حين يقترب الصراع من العصب الحيوي لروسيا

✍️ يوحنا عزمي
المشهد يتشكل كأنه انتقال مدروس للحرب من مسارها التقليدي في الشرق الأوسط إلى نطاق جغرافي أشد حساسية في حسابات القوى الكبرى ، حيث لم تعد الضربات محصورة في مسارح الصراع المعتادة ، بل امتدت إلى فضاء يعتبره الروس جزءاً من أمنهم الحيوي المباشر.
الحديث هنا لم يعد عن تبادل رسائل نارية بين تل أبيب وطهران ، بل عن اختراق مجال كانت روسيا تعتبره تاريخياً منطقة توازن هادئة في بحر قزوين ، وهو ما يفسر حدة اللهجة غير المعتادة الصادرة عن موسكو في توصيفها لما يجري باعتباره تجاوزاً لخطوط لا يجوز الاقتراب منها.
الضربات التي استهدفت منشآت ومرافئ إيرانية على الساحل القزويني لم تُقرأ في الكرملين باعتبارها ضغطاً عسكرياً على إيران فقط ، بل كرسالة استراتيجية تمس شبكة المصالح الروسية الممتدة عبر هذا الحوض المغلق الذي يربط تجارة الحبوب والطاقة ومسارات الإمداد بين موسكو وطهران. فهذه المنطقة لم تكن مجرد مسطح مائي معزول، بل ممر تبادل تقني ولوجستي ارتبط خلال العامين الماضيين بالحرب في أوكرانيا ، حيث اتُهمت طهران بتزويد موسكو بطائرات مسيرة ، فيما حصلت بالمقابل على دعم تقني وعسكري. أي استهداف هناك يُفهم روسياً كمساس مباشر بقدرتها على إدارة صراعها الأوروبي.
تتابع الضربات على مرافئ الجنوب الإيراني على الخليج، وما تخلله من استهدافات نوعية لبنية بحرية وقيادات، نقل الضغط من الإطار العسكري البحت إلى محاولة إنهاك الداخل الإيراني اقتصادياً ونفسياً عبر ضرب حركة الملاحة المدنية والتجارية. هذه النقلة ، في القراءة الروسية ، تعني أن الحرب لم تعد موجهة لتعديل سلوك عسكري إيراني ، بل لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بطهران بالكامل، بما في ذلك تقويض قنواتها مع الحلفاء.
رد الفعل الصادر عن وزارة الخارجية الروسية ، كما عبرت عنه المتحدثة ماريا زاخاروفا ثم وزير الخارجية سيرغي لافروف ، حمل مفردات نادراً ما تُستخدم في توصيف عمليات إسرائيلية. التركيز لم يكن على إدانة أخلاقية بقدر ما كان تحذيراً استراتيجياً : ما يحدث يهدد بتحويل حوض قزوين من منطقة تعاون بين دوله إلى ساحة صراع مسلح، مع دعوة صريحة لدول الحوض مثل كازاخستان وأذربيجان وتركمانستان لاتخاذ موقف. هذه الدعوة تعني أن موسكو تلوّح بإمكانية تدويل الأزمة داخل هذا الفضاء الإقليمي المغلق، لا الاكتفاء بالاحتجاج الدبلوماسي.
في الخلفية ، تدرك موسكو أن فتح جبهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، المدعومة من الولايات المتحدة، يحمل مخاطر تصعيد لا يمكن ضبطها في ظل انخراطها العميق في الجبهة الأوكرانية. لذلك تبدو خيارات الرد الروسية محكومة بفن إدارة الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة : توسيع الدعم الاستخباراتي والتقني لإيران ، تعزيز الحضور البحري والرقابي في قزوين ، تصعيد سياسي عبر تحالفات إقليمية، واستخدام أوراق ضغط غير مباشرة في ساحات أخرى تمس المصالح الغربية.
في المقابل ، يُقرأ السلوك الإسرائيلي باعتباره محاولة لنقل ساحة الاشتباك إلى نقاط حساسة في شبكة علاقات إيران الدولية ، بما يجعل كلفة استمرار طهران في سياساتها أعلى ليس فقط عليها ، بل على حلفائها أيضاً. إنها استراتيجية توسيع الدائرة بحيث يصبح دعم إيران عبئاً استراتيجياً على من يساندها.
المعضلة أن هذا النوع من الضغط المتبادل يخلق بيئة شديدة الهشاشة ؛ فكل طرف يرفع السقف وهو يراهن أن الآخر لن يذهب إلى النهاية. لكن التاريخ يُظهر أن مناطق التماس غير التقليدية ، عندما تُفتح، يصعب ضبط إيقاعها.
هنا لا يدور الحديث عن مضيق بحري مزدحم يمكن احتواؤه دولياً، بل عن حوض مغلق تسيطر عليه دول محددة ، وأي احتكاك عسكري فيه قد يفرض اصطفافات جديدة لم تكن قائمة من قبل.
دول الخليج تراقب هذا التمدد بقلق واضح ، لأن اتساع رقعة المواجهة يعني أن مسارات الطاقة والتجارة والأمن البحري في محيطها ستدخل بدورها في دائرة المخاطر. وإذا تحول قزوين إلى ساحة شد وجذب ، فإن ارتداداته ستصل حتماً إلى الخليج عبر شبكات المصالح المتداخلة.
السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد متعلقاً بكيفية رد طهران وحدها ، بل بقدرة موسكو على استخدام أدوات الردع غير المباشر لمنع انزلاق المشهد إلى مواجهة واسعة. الكرملين يمتلك خبرة طويلة في إدارة صراعات بالوكالة وبالرسائل المشفرة ، لكن اختبار قزوين مختلف لأنه يمس مساحة تعتبرها روسيا جزءاً من عمقها الحيوي. وإذا شعرت موسكو أن هذا العمق يتآكل ، فقد تختار خطوات تصعيدية محسوبة تغير قواعد اللعبة دون إعلان حرب صريحة.
بهذا المعنى ، ما يجري ليس مجرد فصل جديد في صراع إقليمي ، بل بداية تشكل أزمة دولية تتقاطع فيها حسابات الردع بين قوى كبرى على مسرح لم يكن حتى وقت قريب ضمن خرائط الاشتعال التقليدية.



