ابداعات

ولكني تعلمت

✍️بقلم/ انتصار عمار 

علمتني أمي حرية الاختيار بين شيئين، كفستانين أحدهما أخضر، والآخر أزرق، لكنها لم تخبرني أنه ليس من حقي أي خيار آخر بهذه الحياة.

كما علمتني أن الحياة تحمل لونين فقط؛ الأبيض، والأسود، ولكني قرأت في عيون البشر الألف لون الآخرين.

 

 علمتني شاشات التلفاز أن اللص هو من يقفز هربًا من البلكون، حينما يسرق البيوت، وعلمتنى الحياة أن الأحلام هي الأخرى تقفز كثيرًا من نافذة الأمنيات، لتسقط أرضًا على سطح بارد، فتموت.

لكنها لم تخبرني أن هناك سرقة كبرى، أقوى من سرقة المال، والأثاث، ألا وهي؛ سرقة القلوب، حينما يسرق أحدهم قلبك خلسة، بنظرات سهم مسموم. 

علمتني أمي أن الصديق هو الصاحب الوحيد المخلص، الذي تهديه إليّ الحياة، ولكني تعلمت أن أصاحب الوجع، وأسير معه بدرب الأسى، وأعبر فوق هضاب الألم، حتى تتساقط حروفي على مجرة الأنين.

وعلمتني الطفولة، أن أرسم أملًا في عيون الغد، يشرق كل صباح، يتراقص مع زخات مطر كل عام، لكنها لم تخبرني كيف تموت الضحكات في فصل الحرمان، وكيف أواري دمعي بين الجدران!

 

علمتني معلمتي أن القراءة هي غذاء الروح، وأن الكتب فيها حياة، ولكنها لم تخبرني كيف لي أن أجد مسكنًا داخلها، يؤويني من غدر الأحرف، وسهام الكلمات، موطنًا يحتويني، إذا ما نفتني خارجها أمواج الحياة.

علمتني الأنامل أن الكتابة إما أن تكون دمع فرح، أو دمع حزن، وأنه بين كلا الدمعين مدنًا، تموت فيها أحرف اللقاء.

 

كما علمتني الروايات أن أطلق العنان لقلبي، كي يرتع في بيداء الحب، وأن أفرش أرض خيالي ورودًا، ورياحين من عبق الجوى، ولكنها لم تعلمني كيف أقتص ممن يسفك دم هذا الحب!

علمتني الوحدة، أن أحيا في عيون الضوء الحائر، وأن أرسم روحي على صفحات أوراقي، وألتقي بها كل ليل، ولكنها لم تخبرني كيف لي أن أتعرف على ذاتي، حينما يطرق الضياع عالمي، وأتوه في مرايا الوهم، ويسكن ملامح وجهي الأسى، ويموت الصبر مخنوقًا في طرقات المكتوب.

 

علمتني قصائدك أن أحيا على خد تلك الأبيات، وأن أنقشك في وريد حياتي، وأراك كل ليلة بمنامي القمر، الذي يبيت في أردهة العمر، يشتاق اللقاء، و لكن علمتني الأقدار أنه محال أن تكون اسما في بطاقتي.

وأن ما أتمناه ليس من حقي، فقط من حقي الوجع، نعم الوجع، وتلك هدايا الأقدار لي.

علمتني الكتب أن مصر أم الدنيا، ولكنها حتى الآن لم تخبرني بمن هو أبوها!

كما علمتني أن الأم هى أساس البيت، والأب هو عموده، لكنها لم تخبر أن البيت لا يستقيم بأحدهما دون الآخر، فكل لبنة طوب، لا تقوى دون الأخرى، حتى يكتمل البناء.

 

علمني رحيل أبي في الصغر، أن أظل أفتش في صفحات الحياة عن الحنين، 

وأُلقي بحذاء روحي بعيدًا، وأحبو وراء أمل كسيح، وأركض في بيداء وحدتي، أستمع لصوت أنفاسي المتعبة من أثر الرحيل.

وأبكي في زوايا غرف الوجد الخاوية، وأعلم أن الدمع المترامي في أرجائها، هو وجع لن تمحوه السنون.

علمتني الأساطير أن أحيا دور السندريلا، التي تنتظر دقات عقارب الساعة،  حين تأتيها بالأمير، لكنها لم تخبرني كيف أسترد روحي مرة أخرى، حينما أفقد فردة حذائي العالقة في محيط الأقدار!

 

 

 

كما علمتني أن أقف على أرصفة الهوى أنتظرك، وعلمتني الحياة أن أنتظر هدايا الوجع التي ستهديها لي، حينما تأتيني بسهم الغدر، وتخبرني بعد رحلة هوى مميتة، أننا لن نلتقي على وسادة الأحلام ثانية.

 

 

وعلمتني الليالي الدافئة 

أن أبكي لحالي، وأحرق نفسي كل ليلة كشمعة، تذوب في محيط الخذلان، حتى لا يبقى مني شيء سوى فتيل يغرق في الدمعات، يصرخ في صمت.

 

 

هكذا علمتني أمي، وهكذا علمتني الكتب، والروايات، وهكذا كانت هي الحياة، تُراني هل سأقوى على الحياة بقلب السندريلا الرقيق، وسط أقزام المدينة الأشرار! 

 

وأظل أحمل رسائل الهوى بين جنبات قلبي، وأسير بها في درب شائك، مليء بالنيران!

تُراني سأنجح؟ أم مازلت تلميذة في مدرسة الحياة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى