في سينتينال الشمالية

بقلم – جلال الدين محمد
على أريكة مريحة جلست أمام أبي نُتابع سويًا نشرة الأخبار، ذلك النشاط الذي كان يُزعجني أكثر من أي شيء آخر في العالم خلال طفولتي، فكنت لا أتوقف عن النحيب أملًا في أن يُغير القناة ويُحضر بعض أفلام الكارتون، صار وقتًا عائليًا نعرف من خلاله ماذا يحدث في العالم.
في حالتي الأمر ذهب لمستوى أبعد بقليل. ألم أخبركم بوظيفتي؟! حسنًا أنا أعمل في المكتب الإعلامي لحكومة سينتينال الجنوبية، أحدد الإطار العام للندوات الثقافية، وأقدم الضيوف والمؤتمرات الدولية، وتتم استضافتي في البرامج للحديث عن أسباب تفوقنا على أعدائنا في سينتيال الشمالية.
تخيل معي أنه لا يمكنني التخلص من الأخبار حتى حين أعود لمنزلي، ربما الحوار الوحيد الذي يخلو من الأحداث الجارية هو ذلك الذي أخوضه يوميًا مع والدتي التي تريدني أن أتزوج؛ لكي ترى أحفادها قبل أن تموت.
أذاع رئيس الوزراء البيان الذي كتبته بنفسي قبل مغادرة عملي، والذي قرأ فيه على المواطنيين إعلان السلام مع سينتيال الشمالية، بعد سنوات من الحرب الضروس، وأن دولتنا سوف تِرسل مندوبًا ليوم واحد، لكي يتحدث لأهل الشمال ويعرفهم على منجزاتنا الثقافية التي حرمتهم حكومتهم من الاطلاع عليها، لتحميهم من أكاذيب الأعداء على حد وصفهم.
اعتدل أبي في جلسته استعدادًا لمناقشة ولده الذي يجالس كبار المسؤولين، بينما كان صوت داخلي يتوسل أن يتحدث معي في أي شيء حتى لو كان برامج الأطفال، وفجأة أذاعت المذيعة خبرًا عاجلًا أنه تم تكليفي بمهمة الذهاب إلى سينتيال الشمالية لتوطيد العلاقات مع دولة الجوار بعد عقد السلام.
ربما تعجز كل اللغات التي تحدثها البشر منذ خلق آدم إلى قيام الساعة على صياغة نوع من السباب يمكنني أن أنعت به رئيس الوزراء الذي صافحني بحرارة في اليوم التالي، وهو يعدد الأسباب التي تجعلني مثاليًا لهذه المهمة. أستحق جائزة نوبل في الثبات الانفعالي لعدم صفعي إياه على لغده السمين، تلك الكتلة من الدهون التي قلدوها منصبًا.
لم تكن لدي أي خطة بصراحة للتواصل مع هؤلاء القوم، صحيح أني أعرف عنهم الكثير ولكن توطيد العلاقات في 12 ساعة كيف ذلك؟ من أين أبدأ؟
فرغت محتويات حقيبتي في الخيمة التي نصبوها لي. كانت لديهم عادة أن أي مسؤول عليه أن يمكث في خيمة لستة أشهر ليتواضع مع رعيته، فتعاملوا معي ككبار المسؤولين لديهم من منطلق مساعدتي في التعرف على ثقافتهم، وتحقيق المساواة مع أبناء شعبهم، والكثير من الكلام الذي يسبب الصداع الذي نسمعه ليل نهار في قنوات الأخبار.
كان لدي معطف، وقميص، وفرشاة أسنان، وملابس داخلية، وملابس للنوم، و، ماذا؟ دقيق ذرة، كاكاو خام، سكر للحمية الغذائية! تفاجئت نوعًا ما ولكن بعد لحظات جاءتني الفكرة، ولم تكن سوى مجنونة بالكامل.
على منصة أنيقة، وضع مكبر للصوت، صعدت بخطوات واثقة وأن أحمل حقيبة صغيرة، ووقفت لأجد ألوف من البشر تطالعني بنظرات ما بين الاستهزاء والازدراء والترقب، رسمت نظرة جادة للغاية على ملامحي قبل أن أقول، أريد موقدًا وبعض الأواني.
تبادل القوم نظراتهم في استغراب لكنهم لبوا طلبي على أي حال. أخبرت كبار المسؤولين لديهم بأن عليهم مجاراتي وإلا سوف تعتبر حكومتي الأمر دلالة على عدم الاحترام، ونحن في بداية عملية سلام دافيء بعد عقود من الحروب، يجب ألا نسمح لأي شيء بالتأثير عليه حماية للأجيال القادمة.
ربما الجدية التي تحدثت بها جعلتهم يستجيبون، وهكذا وقف عشر رجال بالغين خلفي وأنا أخلط دقيق الذرة مع الحليب والسكر والخل الذي أحضروه لي بديلًا عن الفانيليا التي لا يعرفونها، وأحضروا الزبدة لأستخدمها في المكونات، وهكذا بعد ثلاث ساعات أصبحت لدي كعكة شوكولاته مصنوعة بدقيق الذرة، للمرة الأولى لم تحترق من الأسفل وكان هذا لحسن حظي.
حملت الصينية ووقفت أمام الجموع قائلًا، اليوم نحتفل بالسلام معًا، والقوم اللذين يجتمعون على الطعام لا تكون بينهم عداوة ولا حرب، بيدي خبزت لأخوتي من حكومتكم الرائعة حلوى السلام، وفي إناء واحد سوف نتناولها معًا ليكون رباطًا لا ينقطع بين سينتينال الشمالية والجنوبية. باسم كعكعة السلام.
وفي صوت واحد هتف ألوف الأشخاص في حماس، كعكة السلام، كعكة السلام، كعكة السلام. وتم حملي على الأعناق لأجوب ربوع دولتهم وأقوم بتعليم الطهاة لديهم تفاصيل الوصفة، وحصلت على الكثير من الهدايا لأعود بعد اثنتي عشرة ساعة كبطل مظفر إلى سينتينال الجنوبية.
افكر الآن في تأليف كتاب عن السلام والألفة بين الشعوب. ما رأيكم باسم أثر الكعكة؟



