بحر البقر

بقلم – جلال الدين محمد
– أين الفطور أيتها المرأة؟ تأخرت وعلي الذهاب إلى أرضي.
– وهل سيخصم لك البرسيم يومين على غيابك يا أبا محمد؟ ذهاب الولد إلى المدرسة أهم، حين أنتهي من تجهيزه، أعد لك فطورًا.
– هل جُننتي؟ كيف تردين على زوجك بهذه الطريقة؟ وهل أصبحت الأرض الآن سيئة؟ ألا تأكلين وتشربين كل يوم من خيرها؟!
– أن يصبح ولدنا موظفًا مرموقًا مثل خاله خير له من أن يضيع عمره في تلك الأرض.
– فهمت الآن هي وقاحاتك اليومية إذن، المعاييرة بأخيكي الحاصل على الابتدائية، والذي يعمل موظفًا، لا يصح أن يقارن بزوجك الفلاح الجاهل. أقسم بالطلاق منكي أن الولد لن يذهب للمدرسة اليوم، وكلمة أخرى سأحطم رأسك قبل أن أطردك من هذا البيت.
يا محمد! صاح أبي بصوت أخافني كثيرًا، حيث لاحظت الشرر يخرج من عينيه.
بدل ملابسك وأحضر الحمار والفأس ستأتي معي إلى الأرض اليوم.
لم أكن أريد الذهاب للمدرسة في هذا اليوم صراحة؛ لأني لم أقم بإنهاء واجب الحساب، لا أفهم القسمة المطولة، أكرهها حتى يومنا هذا، فوجدت مهربًا من عقاب المعلم “كمال” أن ألهو حول أبي في الأرض، هو لا يجعلني أفعل أي شيء حين أذهب معه، فقط أقضي وقتي في اللعب، بينما ينقسم ظهره طوال اليوم لرعاية الزرعة.
كنت أبتسم وأنا أرى زملائي متجهين للمدرسة، بينما نجوت أنا من القسمة المطولة. ألتفت أبي إلي في حزم وقال: إياك أن تعتد على ذلك، أريدك رئيسًا للجمهورية مثل “عبد الناصر”؛ لذلك لابد أن تتعلم.
ربط أبي الحمار في المكان المعتاد، وبدأ عمله بعد أن قال لي ألا أبتعد عن ناظريه وأنا ألعب. هرولت حوله بينما أدندن بعد الأغاني التي كانت شائعة في قريتنا خلال الأعراس، وصعدت على شجرة التين. كنت أحب مراقبة الطيور من فوقها. كم هي حرة وهي تُحلق لتذهب للمكان الذي تريد.
وفجأة أنشقت السماء عن طائرات، كانت تُحلق في تناغم لفت انتباهي. لم يكن من المعتاد أن تمر طائرة من فوق سماء قريتنا؛ لذلك كنت أركض خلف أي طائرة أراها وأقوم بالتلويح لها. لطالما حسدت راكبيها على وجودهم بين السحاب.
إلا أن هذه الطائرات كانت مختلفة، عددها، وسرعتها، وارتفاعها المنخفض جعلوني أشعر بعدم ارتياح. سرت قشعريرة في جسدي لدى رؤيتها. وكأنها طيور من جهنم يركبها مردة من الجن وليس البشر.
كل ما سمعته بعد ذلك كان دوي عنيف، وبعد فترة قصيرة كان هناك صراخ لا ينقطع ولا أذكر أني سمعت مثله، أو شعرت بما فيه من مرارة وحرقه وشعور بالعجز والغضب.
أتذكر أن أبي صرخ من قلبه باسمي بحثًا عني، وحين أبصرني ابتسم في لهفة وهربت الدموع من عينيه، ثم عاناقني بطريقة لا يمكن أن أنساها. قبلني من رأسي ويدي وخدي وحتى قدمي، ثم حملني وركض على البيت حافيًا.
وحين رأتنا أمي صاحت قائلة: ابني، وفعلت فعل أبي عانقتني وقبلت كل جزء من جسدي. خرجت مع أبي لموضع الصوت الرهيب الذي سمعت وهناك أدركت ما حدث، وما لا يمكن أن يُمحى من ذاكرتي ولو عشت ألف عام.
كان أبو السيد جارنا الذي اعتدت اللهو من ابنه، زميلي في المقعد الدراسي يصرخ في مرارة وهو يقول ماذا فعل لكم عمره سبع سنوات؟ الله يلعنكم، ماذا فعل لكم. وهناك امرأة عمي التي رزقها الله بشقيقتي في الرضاعة “فتحية” وهي تشق ثيابها وتقول: يارب انتظرتها خمس سنوات يارب.
وعلى مرمى البصر، جاء رجال القرية بالجرارات لمحاولة نقل من بقى فيه نفس من الصغار والمعلمين إلى الوحدة الصحية، وذلك الرجل الذي كان يضرب الحجر ويحفر فيه بيديه العاريتين وهو يصرخ باسم نجله.
جذبتني جدتي من يدي وقالت تعالى يا محمد، وعادت بي للمنزل، حيث كانت تجالس صغار العائلة في الوقت الذي انشغل فيه رجال ونساء العائلة بالميتم المفتوح في كل بيت من القرية.
أذاع الراديو الكلمات التالية، التي فتحت جرحًا عميقًا في مصر كلها: “أيها الإخوة المواطنون جاءنا البيان التالي. أقدم العدو في تمام الساعة التاسعة وعشرين دقيقة على جريمة جديدة تفوق حد التصور، عندما أغار بطائراته الفانتوم الأمريكية على مدرسة بحر البقر الابتدائية المشتركة بمحافظة الشرقية، وسقط الأطفال بين سن السادسة والثانية عشر تحت جحيم من النيران”.
شاب شعري، وأنجبت البنين والبنات، رحل أبي وأمي، وحتى أخي، صار بيني وبين تلك الذكرى عقود وعقود، عشت النصر ورقصت في الشوارع، ورأيت عمي يحمل ولده الذي أذاقهم الويلات في سلاح المهندسين على ظهره. ولكن كيف لجرح مثل هذا أن يُنسى.
الجرح الذي أبصرت عيني مثله في غزة ولبنان، والذي بسببه كانت تسري في نفسي قشعريرة كلما خرج أولادي للمدرسة، وحتى اليوم مع أحفادي، لن يُشفى سوى بزوال عدوي من الوجود.



