ابداعات

“ملاك” 

 

لجين سامح 

 

لا أعلم بماذا أبدأ حديثي، أبحياة الشارع، أم أمي، أم عني أنا..

هل ابدأ إذًا بالطعام أم الرائحة، أم الضرب، أم الاعتداء المتكرر؟ 

 

حسن يا آنستي سأبدأ بالطعام..

كفتاة وحيدة في عرض الشارع، لا تملك سوى ردائها البالي الذي عليها، وأمًا تقف على ناصية الطريق ” حاجة لله يابيه، حاجة لله يا أبلة.. يوفقك ويرزقك ومن نعمه ما يحرمك..” 

 

وأنت تعلمين يا عزيزتي كيف تتباين الدعوات باختلاف الهيئات والأشخاص.

 

وكيف أجلس أنا على ورق كرتون، وأنا أنظر لكل الفتيات في أعماري وهن يمسكن بأيدي أباءهن..

أتناول بعض ما يعطيه إياي المارة، تارة لحمًا، تارة خبزا، وأحيانًا أخرى بلا طعام..

أعيش حياتي على أموال المحسنين أمثالك آنستي.

 

دعكِ من الطعام..

ودعيني أتحدث عني، عن دموعي التي جفت من البكاء، عن والدتي التي تأخذني حجة من أجل الأموال، عن الاعتداء الذي يعمي عيون الناس حولي، فحين يرون.. فتاة مثلي، يغضضن أبصارهن ويمضين

ذهبت آلاف المرات إلى كل الجمعيات، المساجد، وحتى الكنائس، لكن أمي كانت تعيدني مدرارًا إلى الشارع، لا تلبث في عمل مقدار يوم واحد، كانت تراني مجرد أداة لجذب المال..

 

ذات يوم أسررت لها بما في نفسي :” أريد أن أتعلم مثل تلك الفتيات اللاتي يذهبن إلى المدرسة كل يوم..” 

حينها نظرت إلي شذرًا، ” ليس معي مال..” 

 

بينما المال يخرج لي لسانه من حقيبتها المهترئة 

” لكن المال متكدس في حقيبتك..”

 

” أتظنين أنك ابنة ناس؟ إنت فتاة شارع، ستعيشين عمرك هنا.. ثم تموتين على الطرق مثل أبيك ال..”

ونلت ما لم ينله أحد من الشتائم.

 

ذات ليلة سرقت.. سرقت من فتاة كتاب، وعلمت نفسي الكتابة والقراءة..

كنت أهرب منها وأكتب على الجدران، أوراق القمامة، والأرضية ببعض الطباشير..

أو ما تناله يداي

وحين علمت لم أنل سوى الشتائم..

“تسرقين كتابّا يا ابنة ال.. أتظنين أنك محترمة يحق لكِ العلام، لا تنسين نفسكِ أنت مجرد أداة لجلب المال، انتظري فقط لحظة يشتد عودكِ وستعلمين بحق ما هي حياة الشارع.”

 

انهمرت الدموع من عيني، وشعرت بوخز يتصاعد في حلقي، رتبت الآنسة على كتفي وأعطتني المناديل، وبعض الماء..

خرج صوتها نقيًا هادئّا حنونًا:” ارتاحي الآن ونكمل غدًا يا عزيزتي..” 

وغفوت على كرسي جوار النافذة، وهي تجلب الشاي .

 

يتبع..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى