ابداعات

من قتل القارئ؟

 

وائل الهاشمي

 

هناك جريمة ترتكب كل يوم لا يسمع أحد صوتها.

ولا تكتب عنها الصحف.

ولا تلتقطها كاميرات المراقبة.

ضحيتها ليست إنسانًا بل عقلًا كان يمكن أن يصبح أعظم مما هو عليه.

في كل دقيقة، يغلق شخص كتابًا قبل أن يبدأه، ويفتح شاشة لن يتذكر منها شيئًا بعد ساعة.

وهكذا، لا تموت الكتب لأنها احترقت، بل لأنها لم تقرأ.

 

في مكان ما، يجلس كتاب على رف قديم، يكسوه الغبار. لكن الغبار ليس أثقل ما يحمله.

إنه يحمل سنوات من الانتظار.

ينتظر يدًا تمتد إليه كما يمتد الظمآن إلى الماء.

لكن الأيدي أصبحت مشغولة.

إحداها تقلب شاشة لا تنتهي، وأخرى تطارد خبرًا سيموت بعد دقائق، وثالثة تبحث عن ضحكة عابرة، ثم تعود أكثر فراغًا مما كانت.

أما الكتاب

فما زال ينتظر.

 

ثم حدث شيء.

لا أحد يعرف متى بدأ بالتحديد، لكننا استيقظنا ذات يوم لنجد أن أصابعنا تحفظ طريقها إلى شاشة الهاتف أكثر مما تحفظ طريقها إلى رفوف المكتبات.

صرنا نقرأ أكثر من أي وقت مضى، لكننا لا نقرأ ما يجعلنا أكبر.

نقرأ عناوين بلا مضمون، ومنشورات بلا أثر، وتعليقات بلا قيمة.

نبتلع مئات الكلمات كل يوم، ثم ننام كما استيقظنادون فكرة جديدة، أو سؤال جديد، أو حتى دهشة جديدة.

 

ليست المشكلة أن التكنولوجيا انتصرت؛ بل أن الكتاب استسلم دون مقاومة.

وليس العيب في الهاتف، فالهاتف مجرد أداة، وإنما العيب حين يصبح كل ما نريده من المعرفة هو خمس عشرة ثانية، ثم ننتقل إلى ما بعدها.

لقد أصبحت سرعة المعلومة أهم من صحتها، وأصبح الاختصار فضيلة حتى في الأفكار التي لا تفهم إلا بالصبر.

فكيف ينضج عقل اعتاد القفز بين المقاطع، ولم يعد يحتمل الجلوس مع فكرة واحدة لعشر دقائق؟.

 

كم هو مؤلم أن تكون أمة أول ما نزل عليها من السماء كلمة اقرأ.

ثم يصبح آخر ما يشغلها القراءة.

وكأن المسافة بين الوحي والواقع لم تقس بالسنوات؛ بل بالصفحات التي لم نفتحها.

لم يعد الجهل اليوم يرتدي ثياب الفقراء.

بل يرتدي بدلة أنيقة ويحمل هاتفًا باهظ الثمن، ويتحدث بثقة عن كل شيء دون أن يقرأ عن أي شيء.

أصبحنا نحفظ الآراء أكثر مما نحفظ الحقائق، ونستهلك الكلمات.

لكننا لا نهضم المعاني.

نملأ ذاكرتنا ونترك عقولنا خاوية.

 

القراءة ليست هواية.

الهواية تملأ وقت الفراغ.

أما القراءة فتملأ فراغ الإنسان نفسه.

إنها ليست صفحات تقلب بل نوافذ تفتح.

وليست حبرًا على ورق بل أرواحًا تعبر من عقل إلى عقل، ومن زمن إلى زمن.

كل كتاب تقرؤه يضيف إلى عمرك عمرًا آخر.

وكل كتاب تهمله قد يحرمك حياة كاملة لم تعشها.

 

نحن لا نعاني من قلة المعلومات، بل من كثرة الضوضاء.

لم يعد العالم صامتًا بما يكفي لنسمع فكرة.

كل شيء يصرخ

العناوين تصرخ، المنشورات تصرخ.

حتى الصمت أصبح يحتاج إلى إشعار حتى نلاحظه.

وفي وسط هذا الصخب وقف الكتاب وحيدًا.

لا يصرخ

لأنه يعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج.

 

ذات يوم كانت الأمة تقيس أبناءها بما يقرؤون.

لا تقاس بعدد ناطحات السحاب، بل بعدد القراء.

فالمباني قد تلامس السماء، لكن العقول وحدها هي التي تصنع الحضارة.

وحين يقل عدد القراء، يزداد عدد المرددين.

وحين تغيب الثقافة، يحضر الضجيج.

وحين يموت السؤال يولد التعصب.

فالقراءة لا تمنحك معلومات فحسب، بل تمنحك القدرة على أن ترى العالم من زوايا لا تراها العين المجردة.

 

المؤلم ليس أن الناس توقفت عن شراء الكتب بل أن كثيرين لم يعودوا يشعرون بالحاجة إليها.

وكأن الإنسان اكتفى بأن يعرف العناوين، دون أن يخوض رحلة البحث عن المعنى.

صرنا نستهلك المعرفة كما نستهلك الوجبات السريعة؛ تشبع لحظات، لكنها لا تبني جسدًا، ولا عقلًا.

 

ومع ذلك.

لا يزال الأمل قائمًا.

فالكتاب لا يشيخ.

والمكتبات لا تموت.

والعقول التي تبحث عن الحقيقة ستجد طريقها دائمًا، مهما ارتفع ضجيج العالم.

قد لا نستطيع أن نغير واقع أمة في يوم واحد، لكننا نستطيع أن نغير واقع إنسان بكتاب واحد.

وربما تكون الصفحة التي تقرؤها اليوم هي الصفحة التي تغير حياتك غدًا.

 

لا تخف على أمة فقيرة بل على أمة هجرت الكتاب.

فالفقير قد يصبح غنيًا.

أما العقل الذي توقف عن القراءة فقد أعلن فقره الأبدي.

ولهذا كل حضارة احترقت

بدأ احتراقها من مكتبة.

وكل حضارة نهضت بدأت من قارئ جلس وحيدًا ذات ليلة، وأشعل مصباحًا صغيرًا، ليضيء أمة بأكملها.

 

لأن الحضارات لا تبدأ بخطاب سياسي ولا بخطة اقتصادية، بل تبدأ حين يجلس إنسان، في هدوء، ويفتح كتابًا.

ثم يقرر ألا يغلق عقله بعد ذلك أبدًا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى