كيف بدأ العالم يفك ارتباطه بالنظام المالي الأمريكي في لحظة تضخم الديون التاريخية

✍️ يوحنا عزمي
ما يحدث في الاقتصاد الأمريكي حالياً ليس مجرد أرقام ديون مرتفعة أو عجز مالي تقليدي اعتاد العالم أن يراه من واشنطن كل عدة سنوات ، بل هو تحول أعمق يمس جوهر المنظومة التي بُنيت عليها الهيمنة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
للمرة الأولى منذ ذلك التاريخ ، يتجاوز حجم الدين العام الأمريكي قيمة الاقتصاد نفسه ، وهذه ليست مجرد مفارقة محاسبية ، بل إشارة مقلقة على أن الركيزة التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة لعقود ـ وهي ثقة العالم المطلقة في نظامها المالي ـ بدأت تتعرض لاختبار حقيقي.
الخطورة لا تكمن في الرقم وحده، فواشنطن اعتادت العيش بالدين، وطباعة النقود، وتمويل عجزها عبر بيع السندات بثقة شبه مضمونة من المستثمرين والدول. لكن المختلف الآن أن هذا يحدث في لحظة بدأت فيها دول حليفة تاريخيًا تعيد التفكير بهدوء في مدى اعتمادها الكامل على الاقتصاد الأمريكي، وتبحث عن طرق لفك هذا الإرتباط تدريجياً دون صدام مباشر.
في هذا السياق ، جاء الإعلان الكندي عن إنشاء صندوق سيادي ضخم لتمويل البنية التحتية وتقليل الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة كرسالة سياسية بقدر ما هو قرار اقتصادي.
كندا ليست دولة بعيدة عن واشنطن أو هامشية في علاقاتها معها، بل هي من أكثر الاقتصادات اندماجاً مع الإقتصاد الأمريكي في التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمارات.
لذلك فإن صدور هذا التوجه من أوتاوا يعني أن المسألة لم تعد مجرد تنويع اقتصادي تقليدي، بل إعادة تموضع استراتيجي محسوب من دولة تعرف جيدًا كيف يعمل النظام المالي الغربي من الداخل ، ويدرك قادتها أن الاعتماد المطلق على واشنطن بات يحمل درجة من المخاطرة لم تكن موجودة سابقاً.
المشهد لم يتوقف عند كندا. الخطوة الفرنسية بسحب آخر ما تبقى من ذهبها المخزن داخل الولايات المتحدة جاءت أكثر دلالة. فالذهب المخزن في نيويورك لعقود لم يكن مجرد احتياطي ، بل كان تعبيراً عن الثقة في أن الولايات المتحدة هي الخزنة الأكثر أمانًا في العالم. قرار باريس باسترداد هذا الذهب ، ثم إعادة تدويره وبيعه وشراء سبائك حديثة وتخزينها داخل الأراضي الفرنسية ، يعكس تحولًا في التفكير : الأفضل أن يكون الأصل الاستراتيجي داخل السيادة الوطنية لا في خزائن دولة أخرى مهما كانت حليفة.
التوقيت هنا بالغ الأهمية. آخر مرة تحركت فيها فرنسا بهذا الاتجاه كانت قبيل انهيار النظام النقدي العالمي الذي كان يربط الدولار بالذهب ، وهو النظام الذي منح العملة الأمريكية سيادتها لعقود. لذلك يصعب النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مجرد تحديث تقني لاحتياطات الذهب. خاصة أن دولًا أوروبية أخرى سلكت المسار نفسه خلال السنوات الأخيرة ، بهدوء ومن دون ضجيج إعلامي، مستعيدة أجزاء كبيرة من ذهبها المخزن في الخارج.
السؤال الجوهري الذي يفسر هذه التحركات ليس اقتصادياً بحتاً ، بل يتعلق بالثقة. النظام المالي الذي صنعته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية منحها قدرة غير مسبوقة على الاقتراض والإنفاق بلا سقف تقريباً ، لأن العالم كله كان يعتبر السندات الأمريكية الملاذ الأكثر أماناً ، والدولار العملة التي لا بديل لها، ونيويورك مركز الأمان المالي. لكن خلال العقد الأخير ، بدأت واشنطن تستخدم هذا النظام كسلاح سياسي : عقوبات ، تجميد أصول ، حصار بنوك ، تقييد تحويلات ، وضغط مالي مباشر على خصومها.
هذا الاستخدام خلق سؤالًا جديداً في أذهان كثير من الدول، حتى الحليفة: ماذا لو اختلفنا يومًا ما مع واشنطن؟ هل يمكن أن يتحول النظام المالي نفسه إلى أداة ضغط ضدنا؟ ومع تصاعد الخلافات السياسية والتجارية بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، وفرض تعريفات جمركية ، وتوترات داخل التحالفات التقليدية، أصبح هذا السؤال أكثر واقعية من أي وقت مضى.
نتيجة لذلك ، لم يبدأ العالم في البحث عن بديل فوري للدولار، بل بدأ في تقليل درجة الارتهان له. وهذا ما يفسر التراجع التدريجي في نسبة الدولار داخل الاحتياطيات العالمية. ما زالت العملة الأمريكية في الصدارة ، لكن الاتجاه العام لم يعد كما كان قبل عقدين. التغيير بطيء ، لكنه مستمر.
كل ذلك يحدث بينما تواجه الولايات المتحدة وضعاً مالياً هو الأصعب منذ عقود. الدين العام يرتفع بمعدلات متسارعة، وتكاليف خدمته ترتفع مع ارتفاع أسعار الفائدة ، والتخفيضات الضريبية أضافت أعباء ضخمة على الموازنة، والإيرادات المتوقعة من الرسوم الجمركية تراجعت بعد قرارات قضائية ألغت جزءًا منها. هذا يعني أن واشنطن تحتاج اليوم إلى أن يواصل العالم شراء ديونها وثقته فيها أكثر من أي وقت مضى ، في نفس اللحظة التي بدأ فيها هذا العالم يبحث بهدوء عن تقليل اعتماده عليها.
المفارقة هنا شديدة الدلالة. الإمبراطوريات العسكرية يمكن أن تستمر بالقوة الصلبة لفترات طويلة ، لكن الإمبراطوريات المالية تقوم على عنصر لا يمكن فرضه بالقوة: الثقة. ما بُني خلال سبعين عامًا من الثقة العالمية المطلقة في النظام المالي الأمريكي ، بدأ يواجه تآكلًا تدريجياً ليس بسبب انهيار مفاجئ ، بل بسبب قرارات سياسية واستراتيجية دفعت الآخرين لإعادة حساباتهم.
لا يعني ذلك أن الدولار على وشك الانهيار ، ولا أن الولايات المتحدة فقدت مكانتها ، لكن الاتجاهات تشير إلى أن النظام الذي حكم الاقتصاد العالمي منذ منتصف القرن الماضي لم يعد بنفس الصلابة.
ما يحدث ليس أزمة لحظية ، بل إعادة تشكيل بطيئة لموازين الاعتماد والثقة ، تجري بهدوء وعلى مدى سنوات ، لكنها تحمل آثارًا عميقة على شكل الاقتصاد العالمي في المستقبل.



