخل أمريكي. كما أن السيطرة العسكرية على الجزيرة لا تعني بالضرورة القدرة على السيطرة السياسية عليها؛ فالتاريخ أثبت أن احتلال الأرض أسهل بكثير من إدارة تبعات الاحتلال.
لكن هناك سيناريو آخر أكثر واقعية: الضغط الاقتصادي، والعقوبات، ومحاولة دفع النظام الكوبي إلى أزمة داخلية، بالتوازي مع الضغط السياسي والدبلوماسي، مع إبقاء الخيار العسكري في الخلفية كورقة ردع.
وهنا يصبح الحديث عن الوضع الاقتصادي في كوبا مهما، لكن أيضا يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق. فالأزمة الاقتصادية الكوبية حقيقية، ونقص السلع والطاقة وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية عوامل تضغط بشدة على المواطن الكوبي، إلا أن اختزال الاقتصاد الكوبي في أرقام محددة للرواتب أو اعتبارها وحدها دليلا كافيا على “الفقر المدقع” قد يكون مضللا ؛ لأن الأجور الرسمية، والدعم الحكومي، ونظام الحصص، وسعر الصرف الرسمي وغير الرسمي، كلها تجعل مقارنة الدخل الكوبي بالدولار بصورة مباشرة أمرا أكثر تعقيدا.
لكن بغض النظر عن الأرقام، فإن جوهر الأزمة موجود: الاقتصاد الكوبي يعاني اختلالات عميقة، والعقوبات الأمريكية الطويلة، إلى جانب مشكلات داخلية وهيكلية، زادت من صعوبة الوضع الاقتصادي.
وهنا يمكن فهم الرهان الأمريكي.
واشنطن قد لا تكون بحاجة إلى إرسال قواتها إلى هافانا إذا كان بالإمكان جعل النظام الكوبي يواجه ضغوطا اقتصادية واجتماعية متزايدة من الداخل. وهذه هي النقطة التي تجعل ملف كوبا مرتبطا بطريقة ما بالملف الإيراني.
فإيران أيضا تواجه ضغوطا اقتصادية هائلة، وعملتها تعاني تراجعا حادا في قيمتها، والأسعار تضغط على المواطنين، والعقوبات تحد من قدرة الاقتصاد الإيراني على الوصول إلى الأسواق والموارد المالية. لكن مرة أخرى، لا ينبغي تحويل هذه الحقائق إلى نتيجة حتمية مفادها أن النظام الإيراني سيسقط خلال أيام.
فالتاريخ السياسي يقول شيئا أكثر تعقيداً.
الأنظمة التي تتعرض للحصار الاقتصادي لا تسقط بالضرورة، وقد يحدث العكس أحيانا؛ إذ تستطيع بعض الأنظمة استخدام الحصار لتعبئة الداخل حول فكرة مواجهة “العدو الخارجي”، وتحويل الأزمة الاقتصادية من مسؤولية النظام إلى نتيجة للمواجهة مع الخارج.
وهنا تحديدا تكمن معضلة ترامب.
إذا كان الهدف هو إسقاط النظام الإيراني من خلال الضغط الاقتصادي، فالسؤال ليس فقط هل يستطيع الاقتصاد الإيراني تحمل الضغوط، وإنما أيضا: هل يستطيع النظام السياسي تحويل هذه الضغوط إلى وقود للبقاء؟
أما إذا انتقل ترامب إلى الخيار العسكري، فإن المعادلة تصبح أخطر بكثير.
فالحديث عن ضرب إيران ليس كالحديث عن ضرب منشأة أو مجموعة محددة من الأهداف. إيران دولة كبيرة، ذات عمق جغرافي وسكاني وعسكري، ولديها شبكة من الحلفاء والوكلاء، كما أن موقعها الجغرافي يجعل أي مواجهة معها قابلة للانتقال بسرعة إلى الخليج وباب المندب والعراق ولبنان وسوريا وربما إلى أسواق الطاقة العالمية.
ومضيق هرمز تحديدا يجعل أي تصعيد مع إيران قضية لا تخص واشنطن وطهران وحدهما.
فأي اضطراب واسع في حركة الملاحة عبر المضيق يمكن أن ينعكس مباشرة على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، والاقتصادات الآسيوية والأوروبية، وبالتالي فإن الحرب على إيران ليست مجرد عملية عسكرية أمريكية ضد دولة خصم؛ إنها أزمة يمكن أن تتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية.
وهنا يصبح الربط بين كوبا وإيران أكثر إثارة للاهتمام.
الولايات المتحدة في عهد ترامب تبدو وكأنها تحاول العودة إلى سياسة تقوم على مبدأ واضح: الضغط على الخصوم في أكثر من جبهة، وعدم السماح لهم بالاعتقاد بأن واشنطن مقيدة بخيار واحد. كوبا في الفناء الخلفي الأمريكي، وإيران في قلب الشرق الأوسط، وروسيا والصين في الحسابات الكبرى للمنافسة العالمية.
لكن المشكلة أن فتح عدة جبهات في الوقت نفسه قد يمنح الولايات المتحدة قوة ضغط أكبر، لكنه في المقابل يزيد احتمالات سوء الحسابات.
فإذا كانت واشنطن تريد إجبار كوبا على تغيير سلوكها، فقد لا تحتاج إلى غزوها. وإذا كانت تريد تغيير حسابات إيران، فقد لا تحتاج إلى حرب شاملة. وفي الحالتين ، قد يكون التهديد باستخدام القوة أكثر فاعلية من استخدامها فعلا.
وهذا تحديداً ما يجعل تصريحات ترامب بحاجة إلى قراءة مختلفة عن القراءة السطحية.
ترامب يحب أن يترك خصمه أمام احتمال الأسوأ. إنه يريد أن يعتقد الخصم أن الخيار العسكري موجود دائما، وأن عدم التنازل قد يجعل تكلفة المواجهة أعلى في المستقبل. لكن الفرق بين التهديد بالحرب وقرار شن الحرب كبير جدا.
ولهذا ، فإن القول إن القوات الأمريكية “على وشك غزو كوبا” أو أن إسقاط النظام الإيراني أصبح مسألة أيام يحتاج إلى أدلة أقوى بكثير من التصريحات السياسية وحدها.
المشهد الحقيقي أكثر تعقيداً.
نحن أمام إدارة أمريكية تستخدم العقوبات، والضغط الاقتصادي، والتهديد العسكري، وإعادة الانتشار، والتفاوض، والحرب النفسية، في وقت واحد. وقد تكون الغاية النهائية ليست الدخول في حروب جديدة، وإنما إجبار الخصوم على تقديم تنازلات وهم تحت ضغط الخوف من الحرب.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يعتقد كل طرف أن الآخر سيستسلم قبل أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة.
فإيران قد تراهن على أن الولايات المتحدة لن تتحمل تكلفة حرب طويلة. وترامب قد يراهن على أن الضغط الاقتصادي والعسكري سيجبر إيران على التراجع. وكوبا قد تراهن على أن واشنطن لن تكرر تجربة خليج الخنازير. وفي المقابل قد تراهن واشنطن على أن ضعف الاقتصاد الكوبي سيجعل النظام أكثر هشاشة.
وفي السياسة الدولية ، أخطر شيء هو الرهان الخاطئ.
لذلك فإن ما يحدث حول كوبا وإيران يستحق المتابعة ليس باعتباره إعلانين منفصلين عن حربين محتملتين، وإنما باعتباره جزءا من تحول أوسع في طريقة إدارة الولايات المتحدة لصراعاتها مع الخصوم.
ترامب يريد أن يقول للجميع إن مرحلة ضبط النفس الاستراتيجي انتهت، وإن واشنطن مستعدة للذهاب إلى أبعد نقطة إذا اقتضت مصالحها ذلك.
لكن السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان ترامب قادراً على استخدام القوة، وإنما ما إذا كان سيجد أن استخدام القوة هو فعلا الخيار الأكثر فائدة له.
وهنا يكمن الفارق بين الرئيس الذي يلوح بالحرب والرئيس الذي يقرر خوضها.
الأيام المقبلة ستكشف أي النسختين من ترامب أمامنا: ترامب الذي يستخدم التهديد العسكري كسلاح تفاوضي لإجبار خصومه على التراجع، أم ترامب الذي يرى أن اللحظة أصبحت مناسبة لفتح جبهات جديدة وإعادة تشكيل خريطة النفوذ الأمريكي بالقوة.
وفي كل الأحوال، فإن كوبا وإيران ليستا قصتين منفصلتين. كلاهما يعيد إلى الواجهة سؤالا واحداً : إلى أي مدى يمكن لواشنطن أن تستخدم الاقتصاد والعقوبات والتهديد العسكري لإعادة تشكيل أنظمة تعتبرها خصما، دون أن يتحول الضغط نفسه إلى شرارة حرب أوسع مما خططت له الولايات المتحدة؟



