مقالات

طرابزون وسوريا والقنابل النووية .. هل بدأت إسرائيل تمهد لمواجهة عسكرية مع تركيا؟

✍️ يوحنا عزمي

ما يحدث بين إسرائيل وتركيا خلال الساعات الأخيرة يستحق التوقف أمامه بعيداً عن القراءة السطحية التي تتعامل مع كل واقعة باعتبارها حادثاً منفصلًا. فالمشهد، إذا جُمعت عناصره معًا، يكشف عن ارتفاع واضح في مستوى التوتر الاستراتيجي بين قوتين إقليميتين تملك كل منهما أدوات عسكرية وسياسية قادرة على تغيير قواعد الاشتباك في المنطقة. ومع ذلك، فإن الانتقال من التوتر إلى الحرب المباشرة لا يزال احتمالًا، وليس حقيقة محسومة، وهو فارق مهم يجب الحفاظ عليه عند قراءة التطورات.

البداية جاءت من شمال شرق تركيا، وتحديداً من ولاية طرابزون، حيث انفجرت طائرة مسيّرة مجهولة داخل ساحة مركز للشرطة في منطقة أرسين، متسببة في أضرار مادية لعدد من السيارات، من دون تسجيل قتلى أو مصابين وفق المعلومات المتداولة. السلطات التركية طوقت موقع الحادث وبدأت فحص الحطام ومحاولة تحديد مصدر المسيّرة والجهة التي أطلقتها.

لكن أهمية الحادث لا تكمن فقط في الانفجار نفسه، وإنما في توقيته ومكانه والبيئة الإقليمية المحيطة به. فحين تقع حادثة من هذا النوع داخل الأراضي التركية ، في وقت تشهد فيه الحدود الجنوبية للبلاد توتراً متزايداً بسبب النشاط العسكري الإسرائيلي في سوريا، يصبح السؤال عن هوية الفاعل جزءًا من المشهد الأمني والسياسي، لا مجرد تفصيل فني يتعلق بنوع الطائرة.

ومع ذلك ، من الخطأ القفز مباشرة إلى اتهام إسرائيل أو أي طرف آخر من دون أدلة تحقيقية معلنة. السياسة الدولية مليئة بالعمليات التي يجري فيها استغلال الغموض قبل ظهور الحقيقة ، وأحياناً يكون الهدف من حادث أمني محدود هو التأثير في الحسابات السياسية أكثر من تحقيق نتيجة عسكرية مباشرة.

وهنا نصل إلى التطور الأخطر، وهو ما حدث في الأجواء السورية قبل ذلك.

الغارات الإسرائيلية التي استهدفت منشآت ومدرجات في قاعدة أبو الظهور الجوية بريف إدلب اكتسبت أهمية إضافية بسبب قرب المنطقة من الحدود التركية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بإسرائيل وسوريا، وإنما أصبحت تمس مباشرة المجال الأمني التركي. وأي عملية جوية إسرائيلية بالقرب من الحدود التركية، خصوصًا إذا تمت من دون تنسيق واضح مع أنقرة، يمكن أن تتحول خلال دقائق من عملية عسكرية محدودة إلى أزمة بين دولتين عضوين في منظومة أمنية دولية واحدة، لكنهما تنظران إلى مستقبل سوريا من زاويتين مختلفتين تماماً.

والأخطر أن المشكلة في مثل هذه المواقف ليست دائماً في النوايا، وإنما في سوء تقدير النوايا.

إذا رصدت الرادارات التركية طائرات مقاتلة إسرائيلية تتحرك شمالًا باتجاه منطقة قريبة من الحدود من دون إخطار مسبق، فإن أمام صانع القرار العسكري التركي ثواني أو دقائق فقط لتحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بعملية إسرائيلية داخل سوريا، أم بتهديد مباشر للأراضي التركية. وفي بيئة إقليمية شديدة الحساسية، يكفي سوء تقدير واحد لتحويل حادث جوي إلى مواجهة يصعب احتواؤها.

ولهذا تكتسب تصريحات المبعوث الأمريكي توم براك أهمية خاصة، إذا صحت الرواية المتداولة عن تدخلات عاجلة حالت دون تطور الموقف إلى مواجهة مباشرة. فواشنطن هنا لا تتعامل فقط مع خلاف سياسي بين أنقرة وتل أبيب ، وإنما مع خطر أكبر : احتمال أن تنزلق دولتان حليفتان للولايات المتحدة، ولو بدرجات مختلفة، إلى اشتباك عسكري مفتوح.

لكن السؤال الأهم هو : لماذا أصبحت سوريا تحديداً نقطة الاحتكاك الأخطر بين تركيا وإسرائيل؟

الإجابة تتعلق بطبيعة الفراغ الذي نشأ في سوريا، وبالصراع على شكل النظام الإقليمي الجديد بعد سنوات الحرب. تركيا ترى في سوريا عمقاً أمنياً واستراتيجياً لا يمكن تجاهله، بينما تنظر إسرائيل إلى أي تغير في موازين القوى داخل الأراضي السورية من منظور أمنها القومي، وخصوصاً ما يتعلق بانتشار القوات الأجنبية، والحدود، والقدرات العسكرية التي يمكن أن تهددها مستقبلًا.

وبالتالي ، فإن المشكلة ليست بالضرورة أن إسرائيل قررت بالفعل الدخول في حرب مع تركيا، ولا أن تركيا تستعد لحرب مع إسرائيل. المشكلة الحقيقية أن مصالح الطرفين بدأت تقترب من بعضها في مساحة جغرافية ضيقة ، وكلما اقتربت المصالح المتعارضة من بعضها زادت احتمالات الاحتكاك غير المقصود.

وهنا تظهر خطورة الخطاب الإعلامي الذي بدأ يركز بصورة متزايدة على “الخطر التركي”.

ففي الأزمات الكبرى ، عادة لا تبدأ المواجهة العسكرية بالضربة الأولى ، وإنما تبدأ قبل ذلك بوقت طويل في المجال السياسي والإعلامي. يبدأ الخصم في التحول من دولة منافسة إلى “تهديد”، ثم تتحول تحركاته العسكرية إلى دليل على نواياه العدوانية، وبعدها تبدأ وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والشخصيات الأمنية في تقديم سيناريوهات تبدو في ظاهرها تحذيرات ، لكنها تؤدي في النهاية إلى تشكيل بيئة سياسية أكثر تقبلًا لفكرة التصعيد.

ومن هنا تكتسب التصريحات التي تحدثت عن الأسلحة النووية الأمريكية الموجودة في تركيا أهمية إعلامية، حتى لو كان بعضها يحتاج إلى تدقيق مستقل قبل التعامل معه باعتباره حقيقة مؤكدة.

وجود قنابل نووية أمريكية من طراز B61 في قاعدة إنجرليك التركية ليس سراً جديداً في حد ذاته ، وهو جزء من ترتيبات الردع النووي لحلف شمال الأطلسي. لكن الانتقال من الحديث عن وجود هذه الأسلحة إلى طرح سيناريو أن تركيا يمكن أن تستولي عليها وتستخدمها ضد إرادة الولايات المتحدة يمثل قفزة هائلة في الخطاب الأمني.

وهنا تحديداً يجب التمييز بين ثلاثة أشياء: وجود الأسلحة، وآليات السيطرة عليها، والقدرة الفعلية على استخدامها بصورة مستقلة.

فمجرد وجود قنابل نووية أمريكية على الأراضي التركية لا يعني أن أنقرة تمتلك قرار استخدامها. كما أن الحديث عن إمكانية إسقاط قنبلة نووية بالطائرة لا يساوي تلقائياً امتلاك القدرة السياسية والعسكرية على تنفيذ ضربة نووية مستقلة. منظومات الأسلحة النووية الحديثة تخضع لإجراءات أمنية وقيادية وتقنية معقدة، ولا يصح اختزالها في فكرة أن “الطائرة تستطيع حمل القنبلة إذن الدولة تستطيع استخدامها”.

لكن حتى لو وضعنا الجانب التقني جانباً ، فإن مجرد طرح هذا السيناريو إعلامياً يحمل دلالة سياسية كبيرة.

لأن السؤال الذي يتم زرعه في وعي الجمهور ليس فقط : ماذا تمتلك تركيا؟ بل : ماذا يمكن أن تفعل تركيا إذا دخلت في مواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة؟

وهذا فارق جوهري.

عندما يبدأ الإعلام في تقديم دولة ما باعتبارها قادرة على الاستيلاء على أسلحة نووية، أو باعتبارها تهديداً محتملاً للقواعد والمصالح الغربية، فإن عملية بناء صورة “الخصم الخطير” تكون قد بدأت بالفعل. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤامرة مركزية أو قرار إسرائيلي بالحرب ، لكنه يعني أن البيئة الإعلامية والسياسية المحيطة بالأزمة أصبحت أكثر استعداداً لتفسير التحركات التركية باعتبارها تهديدًا.

وهنا يجب أن نكون أكثر حذراً في قراءة المشهد.

ليس كل حادث مسيرة عملية إسرائيلية ، وليس كل تقرير عن الخطر التركي تمهيداً لضربة، وليس كل تحرك عسكري في سوريا مقدمة لحرب إقليمية. لكن الخطورة تكمن في تراكم هذه الأحداث فوق بعضها البعض، لأن الأزمات الدولية لا تنفجر دائماً بسبب قرار واحد ، وإنما قد تنفجر بسبب سلسلة من الحسابات الخاطئة، والرسائل المضللة ، وسوء فهم النوايا.

إسرائيل لديها مصلحة في منع ظهور قوة إقليمية قادرة على فرض قواعد جديدة في سوريا. وتركيا لديها مصلحة في منع أي ترتيبات سورية جديدة تتجاهل مصالحها الأمنية والاستراتيجية. وبين هذين الموقفين تقع سوريا، التي تتحول تدريجيًا إلى ساحة اختبار جديدة لموازين القوى في الشرق الأوسط.

أما الحديث عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يريد حرباً مع تركيا بهدف إنقاذ مستقبله السياسي، فهو استنتاج سياسي يحتاج إلى أدلة أكثر مما هو حقيقة يمكن الجزم بها. صحيح أن نتنياهو واجه على مدار سنوات ضغوطاً سياسية وقضائية وانتقادات داخلية، وصحيح أن الحروب يمكن أن تعيد ترتيب المشهد السياسي داخل إسرائيل ، لكن اختزال قرار استراتيجي بحجم مواجهة تركيا في مصلحة سياسية شخصية سيكون تبسيطاً مفرطًا لقرار بالغ التعقيد.

الأكثر واقعية هو القول إن إسرائيل قد ترى في تصاعد النفوذ التركي في سوريا تحدياً استراتيجياً متزايداً ، وإن تركيا بدورها قد تعتبر العمليات الإسرائيلية القريبة من حدودها تجاوزاً لخطوط أمنية حساسة. ومع استمرار الاحتكاك ، يمكن أن تتقلص مساحة المناورة أمام الطرفين تدريجياً.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

فالمشكلة ليست أننا أمام حرب مؤكدة بين إسرائيل وتركيا، بل أننا أمام بيئة يمكن فيها لحادث واحد غير محسوب أن يخلق أزمة أكبر من قدرة الطرفين على السيطرة عليها.

مسيرة مجهولة فوق الأراضي التركية، مقاتلات إسرائيلية تقترب من المجال الجوي التركي ، عملية عسكرية في سوريا من دون تنسيق كاف، تصريحات عن أسلحة نووية، حملات إعلامية تتحدث عن “الخطر التركي”، وتحركات عسكرية متزايدة في منطقة واحدة. كل عنصر بمفرده قد يكون قابلاً للاحتواء، لكن اجتماعها في توقيت واحد يجعل هامش الخطأ أضيق بكثير.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الآن ليس : هل بدأت الحرب بين إسرائيل وتركيا؟

السؤال الأخطر هو: كم أصبح هامش الخطأ بينهما؟

لأن التاريخ العسكري لا يخبرنا فقط عن الحروب التي بدأت بقرارات متعمدة، وإنما أيضاً عن أزمات بدأت بحادثة صغيرة، ثم دخلت في دوامة من الردود المتبادلة، حتى وجد الطرفان نفسيهما أمام واقع لم يكن أي منهما يريد الوصول إليه.

وإذا استمر الاحتكاك في سوريا بهذا الشكل، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يقرر أحد الطرفين الحرب غداً ، وإنما أن يقع حادث واحد يجعل كل طرف يعتقد أن الطرف الآخر هو من بدأها.

عندها فقط قد يتحول ما نراه اليوم من رسائل وتحذيرات ومسيّرات وتحركات جوية وتصعيد إعلامي إلى بداية مرحلة جديدة تماماً في الشرق الأوسط.

والمنطقة، التي لم تخرج أصلًا من تداعيات الحروب والصراعات الأخيرة ، لا تحتاج إلى جبهة جديدة بين قوتين إقليميتين بهذا الحجم. لأن أي مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا لن تبقى بالضرورة محصورة بينهما، بل يمكن أن تمتد تداعياتها إلى سوريا ولبنان والعراق وشرق المتوسط، وتضع الولايات المتحدة وروسيا وحلف الناتو أمام اختبار بالغ التعقيد.

لهذا، فإن أفضل قراءة للمشهد في هذه اللحظة ليست إعلان اقتراب الحرب ، وإنما التحذير من أن قواعد الاشتباك القديمة في المنطقة تتغير بسرعة ، وأن سوريا تحديداً قد تصبح خلال الفترة المقبلة أخطر نقطة تماس بين مشروعين إقليميين متعارضين.

والسؤال الذي يجب أن يظل حاضراً أمامنا ليس من سيربح الحرب، وإنما ما إذا كان الجميع سيتمكن أصلاً من منع اندلاعها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى