حين تعجز التكنولوجيا أمام الطبيعة.. أزمة مياه تكشف هشاشة الأمن المائي الإسرائيلي

✍️ يوحنا عزمي
أحياناً لا تحتاج الأزمات إلى صاروخ أو قنبلة حتى تكشف لك نقطة ضعف دولة كاملة .. يكفي أن تتغير حركة الطبيعة قليلًا ، وأن تتعرض منظومة شديدة الإعتماد على التكنولوجيا لاختبار مفاجئ ، لتكتشف أن ما يبدو قوة مطلقة قد يخفي وراءه هشاشة كبيرة.
خلال الأيام الماضية ، برزت تقارير إسرائيلية تتحدث عن اضطرابات واسعة في عمل عدد من محطات تحلية مياه البحر على ساحل المتوسط ، بالتزامن مع ارتفاع غير معتاد في مستويات العكارة وظهور كميات كبيرة من الطحالب والكائنات المجهرية في مياه البحر.
والأهم هنا ليس فقط تفاصيل ما حدث، وإنما الدلالة الاستراتيجية التي يمكن قراءتها من وراء هذه الواقعة.
إسرائيل خلال العقود الأخيرة أعادت بناء جزء أساسي من منظومتها للأمن المائي على تحلية مياه البحر، وأصبحت محطات التحلية العملاقة عنصراً محورياً في توفير مياه الشرب والاستخدامات المختلفة، بعدما كانت الدولة تعاني تاريخياً من محدودية الموارد المائية الطبيعية.
هذه المنظومة التكنولوجية الضخمة أعطت إسرائيل ميزة مهمة للغاية، لأنها قللت اعتمادها على مصادر المياه التقليدية، لكنها في الوقت نفسه خلقت نوعاً آخر من الاعتماد ؛ وهو الاعتماد المكثف على منشآت صناعية ضخمة ومركزة جغرافياً ، تعمل وفق ظروف تشغيل دقيقة للغاية.
وهنا ظهرت المشكلة.
عندما تتعرض مياه البحر لارتفاع كبير في العكارة أو لظواهر بيئية غير معتادة، فإن عمليات سحب المياه ومعالجتها تصبح أكثر تعقيداً ، وقد تضطر المحطات إلى تخفيض الإنتاج أو التوقف مؤقتاً لحماية أنظمة المعالجة والأغشية المستخدمة في التحلية.
وتحدثت التقارير المتداولة عن تأثر عدد كبير من محطات التحلية الإسرائيلية بهذه الظروف ، من بينها محطات رئيسية على الساحل ، الأمر الذي تسبب في ضغط على إمدادات المياه ، قبل أن تبدأ محاولات إعادة التشغيل بصورة تدريجية.
لكن اللافت أن المشكلة لم تكن مجرد عطل فني في محطة واحدة يمكن التعامل معه بسهولة ، وإنما بدت مرتبطة بظرف بيئي واسع النطاق يؤثر في المصدر نفسه الذي تعتمد عليه عدة منشآت في الوقت ذاته.
أما الحديث عن أن الطحالب جاءت تحديداً من دلتا النيل في مصر ، فهو يحتاج إلى قدر كبير من الحذر؛ فوجود حركة للمواد العضوية أو الكائنات المجهرية عبر البحر المتوسط أمر يمكن أن يخضع لعوامل بحرية ورياح وتيارات مائية متعددة، وربط الظاهرة بشكل قاطع بمصدر جغرافي واحد يحتاج إلى أدلة علمية واضحة ومستقلة، وليس مجرد تحليل صور أقمار صناعية أو استنتاجات إعلامية.
وهنا تحديداً يجب أن نفصل بين الخبر والتحليل.
الخبر هو أن ظاهرة بحرية غير معتادة يمكن أن تؤثر في كفاءة محطات التحلية.
أما التحليل الأهم فهو : ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الأمن المائي الإسرائيلي؟
الإجابة ببساطة أن أي منظومة أمن قومي تعتمد بصورة كبيرة على بنية تحتية مركزة تصبح معرضة لنوع مختلف من المخاطر، حتى لو كانت هذه المخاطر غير عسكرية.
فالقوة التكنولوجية لا تعني بالضرورة انعدام نقاط الضعف.
بل أحياناً يكون مصدر القوة نفسه هو مصدر الهشاشة.
عندما تعتمد دولة على شبكة ضخمة من محطات التحلية المنتشرة على شريط ساحلي محدود، فإن أي اضطراب بيئي واسع، أو تلوث بحري، أو عاصفة شديدة، أو مشكلة تقنية متزامنة ، يمكن أن يؤثر في أكثر من منشأة في الوقت نفسه.
وهذه ليست مسألة إسرائيلية فقط، وإنما قاعدة عامة في إدارة البنية التحتية الحديثة.
كلما زاد الاعتماد على منظومة مركزية ومعقدة ، زادت أهمية وجود بدائل حقيقية قادرة على العمل في اللحظة التي تتعطل فيها المنظومة الأساسية.
والأمر يصبح أكثر حساسية عندما نتحدث عن الزراعة.
فالزراعة الحديثة لا تحتاج فقط إلى الأرض والبذور والأسمدة، وإنما تحتاج قبل كل شيء إلى إمدادات مياه مستقرة يمكن التنبؤ بها. وأي اضطراب مفاجئ في المياه خلال مراحل النمو الحساسة يمكن أن يتحول سريعاً إلى خسائر اقتصادية ، خصوصاً في المناطق الصحراوية أو شبه الصحراوية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الري الصناعي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر في مناطق الجنوب الإسرائيلي القريبة من الحدود المصرية ، حيث توجد أنشطة زراعية واسعة تعتمد على أنظمة ري متطورة وإمدادات مياه منتظمة.
وبالتالي ، فإن المشكلة لا تتوقف عند فكرة أن “محطة تحلية تعطلت”، وإنما تمتد إلى سؤال أكبر : ماذا يحدث عندما يتزامن انخفاض إنتاج المياه مع احتياجات زراعية مرتفعة؟
هنا تبدأ الأزمة في الانتقال من قطاع المياه إلى أسعار الغذاء ، ثم إلى تكلفة الإنتاج، ثم إلى الأمن الغذائي، وربما إلى الحاجة لتعويض النقص من مصادر أخرى.
وهذا هو الجزء الذي يجب أن يلفت الانتباه فعلًا.
لأن الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين لم يعد مرتبطًا فقط بعدد الطائرات والصواريخ والدبابات، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بالمياه والكهرباء والغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد والقدرة على استمرار عمل البنية التحتية تحت الضغط.
ومن هذه الزاوية ، فإن ما حدث يقدم درساً استراتيجياً مهماً للغاية.
الدولة التي تنجح في التغلب على ندرة المياه بالتكنولوجيا لا تصبح بالضرورة غير معرضة للخطر ، وإنما تنتقل من الاعتماد على الطبيعة إلى الاعتماد على التكنولوجيا.
وهذا الإعتماد له ثمنه ومخاطره.
أما الربط السياسي بين هذه الواقعة وبين الموقف الإسرائيلي من ملف سد النهضة وعلاقات إسرائيل بإثيوبيا، فيحتاج هو الآخر إلى قدر من الموضوعية. فمن السهل جداً أن يتحول المشهد إلى مادة للسخرية السياسية من نوع: “كانوا يريدون تعطيش مصر فأصبحوا هم بلا ماء”.
لكن التحليل الجاد لا يتوقف عند الشماتة.
الدرس الأهم بالنسبة إلى مصر نفسها هو أن ملف المياه لا يحتمل التعامل معه باعتباره مجرد معركة سياسية عابرة، وإنما يجب النظر إليه باعتباره قضية أمن قومي طويلة الأمد ، تتداخل فيها الجغرافيا والسياسة والتكنولوجيا والزراعة والطاقة والاقتصاد.
والأكثر أهمية أن مصر تمتلك ميزة جغرافية لا يمكن تجاهلها : وجود نهر النيل باعتباره المصدر الرئيسي للمياه العذبة، إلى جانب إمكانية تطوير التحلية وإعادة استخدام المياه ومعالجة مياه الصرف الزراعي والصحي، وهي كلها أدوات يجب أن تعمل معًا ضمن استراتيجية واحدة.
في النهاية ، الطبيعة لا تنحاز لأحد.
البحر المتوسط نفسه الذي يمثل مصدرًا هائلًا للمياه المحلاة يمكن أن يتحول، في ظروف معينة ، إلى مصدر ضغط على منظومة التحلية.
وهنا تكمن المفارقة.
أنت قد تمتلك أحدث التكنولوجيا في العالم، لكنك تظل بحاجة إلى منظومة مرنة ، متعددة المصادر ، وقادرة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة.
ولهذا فإن القصة ، إذا صحت تفاصيلها الأساسية ، ليست مجرد أزمة مياه عابرة ولا مناسبة للشماتة السياسية.
إنها تذكير بأن الأمن المائي لا يعني فقط امتلاك الماء ، وإنما امتلاك القدرة على ضمان وصوله حتى عندما تتغير الظروف.
والدول التي تفهم هذه القاعدة مبكراً هي التي تستطيع أن تحمي مستقبلها.
أما الدول التي تتعامل مع المياه باعتبارها أمراً مضموناً إلى الأبد ، فقد تكتشف في لحظة واحدة أن أكثر نقاط قوتها تطوراً يمكن أن تصبح ، تحت ضغط الظروف ، واحدة من أكثر نقاط ضعفها حساسية.



