مقالات

يوحنا عزمي يكتب : كيف أجبرت إيران واشنطن على التراجع .. سقوط الهيمنة الأمريكية في إختبار الشرق الأوسط

✍️ يوحنا عزمي

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بقراءة حجم الترسانة العسكرية الأمريكية وقدرتها على فرض إرادتها في أي بقعة جغرافية على سطح الأرض، تبدو هناك زاوية أكثر خطورة يتجاهلها كثيرون، وهي التصدعات السياسية العميقة التي بدأت تضرب بنية القرار الأمريكي نفسه. فالمسألة لم تعد مرتبطة بمن يمتلك السلاح الأقوى، بل بمن يستطيع فرض معادلات جديدة تعجز القوة العسكرية وحدها عن كسرها، وهذا تحديدا ما كشفت عنه المواجهة الأخيرة مع إيران، والتي وضعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مأزق سياسي غير مسبوق.

ما جرى في منطقة الخليج، وتحديداً في محيط مضيق هرمز، لم يكن مجرد توتر عسكري عابر كما حاولت بعض الآلات الإعلامية تصويره، بل كان اختباراً حقيقيا لمدى قدرة الولايات المتحدة على ترجمة تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية على الأرض. غير أن ما حدث جاء معاكس تماماً ، حيث بدأت موازين المشهد تميل بصورة غير متوقعة، وكأن أحجار الدومينو التي اعتادت واشنطن تحريكها لعقود بدأت تتساقط هذه المرة في الاتجاه المعاكس.

بعيدا عن خطاب التحريض التقليدي الذي اعتاد صناعة الأعداء وتوجيه الرأي العام وفق حسابات سياسية مسبقة ، تبدو الحقيقة أكثر وضوحا من أي وقت مضى ، فالرئيس الأمريكي وجد نفسه محاصرا أمام صمود إيراني نجح في تغيير إيقاع المواجهة ، وأعاد رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط على أساس جديد قائم على البراغماتية السياسية الباردة، لا على حسابات الهيمنة المطلقة التي طالما اعتمدت عليها الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

اللافت أن المشهد هذه المرة لم يكن شبيها بأي مواجهة سابقة خاضتها الولايات المتحدة في مناطق أخرى من العالم. فالمنطقة الخليجية ليست ساحة مفتوحة يمكن إدارتها بمنطق الاستعراض العسكري فقط ، لأن التعقيدات الجيوسياسية هنا تجعل أي قرار بالحرب مكلفا إلى حدود غير مسبوقة. وهذا ما انعكس بوضوح داخل الولايات المتحدة نفسها، عندما تحرك الكونغرس للتصويت على قرار يقيد صلاحيات الرئيس ويمنعه من العودة إلى أي مواجهة عسكرية جديدة دون موافقة مسبقة ، في مشهد يعكس حجم القلق والانقسام الداخلي تجاه سياسات ترامب الخارجية.

ورغم أن النظام السياسي الأمريكي يمنح الرئيس هامشاً واسعاً للمناورة والالتفاف على بعض القيود الدستورية، فإن مجرد وصول الأمور إلى مرحلة اضطرار الكونغرس للتدخل بهذه الصورة يكشف أن المؤسسة السياسية الأمريكية نفسها بدأت تشعر بأن البلاد اقتربت من مواجهة غير محسوبة النتائج.

صحيح أن المنطق العسكري التقليدي يقول إن الولايات المتحدة لا تزال القوة الأكبر عالمياً، سواء من حيث حجم الجيش أو قدرات التسليح أو التكنولوجيا العسكرية المتطورة ، لكن ما حدث أثبت أن التفوق العسكري وحده لا يضمن تحقيق الانتصار السياسي. فداخل المجتمع الأمريكي نفسه ارتفعت أصوات نواب وشيوخ وحكام ولايات وشخصيات عامة وفنانين وإعلاميين، جميعهم تحدثوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن فشل الإدارة الأمريكية في تحقيق أهدافها، معتبرين أن ما حدث يمثل انتكاسة سياسية وعسكرية لواشنطن.

في المقابل، بدا جزء من الرأي العام العربي وكأنه يقرأ المشهد من زاوية مختلفة تماما ، إذ ما زالت قطاعات واسعة تتعامل مع إيران باعتبارها العدو الأول في المنطقة، نتيجة عقود طويلة من التعبئة الإعلامية التي كرست هذا التصور، في وقت تجاهلت فيه حقيقة أن إيران، رغم العقوبات والحصار والعزلة الدولية، نجحت في بناء منظومة سياسية وعسكرية استطاعت الصمود أمام واحدة من أعقد المواجهات الدولية.

القراءة السياسية للمشهد لا تعني بالضرورة الاتفاق مع السياسات الإيرانية أو تبني مواقفها العقائدية أو المذهبية، فالنقاش هنا لا يتعلق بالخلافات الدينية ولا بالصراعات الفكرية، وإنما بتحليل موازين القوة والقدرة على إدارة الصراع وفق حسابات واقعية. ومن هذه الزاوية تحديدا، تبدو الولايات المتحدة وكأنها خرجت من هذه الجولة بخسائر سياسية واضحة ، بينما نجحت طهران في فرض صورة الدولة القادرة على الصمود وامتصاص الضغوط والرد بطريقة أربكت الحسابات الأمريكية بالكامل.

الأمر الأكثر أهمية هو التحولات التي ظهرت في مواقف عدد من القوى الإقليمية الكبرى. فالموقف السعودي، على سبيل المثال ، حمل مؤشرات لافتة بعد رفض الإنخراط في أي مواجهة مباشرة إلى جانب واشنطن ، وهو ما اعتبره كثيرون تحولا سياسيا مهما يعكس قراءة مختلفة للمشهد الإقليمي. كما ظهرت مواقف مشابهة من دول أخرى مثل قطر وسلطنة عمان وباكستان وتركيا ، وكلها بدت أكثر حذرا في التعامل مع التصعيد الأمريكي.

وفي واحدة من أكثر الرسائل السياسية وضوحاً، كشفت المفاوضات التي جرت في سويسرا عن إصرار الوفد الإيراني على رفض المصافحة أو التقاط الصور الرسمية مع الوفد الأمريكي، في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، وتؤكد أن طهران أرادت توجيه رسالة واضحة بأنها تتعامل من موقع الندية ، وليس من موقع الطرف الذي جاء لتقديم تنازلات.

المشهد لا يتوقف عند حدود إيران والولايات المتحدة فقط ، بل يمتد إلى إسرائيل ، حيث تشير المؤشرات إلى حالة غضب متصاعدة داخل حكومة بنيامين نتنياهو، في ظل إدراك متزايد بأن النتائج لم تأت كما كانت تل أبيب تأمل. كذلك فإن كثيرا من التقديرات التي تحدثت سابقا عن تراجع نفوذ حلفاء إيران في المنطقة بدأت تتعرض لمراجعات جدية ، بعدما أثبتت التطورات الأخيرة أن حسابات الميدان تختلف كثيراً عن التوقعات الإعلامية المسبقة.

أما الرهانات التي تحدثت عن إمكانية انضمام أطراف إقليمية جديدة إلى معسكر المواجهة ضد حلفاء طهران، فقد تعرضت بدورها لانتكاسة ، بعدما أثبتت الوقائع أن الاصطفافات السياسية في المنطقة أكثر تعقيدا بكثير مما تصور البعض.

في النهاية، تكشف هذه الأزمة مرة أخرى أن التحليل السياسي الحقيقي لا يقوم على الانفعال أو الاصطفاف الأيديولوجي أو حملات المديح والهجوم، بل يعتمد على قراءة دقيقة للوقائع وربط الأحداث بمآلاتها المستقبلية. وما يبدو واضحا اليوم هو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل واسعة، مرحلة قد تحمل تغيرات استراتيجية عميقة، لن تكون بالضرورة في صالح واشنطن أو إسرائيل، بل ربما تفتح الباب أمام واقع إقليمي جديد يعيد توزيع موازين القوة بصورة لم تكن متوقعة قبل سنوات قليلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى