ابداعات

خلف هدوءي

الفصل الأول

بقلم: يمنى ربيع 

 

 

 

رائحة الدخان تكاد تُغشي عليه.. 

 

عيناه مُحرمتان، أنفاسه متحشرجة يكاد يسمع صوتها داخل صدره. أعاد إحكام الكمامة فوق وجهة، فلا يخاطر أن تأتيه نوبة ربو أخرى تُبقيه في المشفى ثلاثة أسابيع. 

دار بعينيه خلال الطريق، أطفال يركضون خلف سيارته بمرح في محاولة يائسة لإمساكها، أُناس يُحدقون فيه بعلاماتٍ مُتباينة ما بين الوجوم والحزن. 

قّب أنظاره ناحية السماء، يراها مُلبدة بغيومٍ سوداء تُنذر بأمطارٍ قوية تكاد تهبط فوق رءوسهم، أو بالأحرى رأسه هو فلماذا يأتي لهذا المكان! 

الأرض تُرابية أشبه بالطين والطمي، استدار للنافذة الخلفية يرى الأطفال يسقطون بعد بضع خطوات، عاد بأنظاره للسائق يرى السيارة لا تتحرك بسرعة تزيد عن ثلاثين كيلومتر في الساعة. 

 

اسند ظهره للخلف، يزفر أنفاسه بضيق، فقد أخطأ بإحضاره المرسيدس لهذا المكان. ثالث خطأ ارتكبه اليوم باعتبار أولها هو مجيئة من الأساس وموافقته على تنفيذ الوصية. 

 

شعر بأفاسه تتحشرج أكثر داخل رئتيه، ليُخرج بخاخة الربو من جيب سترته يستنشق منها جرعته قبل أن يُعيد رأسه للخلف، يُغمض عينيه يحاول استشعار الهدوء داخل هذا الجو الخانق ومرضه المقيت. 

* * *                  

أخذته سِنةٌ من النوم، لا يعلم مدتها، غير أن رائحة شواء تخللت أنفيه بنعومة، ليفتح عينيه ببطء على صوت معدته تطالبه بالراحة من صيامٍ قسري مميت. 

 

توقفت السيارة في منطقة خالية من العمران، سوى مبنيين صغيرين لا يتجاوزان ثلاث طوابق وقطعة كبيرة محفورٌ داخلها نقوش الموتى«مقابر». 

 

اخرج اكياسًا محكمة الغلق تشبة في تصنيعها حذاءًا غير أنها بلاستيكية، ارتدى كل واحدة منها فوق حذاءه وهو يهمس:«اتمنى أن تحافظي على نظافة الحذاء حتى أعود» 

 

فُتح باب السيارة بهدوء، ليهبط منها رافعًا رأسه للأعلى بخيلاء، عيناه تثبُتان فوق ثلاثة أشخاص يرتدون ملابس رثة، بلحيةٍ بيضاء مُشعثة، واحذية مملوءة بالطين. 

 

اقترب الثلاثة منه ينحنون أمامهم بوقار، تقدم اوسطهم خطوة يُحرك يديه كما لو ينزع عن رأسيه طاقية ثم ينحني باحترام كما يفعل النبلاء. 

 

ساد الصمت بينهم للحظات قطعها الرجل الأوسط وهو يقول: 

_سيد بشّار، نشكرك كثيرًا على توليك هذه القضية. 

 

أومأ بشار بنعم، يستحق الشكر بالفعل على قطعه كل تلك المسافة، ومعاناته مع الدخان والربو والطين، وأخيرًا فعليه التعامل مع هؤلاء حتى يُنهي القضية بسلام. أوليس هكذا يستحق الشكر؟ 

 

الرجل: نشكرك كثيرًا سيد بشار، أرجوك اتبعنا من هنا. 

 

انهى كلماته وهو يشير صوب بناية قريبة من طابقين اثنين، تقدم الرجل وخلفه بشار يُعيد التفكير، لماذا قبِل هذه القضية بالأساس؟ 

 

* * *        

 

طاولة مستديرة، أربعة أكواب من النبيذ المعتق الفاخر، رائحة بخور تنتشر في الأرجاء، فتاة ترتدي فستانًا أزرقًا يشبه الطاووس، وأخيرّا.. هو. 

 

يجلس على كرسي وأمامه كوب من النبيذ وفي وجهه الرجل الذي تحدث معه خارجًا. دفع كوب النبيذ برفق وهو يشير للفتاة الطاووس بأن تحضر له عصير برتقال، ضحك أحد الرجلين الآخرين _والذي كان له شاربٌ أشعث يكاد يغادر موقعه من فرط جذبه_ بصخب وهو يقول: 

_اعذرني سيد بشار، لو علمنا أنك تحب البرتقال في الصيف لما أحضرنا النبيذ المعتق. 

 

همست الفتاة برفق: اني احتفظ به سيدي من الشتاء الماضي، سيكون مذاقه رائعًا ببعض الإضافات، هل تود تجربته؟ 

 

أومأ بشار بإيجاب، فأي شيء يكون أفضل من ذاك النبيذ غريب الرائحة، اسند يديه على الطاولة بجد وهو يقول: 

_والآن، ما تلك القضية التي أتيت لأجلها؟ 

 

الرجل الأول بابتسامة: بدايةً أُعرفك بنفسي، أنا ألكسندر عارف، حارس المقابر في هذه المنطقة _شفانون_ منذ سنواتٍ طوال، أخذت المهنة بالوراثة كما يقول الناس. 

 

أشار لذو الشارب الأشعث واكمل: هذا راش ونانديه جميعًا ب«الأشعث» 

 

لكمه «راش» بخنق، ليكمل «الكسندر» بعدم اهتمام، بينما يشير للآخر وقد كان أقصر قامة وأنحف بُنيانًا: 

وهذا «راضي» مساعدي في حراسة المقابر، وابن عمي الوحيد. 

 

أشار «راضي» بتحية، ليقطعهم «بشار» يقول: 

_لا أريد تعريفًا، أريد القضية فقط، أرجوكم أنهو هذا الأمر. 

 

توترت نظرات «راضي» ونظر للأسفل، يفرك يديه بتوتر، وقد انكمشت انفاسه حتى ترى وجهه وقد امتلأ بالحمرة. ربّت «الكسندر» على يديه برفق وقال مكملًا حديثه: 

قبل ثلاث سنوات، أتى أناس كانوا من _شفانون_ وقد كانوا تركوها منذ زمن طويل، يريدون دفن فقيدتهم هنا. وافقنا ولم يكن في الأمر مشكلة فهذا يحدث كثيرًا، فما أسرع الأيام سيد بشار، يترك الناس بلادهم ولا يعودون إليها سوى مُحملين فوق الأكتاف، ويُصر الواحد منهم على أن يُدفن في أرض أجداده. 

 

اعاد «الكسندر» ظهره للخلف، يقول بحنين: 

ذهبوا هناك ولا يريدون العودة، غير أنني امتنعت عن ذلك. 

 

نظر ل«بشار» بتأكيد يكمل: لقد رفضت ذلك، لا تنظر إليّ هكذا سيدي، فأنا لا أترك والديّ المريضين خلفي، وما بها مهنة الحراسة؟ 

 

بدأت عينا «اسكندر» وجسده يتخذان وضعية الهجوم وهو يضيف: أريد أن افهم، لماذا هذا التهميش الذي نلقاه في المهنة؟ 

نحن نموت هنا ولا أحد يدري بهذا.. 

 

ضرب «بشار» الطاولة بيده يقطع استرسال الأخير الذي لا يبدو له من نهاية هذه الليلة، ليبتلع الآخر غُصته برفق، ثم قام من مكانه يعتذر واتجه إلى أحد الأبواب واختفى خلفه لبرهة. 

 

في تلك الأثناء، حضرت الفتاة الطاووس، تحمل صينيه مستديرة به كوب ممتلئ حتى حافته بلون غريب بين البرتقالي والأصفر والأزرق. 

وضعت الكوب برفق وهي تقول بفخر: 

_هذه آخر اختراعاتي، أتمنى أن تُعحبك سيد بشار. 

 

نظر بشار للكوب بتأمل ثم قال: ماذا وضعتي فيه؟ 

 

أبرمت الفتاة وجهها وهي تنظر للرجلين الآخرين وتقول: هذه سرّ، لا يعرفه أحد. 

 

ابتسم لها «راش» ابتسامةً لزجة وهو يقول: برتقال ومعه توتٌ بري، وموز. أليس كذلك؟ 

 

اتسعت حدقة الفتاة وهي تقذفه بالصينية وقد وضعت الكوب فوق المنضدة، تصرخ به: كيف عرفت؟ 

هذا سر، لماذا تقوله؟ 

 

ضحك الرجل بخفه، وقال: أنتي تضعين التوت في كل شيء، عزيزتي، لقد قاربتُ أن أسميكِ فتاة التوت. 

 

نظرت إليه بغضب، وسرعان ما اختفت تضرب الأرض بقدميها، وهي تصرخ وتقول: اللعنة عليك «راش» 

 

ابتسم «راش» في اثرها وأشار للسيد بشار: 

_لا تقلق سيدي، على الرغم من وصفاتها الغريبة ولكنه يكون دائمًا لذيذًا جدًا. 

جامله «بشار» وارتشف بضع رشفاتٍ صغيرة، امتعق وجهه وترك الكوب جانبًا، بينما تحرك «راش» وأخذ ينادي على «اسكندر» الذي تأخر في اختفاءه. 

 

* * *  

 

دقائق قليلة مرّت والجميع يُحدق ببعضه،«اسكندر» يضع دفترًا بُني اللون، قديمًا، مهترئًا فوق الطاولة، «راش» ابتعد بكرسيه لا يُسقط نظراته على ذاك الدفتر.« راضي» يُمسك ملابس «اسكندر» بحذر ويده تتحرك في إشاراتٍ غريبة. 

بينما ظل «بشار» ينقل نظراته بينهم وبين الدفتر باهتمام. 

 

اسكندر: من هنا، تبدأ الحكاية سيد بشار. 

 

بشار: أي حكاية؟ 

 

اسكندر: الفتاة التي تحدثتُ عنها سابقًا، هذا دفتر يومياتها، تركه اقرباءها هنا وعثرنا عليه. وهذا سبب مجيئك اليوم سيدي. 

 

بشار باستفهمام: وضِّح أكثر. 

 

اسكندر: اعتذر عن ذلك، ولكن عليك قراءة الدفتر لتفهم كل شيء. 

أشار «اسكندر» للفتاة التوت بالإقتراب، وقال: جهزنا لك غرفة هنا سيدي، ارتح الآن وابقِ الدفتر معك، ونلتقي غدًا ان شاءلله. 

 

أبرم «بشار» وجهه، فلا يريد البقاء هنا الليلة، ولكن لا مفر، فقال بهدوء: والسائق؟ 

 

«راش» وهو يُبعد أنظاره عنهم: لا تقلق، له غرفة أخرى بجوار مرأب السيارات حتى يكون جاهزًا في أي وقت. 

 

أومأ بشار بإيجاب، لينهض اسكندر يتبعه الأول يحمل بين يديه الدفتر، وقد أوطن نيته بانهاء هذا الدفتر الليلة، وينهي القضية غدًا ولا يكون له مكان هنا بعد الآن. 

 

انتبه على نفسه داخل غرفةٍ واسعة، ذات طابعٍ كلاسيكي قديم، بلونٍ بني مختلط بالأحمر. ترك «اسكندر» المفاتيح فوق الطاولة الصغيرة وخرج، بينما تحرك «بشار» سريعًا يتحرر من الكارفته الضيقة، يجلس على الكرسي يُفتح الدفتر يقرأ ما كُتب فيه، وهو لا يُطيق صبرًا ليُنهي القضية، ويغادر هذه القرية الكئيبة، قرية _شفانون_ أي اسمٍ قبيحٍ هذا؟! 

 

* * *     

في الخارج

 

يُمسك «راضي» بملابس «اسكندر» بينما «راش» يهمس بخفوتٍ وغضب: 

_وهل تظن أنه قادر على حل القضية؟ 

إنه شابٌ أرعن، يتمنطق بالحذاء الفسفوري اسفل كيسٍ بلاستيكي، وينظر لنا باستعلاء. هل تراه قادرًا على تحمل دقيقة واحدة مع ذاك الدفتر؟ 

 

اوقفته الفتاة التوت بحدة وهي تقول: 

_لقد أحضره الجد، وكتب هذا في وصيته، ولا دخل لنا بما يحدث بعد الآن

 

توقف «راش» للحظة: كيف لا دخل لنا بما يحدث؟ 

 

اسكندر بخفوت: لقد أُلغي حجز السيارة، ونحن أغلقنا باب المنزل وسيذهب كلٌ منا لعمله، ولا يتحدث أحدكم عن هذا اليوم أبدًا. 

 

«راش» بصدمة: أنت تعلم أنه سيموت، وتتركه؟ 

 

«اسكندر»: لا تقلق «راش» فقد ارسله الجد إلينا، إذًا فلن يموت. 

 

* * *  

 

غرفة «بشار» 

 

فتح الدفتر بهدوء، يُقلب الصفحات الأولى الفارغة بلا اهتمام، حتى توقفت يداه على الكلمات. 

قرأ بهمس خفيف: 

 

«منذ ولادتي وقد ارتبط بي الموت بشكلٍ خفي، لا أدري لماذا غير أن كل من قابلته حتى الآن قد مات. ومازالت تلك اللعنه تحيط بي بعد موتي، فإذا كنت تقرأ هذه الكلمات فاعلم أنه عند انقشاع خيوط الظلام ستكون… ميتًا.

 

الفصل الثاني: 

 

 

«اكتب إليكم رسالتي، وأخط إليكم بأناملي المُختارة خبرًا عظيمًا ستتناقله الأجيال. لا أعلم من سيقرأ كتابي هذا ولا أعطيه أسفًا ولا سخطًا فإني لم أعني بكتابته إلا النجاة… وقد تتحقق بك. 

الخامس عشر من آذار

في ذاك التوقيت أتت جُثتي محمولة فوق الأعناق، ببطءٍ أثار شهيتي للقتل، لا أعلم كيف هذا وقد أضحيتُ حينها مجرد.. جثة.» 

 

 

توقف بشار عن القراءه، قلبه ينبض بعنف يشعر به كمهاجرٍ يريد النجاة، عيناه ذائغتان بغرابة، لا تتوقفان فوق مكانٍ ما حتى ينجذبان بعنف صوب الكتاب. 

سقط من بين يديه بغته وهو يلتقط مفتاح الغرفة يدُسه في الباب بعنف، يريد مغادرة هذا المكان. 

 

صوت ارتطام شديد انتفض لها جسده، التفت للخلف بسرعة يرى النافذة محطمة، الزجاج كله متكسر وأبوابها تترنح كعجوزٍ ثائر وسط طوفانٍ مميت. 

 

حاول التحكم في نبضات قلبه، يخرج بخاخه الربو من جيب سترته، يستنشق منها رويدًا حتى هدأ وجيفه. تركها فوق المنضدة وهو يتحرك تجاة النافذة، يرى الإعصار الهادر خارجًا كاللص الذي اقتحم عليه فكرته، وبقوةٍ تنافس اضطرابه قبل قليل إلتمع داخل عقله ذكرى قديمة، قديمة للحد الذي يتعجب فيه ظهورها اليوم. 

لم يكن سوى صبي أتَّم الخامسة عشر، يقول بحماس أنه سيكون محاميًا فذًا ترتعب لرؤيته القلوب. 

 

ابتعدت الصورة من مخيلته، لتبدأ أخرى يرى فيها نفسه يعهد للجد أن يحل القضية

 

ثم صورة أخرى، يقف بجوار بابٍ يحاول طرقه، بينما يتسرب إلى أذنيه حديثٌ فاتر، اضطرب لها نومه ليالٍ طِوال. 

 

تنفس «بشار» بهدوء، يحافظ على هدرجة أنفاسه اللاهثة في صقيعٍ غريب لم يعهد مثله قوة. شعر بروحه تهدأ، وعقله أثبت، وأقوى على حل قضية تبدو من أولها تلفيق محترف. 

 

وهل تستطيع جثة أن تكتب مذكرات؟! 

 

إذًا، فمهمته الآن أن بعلم من فعل هذا، ولماذا فعل؟ 

 

* * *   

 

يجلس مترنحًا بسكرٍ لا يفارقه منذ مده، يقبض بيديه على سترته التي صُنعت من جلد الماعز، يفرك يديه أمام النار المشتعله بينما يعلو صوته بغناء غير مفهوم

_ يا حلوتى، تعالي إليّ، افتقدكِ يا حلوتي

يا نسيم أيامي، وريحان شبابي، وهياج قلبي 

كيف تمضي الأيام بك بعيدًا عني؟ 

 

توقفت بجانبه خطوات صغيرة، ويدٌ أخرى تُربت فوق معطفه بينما يأتي صوتٌ ساخر: 

_راش؟ لم أعهدك بهذا الشجن من قبل. 

 

نظرت لزجاجات الخمر المقذوفة حوله لتكمل: 

_آهٍ راش المسكين، تعود للسكر وتهذي بعقلك بغناءٍ فلكلوري قديم. 

 

نظر لها «راش» بضع دقائق، قبل أن يتجرع باقي الزجاجة التي يحملها بيده وأكمل: 

_يا حلوتي، يا صغيرتي البعيدة

كيف المقام إليكِ لضّمكِ داخل وجداني؟ 

كيف السبيل للنجاة؟ وكيف المقام إليكِ؟ 

أخبريني صغيرتي… 

 

تأففت الفتاة لتنظر ناحية راضي الذي ظل يُربت بيده على معطف راش، يشاركه نشيجه بحركات يده الصامتة، وتربيته يده الداعمة. 

 

زفرت أنفاسها بخنق وقامت من مجلسها تنظر لبيتٍ غير بعيد، يُقيم فيه «اسكندر». 

سارت إليه بخطواتٍ تكاد تكون مُهرولة، تطرق بابه بعنف، وبمجرد أن فُتِح لها الباب اندفعت تقول بصراخ: 

_عليك نجدة «راش» لقد عاد لسُكرِه من جديد. 

 

تحرك اسكندر من أمامها، يدفعها للداخل، ينظر من فرجه الباب ناحية النار الموقدة، ليعود ثانية للداخل يجلس فوق كرسي المنضدة، يُكمل تناول عشاءه. 

 

حدقت فيه الفتاة برهة باستغراب قبل أن تصرخ: 

_أتأكل يخنة اللحم وصديقك في الخارج سكير؟ 

 

اكمل اسكندر تناول طعامه وهو يقول: 

_أعجبني كثيرًا أن اسماكي فتاة التوت، يبدو مناسبًا جدًا. 

 

_وما دخلي أنا بهذا اسكندر؟ 

أقول لك صديقك يعاني في الخارج، وأنت تأكل هنا باستمتاع؟ 

وما هذه فتاة التوت؟ هل نسيت اسمي اسكندر؟ 

 

_يبدو أنكِ أنتِ من نسيتي كل محاولاتي الماضية لإصلاح راش، وآخر طبيبٍ قال أن راش نفسه لا يريد العلاج، ولهذا لن تُجدي محاولاتنا سُدى، فكُفي من فوق رأسي. 

 

_وأنت؟ 

هل تُصدق كلام الطبيب؟ 

 

التفت لها اسكندر بحدة، ليجذب مرفقها بعنف خلفه، يوقفها في شرفة البيت يشير للبيوت الأخرى المتقاربة وهو يقول: 

_أترين تلك المقابر؟ 

أنا مجرد حارسٍ لها، ولستُ طبيبًا أعرف خبايا البشر، ولا اتقن فنّ العلاج، كل ما افعله في حياتي هو الحفر والدفن، لا أكثر ولا أقل.  

 

صمتت الفتاة لبرهة، تمسح دمعة مرت عبر وجنتيها لتقول: 

_لم أكن اعني ما فهمته

 

ترك اسكندر مرفقها، وقال: 

_اعلم هذا، فأنتِ حمقاء كما عرفتكِ دومًا، ومازلتِ لا تدركين أنه ليس مجرد صديق. 

 

خيّم السكون على المكان إلا من صوت رياحٍ عابرة تضربهم بقسوة كلما عبرت. شدت الفتاة فوق معطفها لتهمس: 

_هل تظنه سينجح؟ 

_من تقصدين؟ 

_بشار.. أعلم أنهما أتى إلا لتنفيذ رغبة الجد. ولكني أريد معرفة رأيك اسكندر، هل تظن؟ 

 

صمت اسكندر، ينظر بعينيه للبيت القديم الذي ترك فيه بشار قبل ساعة واحدة، في عتمة الليل ولا يرى سوى ظلًا يفتح الشرفة القريبة، الشرفة التي خص بها بشار ليظل مراقبًا له من منزله. 

 

ليهمس بخفوت: اتمنى 

* * *  

دخل بشار من الشرفة وقد أصابة صقيع غريب، أغلق الأبواب باحكام، تمدد فوق السرير طلبًا للراحه، خارت قوى جسده، وانهارت حصونه بعد بردٍ شديد كاد أن يُحطم عظامه. وصمت سامحًا للدفء بالتسلل إليه رويدًا بينما ظلت عيناه معلقة على صفحة الكتاب، وبمجرد أن اغلق عينيه انقلب الدفتر كله رأسًا على عقب.. 

 

ضحكات خفيفة خارج الغرفة، طرقات عالية فوق باب غرفته، فتح عينيه ببطء، يعتدل بغير توازن، يفتح باب الغرفة ينظر للطارق ولا يجد أحدًا. 

أغلق الباب بعنف، يجذبه عقله للسرير يكمل نومه، لترتفع الطرقات فوق الباب من جديد، استدار بعنف يفتح الباب، يفكر عقله بأن اسكندر والآخرين قد عادوا، ويبدوا أن لهؤلاء الفلاحين عادات غريبة، ولا يتعلمون احترام الضيوف. 

 

نظر خارج الباب، لا يرى إلا الفراغ يحيط به، نادى بأعلى صوته عليهم عدة مرات بدون رد. 

 

عاد للداخل من جديد وقبل أن يغلق الباب، اشتعل غضبه بصوت ضحكاتٍ عالية تأتي من آخر الممر. 

جذب «بشار» معطفه، يرتديه بعنف وهو يخرج من الغرفة يبحث بعينيه عن صاحب هذا الصوت اللعين. 

فأول ما يكرهه في حياته هو أن يوقظه أحد من النوم. 

 

توقف في آخر الرواق، يبحث عن شيء يشعل به الأنوار، لينفرج النور بغته يملأ المكان من حيث لا يدري. 

 

حدّق في المكان حوله لثوانٍ قبل أن يسقط أرضًا صارخًا بكل قوة، يرى أمام عينيه جُثثًا كثيرة لمحامين كبار عرفهم وتدرب معهم لسنوات. 

جميعهم معلقين من رقابهم «مشنوقين» 

وجثث أخرى بقي منها هيكل عظمي لا يثمن للتعرف على صاحبه. 

 

بينما صوت عالٍ يتردد خلفه 

_هذا ما يحدث عندما تعبث بما منعناك عنه، والآن حان دورك.

 

خلف هدوئي

الفصل الثالث

بقلم: يمنى ربيع

 

 

 

نبضات قلبٍ عالية، أنفاس تخرج كما لو أنها الأخيرة، وعيناه معلقتان فوق الجثث المعلقة. توقف عقله عند مرآها بدون حراك، كيف حدث هذا لهم؟ 

 

سقط جسده أرضًا، ورغم ابتعاد عيناه عن ذاك المشهد إلا أن عقله أبى مغادرتها، وصوت بعيد يأتيه بهمس، أهذا البعد لأنه فعلًا بعيد أم لأنه اختار عدم الاستماع؟ 

صوتٌ هادئ، يُشعره باقتراب افعى من أذنيه، ويقول الصوت: «هذا جزاء من يعبث معنا يا ابن بكّار» 

 

لدغة خفيفة أصابت ساقه، شعر بقدميه تتيبسان ببطء، ثم انتقل الشعور لباقي جسده عدا عيناه التي تصرخان بألم. يحاول الصراخ ولا يُسعفه لسانه، شعر بجسده يُحمل، دار في الهواء بقوة حتى استضدم بالجدار، دمٌ طازج يسيل من رأسه حتى شفتيه، زاغت رؤيته بينما هناك… شيء أسود طويل يقترب منه زاحفًا فوق الأرض، التفت بجسده على «بشار» يُِثبت نظراته عليه وبهمسٍ خافت «هذه فقط البداية» 

 

قبل أن يقضمه بأسنانه داخل رقبه بشار. وآخر شيء ظهر أمامه كان رأس كوبرا منقرضة قبل آلاف السنين. 

 

* * *     

 

استيقظ من نومه بفزع، جسده يتصبب عرقًا بطريقة لم يعهدها من قبل، تدور عيناه في كل مكان يرى نفسه في نفس الغرفة التي تركه فيها اسكندر. 

أزال بشار الغطاء من فوق جسده، يتحسس جسده بوجل يبحث عن لدغات ذاك الثعبان ولكن.. لا أثر. 

 

هل كان يحلم؟ 

نظر حوله برويه يرى إبريقًا من الماء فوق المنضدة الصغيرة بجوار الدفتر المغلق، التقط الماء يرتشفه بسرعة يشعر بجفافٍ شديد يصيبه. 

 

كيف أتى إلى هنا؟ 

 

قام من مكانه بغضب، يشعر أنه داخل لعبة كبيرة وهناك من يحاول الاستهزاء به، علم أنه يحتاج بشده إلى تنفيذ الوصية، ويبدو أنه علم أنها ليست بالأمر الصعب عليّ ويحاول الآن إعاقتي بقوته. 

كل ما حدث بالليل لهو بالتأكيد خدغة، وسيثبت ذلك اللآن. 

 

فتح باب الغرفة، يستعيد بذاكرته الممر وكل الجثث المعلقة، ارتعش جسده لذاك المشهد غير أنه ابتسم بسخرية من قوة احتال ذاك الشخص، نظر للنوافذ وقد تخللها النور تضيء كل شيء ثم تحرك للأمام. 

فإن كل شيء سيكشف هذا اليوم ولن يتحمل يومًا آخر في هذه المهزلة. 

 

توقف عند نهاية الممر، يرى الغرفة الفسيحة التي كانت قبل ساعات قليلة.. فارغة.

لا أثر لمشانيق ولا لجثث معلقة الرقاب وبالتأكيد لايوجد ذاك الثعبان اللعين الذي لدغة. 

 

نظر للشرفة المغلقة باحكام، تقدم إليها وقد خطر لعقله أن هناك.. في تلك الشرفة، أخفى الرجل تلك الاشياء. 

حاول فتح الشرفة بقوة إلا أنها أبت أن تعطيه ما يريد، تملكه الغضب كما لم يحدث من قبل ونظر حوله يبحث عن أي شيء يفتح به الشرفة، حتى وقعت عيناه على عصا حديديه اشبه بمطرقة كبيرة، جذبها إليه رغم ثقلها يضرب بها بكل قوة على أقفال الشرفة، حتى فُتحت على مصراعيها أمامه. 

 

هواء عليل ضرب وجهه بقوة، إلا أن رعشة ضعيفة سرت داخل جسده وشعورٌ خافت بعدم الاطمئنان يحيط به. 

دلف إلى الشرفة يرى زهورًا يابسة، ونيته صبار تكاد تلفظ أنفاسها، نظر للأفق البعيد، يرى مقابر تلك القريى اللعينة. 

قرية «شفانون» اسم لعين لقرية لعينه لا تحمل لصاحبها سوى الغضب، همس لنفسه

«ان كانت القصة التي حاكها اسكندر صحيحة فمن المنطقي أن يهجر الناس هذه اللعنة» 

 

والآن يعود عقله لسؤال واحد: 

_ من الذي يحاول العبث معه؟ 

 

وعند هذه الخاطرة، تذكر اسكندر والآخرين، عليه الحديث معهم بشأن ما حدث الليلة. 

 

ثم استدار يغادر المكان وترك الشرفة تصدر صريرًا من ابوابها كلما اصابها ريحٌ قوى. ولم يلحظ جلدًا بُنيًا مزركشًا ومميزًا لكوبرا قديمة منقرضة أبدلت جلدها قبل أيام. 

 

* * *    

 

انتفض جسده الفتاة بقوة، تلهث انفاسها بغير توقف، نظرت حولها حيث الغرفة التي اعتادت المكوث فيها، ارتشفت القليل من الماء وهي تهمس لنفسها أن ما رأت لم يكن سوى حلم. 

خرجت من الغرفة تترنح، ترى «راش» وقد سقط برأسه فوق المنضده، نظرت للغرفة الأخرى تبحث عن «راضي» لتتوقف وهي تشتم رائحة لذيذة، استدارت تجاة المطبخ ترى «راضي» منهمكًا في اعداد طعامٍ غريب، اقتربت منه تتذوق مما وضع في الطبق بلذاذه وهي تقول: 

_أنت تتفوق عليٍ كثيرًا يا راضي. 

 

ابتسم لها بامتنان وهو يكمل تقطيع حبيبات البطاطس التي أمامه، لتكمل بحزن وقد اخدت طبقًا من البطاطا المقلية: 

_اتمنى كثيرًا لو يعود بنا الزمن فلا نقيم هنا أبدًا.. 

 

تناولت قطعة صغيرة لم تكمل بلعها لتتساقط منها بضع دمعات وهي تقول: 

_كنا جميعًا متعاونين، أنا وأنت، راش، اسكندر، وهو. 

لم اتوقع يومًا أن تفرقنا الحياة هكذا، بهذه القرية اللعينة. 

 

ترك «راضي» قطع البطاطس، وأطفأ النار على الموقد وجلس أرضًا يبكي بحزن. 

انقضت دقائق في نشيجهما المسموع حتى توقفت هي وهي تمسح دموعها بطرف فستانها وهي تقول بامتنان: ما زلت أسمع صوتك داخلي «راضي» 

 

نظر لها بحزن ثم قام يغسل وجهه بالماء الفاتر، ويشعل الموقد من جديد، بينما اقتربت هي منه تقول: أشكرك.. على كل شيء. 

 

فجأة، ارتطم باب المنزل بقوة، انتفض كليهما على ذاك الصوت ليركضا سريعًا يريان اسكندر يلتقط انفاسه بفزع، وقد تساقطت احدى دمعات عينيه وظلت عالقة بين شواربه بدليلٍ واضح على أنه بكى.. وما يبكي اسكندر إلا لأمرٍ جلل. 

 

استيقظ «راش» على ارتطام الباب، يرى اسكندر وتلك الحالة المذرية التي عليها الجميع، ليقول باستفهامٍ ساخر: 

_ماذا يحدث لكم؟ أوكلما غفوت سكرًا استيقظ على بكاء؟ 

 

اضطربت قسمات الفتاة وهي تتساءل بجزع:

_ماذا حدث اسكندر؟ 

 

سقط اسكندر على الأرض، يترك عبراته تهبط بقوة وهو يقول: 

_فُتحت الغرفة المُحرمة

 

* * *  

بينما عند «بشار» كان يقف داخل غرفة كبيرة، تأخذ اللون الأسود في كل شيء، تنفس بهدوء رغم اضطرابٍ غير مبرر يجتاح جسده. 

علم أنه وحده داخل هذا البيت، والسائق غير موجود، والأبواب جميعها مغلقة، وكل أبواب الغرف مفتوحة، عدا هذه الغرفة. 

 

لماذا هذه الغرفة بالذات؟ 

 

ولم يلحظ دخانًا أسود بدأ يتشكل من خلفه كأسدٍ يستعد للإنقضاض.

 

الفصل الرابع

غبارٌ كثيف تجمع في الهواء، صوت مكابح عالية كسرت صمت الهواء. جرى الأربعة للخارج على ذاك الصوت، فما عهدوا مثله في هذه المقابر أو بالأحرى في القرية بأكملها. 

هبط عجوزٌ ثقيل الوزن، ضعيف البنيان، غاضب الوجه مُتقدَ العينين. يقترب منهم بستند بعكازه غير عابءٍ بالطين والطمي الذي افسد بدلته الفاخرة. 

اقترب منه «راش» بسرعة يمد يده يساعده على الوصول غير أنه اشار إليه بالتوقف عنده، توقف بخطواته ناحية «اسكندر» وقبل أن ينطق الأخير بكلمة دوت صفعة فوق وجهه تركت أثرها كعلامة بعد انتهاء الأثر. 

ورغم بنيانه الهزيل إلا أن خيطًا من الدماء سال من جانب ثِغر «اسكندر»، لم ينطق الأخير بكلمة بل عاد بخطواته للوراء يُفسح الطريق للمنزل، وتقدم العجوز بخطواتٍ واثقة يضرب الأرض بقدميه بغضب لا يحاول كبحه. 

* * * 

إلتّف الجميع حول الطاولة، أمام كلٍ منهم عصير ليمون أعدته فتاة التوت غير أنها اليوم آثرت الليمون على شرابها المفضل للتوت التي تصنعه في كل الأوقات. 

بينما تقدم «راضي» يضع طبقًا من الطعام الذي أعده للتو أمام العجوز ليقول «راش» باحترام: 

_سيدي أرجوك، تناول طعامك أولًا وليهدأ الجميع ثم نتحدث. 

ضرب العجوز الطاولة بيده بقوة ارتعشت أكواب العصير، وقال بغضب: 

_هل تدركون فداحة ما فعلتم؟ 

هل قلت لكم أن تتركوه هناك؟ 

استدار برأسه ناحية «اسكندر» يقذف الكوب تجاهه لييصطدم برأس الأخير ويسيل خيطٌ آخر من الدماء، ليكمل العجوز صراخه: 

_هل قلت أن تتركوه في ذاك البيت؟ 

نظر إليه «اسكندر» بوجهٍ غير مفهوم ثم قام من مكانه يخرج من المنزل بأكمله، تاركًا العجوز يصرخ خلفه بلا توقف. 

تحدثت الفتاة بعدم فهم: 

_ما معنى كلامك جدي؟ 

ألست طلبت منا فعل ذلك؟ 

العجوز بغضب وهو بكاد يفقد اعصابه: 

_قلتُ لكم أن تجعلوه يتعلم، أن يتذكر، أن ينسى ما مضى، أن يتم اصلاح كل شيء. 

قلتُ لكم أن تتركوه في بيتٍ قديم، لا أن تتركوه في البيت الملعون. 

تساقطت دمعة من وجه العجوز واكمل بحزن: 

_في محاولتي لتغييره.. فقدته للأبد. 

نظر ثلاثتهم ناحيته بصدمه ليقول راش بعد استيعاب: 

_أنت أمرتنا أن نضعه هناك، أن نتركه ونغلق الأبواب ونرحل، كيف تقول غير ذلك الآن؟ 

نظر «راش» تجاة الاثنين الآخرين لبكمل بعدم تصديق: 

_نحن تركناه في البيت الملعون؟! 

نحن فعلناها به! 

استدار للعجوز وقد تساقطت دمعاته هو الآخر: 

_ لقد وثقنا بك، وقلنا بثقة أنه سينجو من البيت، وأنت تقول أنه قد حدث خطأ؟ 

وقف العجوز على قدميه، أزال دموعًا عالقة بين أهدابه، يضرب بعكازه فوق الأرض بقوة وهو يقول: 

_أحضروا اسكندر، سينتهي كل شيء اليوم. 

دُفع باب البيت بغته، اقترب «اسكندر» يقذف فوق الطاولة العديد من الرسائل، وقال بصراخ: 

_ألست من أمرنا بفعل ذلك؟ 

وقلت لنا لا تقلقوا من شيء سيعود سليمًا معافى؟ 

كيف تتهمنا الآن بالعكس؟ 

احتدت ملامح العجوز وهو يمسك إحدى الرسائل يقلبها بين يديه، اضطربت قسماته وهو يرى توقيعًا غريبًا، ونقشٌ غريب لمفتاحٍ صدأٍ داخل دائرة يسيل منها قطرات دماء. 

ختمٌ غريب، لم يره سوى في مكانٍ واحد.. 

سقط فوق كرسيه بوهن، تجمد وجهه، تثاقلت أنفاسه، زاغت رؤية عينيه، يرى وجه الفتاة يقترب منه بقلق، وأصوات ثقيلة لا تعبر أذنيه ولا يتحسسها بعقله، وقبل أن يُغمض عينيه قال بهمس: 

_لقد استدعاه البيت.. 

* * *   

دموع ثقيلة متحجرة داخل المُقلتين، جسدٌ محمول فوق نقاله معدنية، مُغطى بملاءة بيضاء، يحمله أربع رجال فوق أكتافهم. 

وضعوه برفق داخل السيارة الكبيرة، واقترب أحد منهم رجل يرتدي معطفًا أبيضًا يقول: 

_نحن نشتبه بإصابته بسكتة قلبية، نشكركم على سرعة اتصالكم، هل أنتم أقاربه؟ 

اومئ«اسكندر» بالرفض يقول: 

_كان يريد شراء مقبرة 

تفهم الرجل الآخر وقال وهو يعطي الأخير ورقة تحمل عدة أرقام: 

_هذه جميع أرقام مشفانا، إذا علمتم شيئًا عنه أخبرونا. 

ثم استدار وغادر مع السيارة التي انطلقت سارينتها تصدح داخل الهواء. 

تحدثت الفتاة بخفوت: الآن، ماذا عن بشار؟ 

هل سنتركه؟ 

راش بحزن: بالتأكيد لا، ولكن.. كيف سنفعلها؟ 

لم يخرج أحد من هناك حيًا من قبل.. 

الفتاة بحزن وصراخ: ولكننا دخلنا، وخرجنا أحياء ولم يصبنا أي شيء.. 

نظرت ل«اسكندر» واكملت: لن نتركه هناك أليس كذاك؟ 

صمت الأخير للحظات ثم قال: لقد فُتحت الغرفة الملعونة، وإن كان هنالك سبيل في نجاته فقد اختفت الآن، ولا يمكننا فعل شيء. 

الفتاة بغضب: لن نتركه هناك اسكندر، سنجد طريقة لإخراجه. 

اسكندر بهدوء: لن نستطيع.. 

الفتاة: أنت ضعيف، ولا يأخذ القيادة ضعيف. 

نظر لها اسكندر بعدم فهم لتكمل: من الآن، أنا سأكمل وحدي، ولن أتركه هناك.. 

ثم استدارت تغادر المكان بأكمله، بينما ظل الثلاثة يحدقون في أثرها بذهول، فلم يسبق لها أن فارقت خطاهم يومًا.. 

* * * 

خيم الليل على المكان، هدأت جميع الأصوات إلا من طقطقات نارٍ مشتعله تأكل قطع الخشب بنهم، يجلس «اسكندر» وحيدًا أمامها، يُقلب سمكته داخل النار كل فيئةٍ وأخرى وهو ينظر للأفق البعيد، حيث المنزل الذي بدأ منه كل شيء. 

إنه سيء، قذر، وخسيس

يعلم أن كل هذه الصفات لا تغادره، أضف عليها أنه جبان. جبان بقدر مغادرته وترك صديقه وحده داخل ذاك المنزل، بأنه تخلى عن أصدقاءه وفضّل النجاة بنفسه، بأنه الآن يعمل حارسًا للمقابر هربًا من ذاك الماضي اللعين. 

ضحك بسخرية من نفسه وهو يظن أن بامكانه إصلاح كل شيء، يدفع ببشار داخل المنزل، وينهي ذاك الظلام القديم الذي ما انفك يلاحقه حتى بعدما غادر بلدته وأتى إلى شفانون. 

إنه لعين، ولا يستحق أي قدرٍ من الشفقة.. 

تساقطت دمعاته بصمت وهو يُحدق في الأفق البعيد حيث ذاك المنزل الذي سرق منه كل شيء.. 

* * * 

تسير بمفردها غير عابئةٍ بالظلام الدامس الذي يمنعها حتى من رؤية طريقها، هي تحفظه. 

تحفظ هذا الطريق عن ظهر قلب، بطريقة تجعلها تضحك بسخرية من نفسها وهي تعلم أنها سبب. سبب في كل شيء يحدث الآن.. 

توقفت بغته وقد ارتطم جسدها بصخرة بارزة لا تراها في الظلام، انهمرت دموعها بقهر، تصرخ بكل صوتها علّها تكون في حلم وتنجو من كل هذا لجظة الاستيقاظ. لماذا ساعدتهم فيما حدث؟ 

لماذا كانت يدًا لهم! 

لماذا؟ 

على صوت بكاءها الحاد لعدة دقائق قبل أن تنتفض على صوت أقدام تقترب منها، صرخت بحدة: من هناك؟ 

أتاها الصوت قائلًا: لا تخافي لا تخافي، أنا «راش»   

_راش! ماذا أتى بك إلى هنا؟ 

_لا أترككِ وحدك أبدًا

ابتسمت بحزن: شكرًا لك، ولكن ارحل، أنا سأكمل وحدي

راش بسخرية: وهل تستطيع فتاة التوت أن تفعل شيئًا غير تسميمنا بطعامها؟ 

قذفته بحجرٍ كان بجوارها: اصمت

راش بهدوء: علينا جميعًا أن نتحدث

الفتاة: لقد انتهى الحديث «راش» 

راش بعطف: أرجوكِ، لأجل بشار تعالي وسنجد حلًا

الفتاة: واسكندر؟ ماذا ستفعل معه؟ 

راش: لا تقلقي، سنجد حلًا بالتأكيد، ولكن ليس بمفردك فلن أترككِ تذهبين وحدك. 

أومئت الفتاة بإيجاب وهي تنظر خلفها حيث أضواء البيت الملعون تتوهج بفعل الرياح، إنها خائفة.. اختفت منها جرعات الشجاعة وما عادت تقوى على الاقتراب. فهذه لعنة، من دخل البيت مرة، يُمنع من الاقتراب أخرى.. 

* * *  

بينما عند بشار 

يجلس في شرفة غرفته، يُمسك الدفتر بيده، يُحاول معرفة لغز القضية. يدرك أن كل شيءٍ هنا غريب، ولكن عليه تنفيذ الوصية مهما كان الثمن. 

انغمر في تأمل النقوش المرسومة فوق الدفتر، ولم ينتبه لظلٍ بدأ يتكون خلفه. 

ظل يُمسك سكينًا مُدمى ويقترب منه بهدوء، موجهًا إياها ناحيته بكل ما أوتى من قوة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى