
لقد طال بي التفكير حول ما تكون الذكريات.
فأسأل نفسي:
هل الذكريات مكان أم شعور؟.
في غرفتي الضيقة، الشمس ترافقني من النافذة، يحتلني القلق.
شتت ثباتي المزيف صوت الرسالة التي كان محتواها: ناجحة.
لم أجد مكانًا يتسع لجناحي من السعادة، رقصت فرحًا، وكأنما غرفتي الضيقة أصبحت قصرًا.
لأن السعادة تسعنا من الداخل مهما كانت الأماكن ضيقة.
ولا أنسى ذلك اليوم الذي قادتني فيه قدماي إلى شجرة النيم القديمة، النامية على طرف القرية.
جلست تحتها مثقلة بجل أحزاني التي لا أستطيع أن أبوح بها، بكيت حينها بكاء المضطر على البكاء؛ فأعود مُفرّغةً منها؛ فأمسى ذلك المكان شفائي.
فبعض الأماكن تختارنا لتداوينا، حتى لو لم نختارها نحن، والأجمل في الأمر أنني وجدت نفسي تسوقني إلى مكان تتسع نفسي لم، ولن أنساه.
وعندما أمر بمدرستي القديمة، أرى الفصول قد أصبحت باهتة، والمقاعد مكسرة، لا أشتاق للطبشيرة، ولا للسبورة، بل أشتاق لي ضحكة صديقتي أثناء الفسحة، وللبهجة التي كانت تسكن صدري.
أحيانًا نتذكر الأماكن لا لأننا نشتاق إليها، وربما لا نشتاق لذاتها، إنما نشتاق إلى شعورنا حيثما كان فيه، فالأماكن تموت، لكن الشعور يعيش فينا.
وفي ذلك الشارع، ألقت لي كلمة كانت بمثابة خنجر غُرز في عقلي، كُسر قلبي فيه كسرًا لا صوت له، لكن كان له وقعًا كبيرًا في داخلي.
كادت ذاكرتي أن تُهلك من ذلك الشعور، ولكني لا أتذكر أين كُسر قلبي، فقط كان شعورًا لا يُنسى.
واليوم أمشي في نفس الشارع، وأنا ضاحكة، نسيت لون الأسفلت، لكني أتذكر الدرس الذي تلقيته فيه.
قاعة كبيرة، جمهور أكبر، تصفيق حار، وفي منتصف التصفيق كانت عيناي تبحثان عن عين واحدة فقط، عين أمي في الصف الأول، ودموع فرحها كانت هي التتويج الحقيقي.
الجمهور يصفق لنجاحي، وأمي تصفق لي أنا.
كانت لحظة تتويج نجاحي مشهدًا لا يفارقني، كشريط يكرر نفسه، وفي كل لحظة تكرار يتكرر شعوري، وكأنما قد تم تتويجي للتو!.
وهذه المدينة!.
ليست لي..
ساقن إليها رزقي، بدت لي غريبة، وباردة، ورغم أنني لم أحفظ ملامحها، ولكني عبرت شوارعها واحدًا تلو الآخر مراتٍ لا تُحصى، وعرفتها كما يُفترض بمن ينتمي إليها أن يعرفها.
ومع ذلك كان شيء ما يربطنا معًا، مسافة لا تُرى، لكنني أشعر بها.
فالانتماء لا يصنعه الوطن، بل يصنعه الزمن، والخطوات التي كانت فيه.
نحن نمر على أماكن كنا فيها بمفردنا، وأخرى ساقنا لها القدر، والشعور، أيام استحالت فيها الأماني، ثم تحققت.
ووجدت الجواب أخيراً.
أنها غالبًا ما تكون أماكن نمر فيها، ممزوجةً بمشاعر من كانوا فيها يومًا معنا.



