“جميلة”

المهند إسلام
“إحذرا العام الأخير لكم.”
توقفت القهقهاتِ فجأة،
تبخرت البسمات،
وحلت محلها الفضول،
فيما يقصده صديقهم، الأكبرِ منهم عمرًا،
وأعمق منهم خبرة.
“ماذا؟”
تسائل أحدهم،
جالسٌ على إحدى السيارات الحمراء،
في موقف الركنات،
حول المركز التجاري.
تغير الموضوع من العدم.
وحملت القهوة في أياديهم فضول،
فضولٌ لموضوعٍ يتجنبوه، حتى إنتهاء الصيف.
“ماذا تقصد؟”
أعاد آخر السؤال،
“العام الثانوي الأخير.. إحذروا مفاتنه.”
آه،
نصيحة أخرى حول التمرد،
لا شكرًا،
فقد رأينا الكثير طوال المراهقة،
وستكون السنة الثانوية الأخيرة أمرٌ يسير.
هكذا فكرَ ثلاثتهم،
وهما يطالعان بعضهما البعض،
يشجعون بعض بأعينهم،
على التجاهل، وعدم التركيز،
في الكلمات التي قيلت منذُ قليل.
وبالفعل،
لم يبالوا بقصص الثانوية التي أخذت تملأُ الجلسة.
حتى قاربت العطلة على الإنتهاء،
وبدأ “ياسر” بإحدى دورات اللغة الأجنبية،
ذا شهادةٍ بسيطٍ واسع،
علّهُ يدرسُ بالخارج؟
أو يصبح لديه عملٌ بدخلٍ جيد؟
بدأ “جميلة” بمتابعتك
إشعارٌ هاتفي جديد،
فتاةٌ ذات شعرٍ بني،
ملامحٌ هادئة،
ونموشِ عشوائية،
وموسيقى ذات ذوقٍ رفيع.
صورٌ على الساحل،
وأُخرى في التسعين الشمالي.
أعليّ أن أتابعها أنا الآخر؟
فكّرَ في نفسه،
ومرر أصابعهِ يشاهدُ قصصَ أصدقاءه،
بينما يفكر في الأمر.
فتاة ذات شعرٍ أسود،
مع شاب، إحدى أصدقائه،
وهاشتاغ “هي كل ما أملك.”.
عناوين أغنيات،
“تمنيتُ لو أحببتُكَ في التسعينات”
“أستطيعُ أن أراك”
الكثير، والكثير من الرومانسية.
شاب آخر، وفتاةٌ محجبة،
على الأغلب تقابلا في إحدى
الدروس الخصوصية،
ويتقابلان سرًا من خلفَ آبائهم.
دار عقله،
مرة،
أخرى،
مرةٌ أخيرة،
حسنًا،
تبًا.
لقد بدأتَ بمتابعة “جميلة”
هكذا رنّ الإشعار،
بعدما ردَ متابعتها.
ما الذي فعلته.
“أأنتَ ياسر من النادي الرياضي؟”
ألم تكن المحادثاتُ قديمًا تبدأُ بمرحبًا؟
ماذا حدث؟
“نعم هذا أنا، كيفَ وجدتي صفحتي الشخصية؟”
“طرقي الخاصة” وجهٌ يغمز
“ماذا تريدين؟”
“أصدقاء؟”
أصدقاء؟
حسنًا، أصدقاء فقط ، أليسَ كذلك؟
“بالطبع، لمَ لا.”
من هنا استمرت الأحاديث.
كم عمرك؟
ما الرياضة التي تمارسها؟
ما ذوقك الموسيقي؟
رائع!
أين تعيش؟
ما اسمُ مدرستك؟
أواعدت أحدٌ من قبل؟
ألا تريد أن تواعد أحد؟
ما ذوقك في الفتيات؟
أتعلم، أنت ذوقي في الشباب،
أريد من يشبهك.
بدأت المحادثاتُ تتخذُ طرقًا عدة،
كشبكة عنكبوتٍ تتمدد وتتشابك،
حتى وصلت الشبكة إلى منحدرٍ عميق،
منحدرٍ خطر،
لم يحسب ياسر حسابه.
بدأت جميلة تُرسلُ صورًا لها يوميًا.
“ما رأيكُ بملابسي؟”
“هذا ما سأرتديه اليوم..”
ثم بدأت تروي قصصًا غريبة.
“أتعلم.. لقد أرسل لي أحدهم مقطع وهو يمارسُ عادة”
وتسأل أسألة شخصية.
“ياسر.. هل مارست.. من قبل؟”
وترمي التلميحات.
“ألا تريدُ التجربة؟”
بل وتصر على هذا الاتجاه
“أأرسلُ لكَ شيئًا يعجبك؟”
أرسل إليكَ “جميلة” مقطع فيديو
رمى ياسر هاتفهُ فجأة.
وسقطت عيناه على مكتبهِ متذكرًا مستقبله،
سقطَ قلبه متذكرًا الفتاة التي يحبها من الإعدادية،
ولم يخبرها انتظارًا أن ينتهي من الثانوية.
واشتعلت ذاكرته تتذكرُ كل القصص التي أخذَ صديقهُ يرويها من قبل،
ولم يبالِ بها هو وصديقيه.
تلكَ القصص عن المواعدات في الثانوية،
وكيف أنها ما دائمًا تتخذُ طريقًا مظلمًا لا رجعة فيه.
تلكَ القصص عن اصدقائنا الأكبرُ منّا سنًا،
وكيف إختلفا مع أهلهما، من أجلِ فتاة،
ثم تركتهم الفتاة.
قصص عن اصدقائنا ماتوا وهم يمشون في هذا الطريق،
وختم حديثه قائلًا
“في الثانوية، ستجدُ الكثير من الأشياء الغريبة،
سيكره بعضكم بعضًا،
سيتجهُ أحدكم نحو الكبائر،
وسيرى آخر منعطف الطريق ويبتعد.
سيكونُ الحب جميلًا فجأة،
وستكون النشوة مباحة.
سيبتعد أحدكم عن الصلاة،
ويقتربُ آخر.
لا تدعوا شيئًا يشتتكم عن هدفكم،
أنظروا إلى “أنس” هناك،”
وأشار على أحد أصدقائنا،
“كان كذلك وابتعد،
واتخذَ من الصلاة مهربًا،
ومن ممارسة الرياضة عادة،
ومن المذاكرة والتقدمُ هدفًا وإن كان قليل الفهم،
ومع ذلك،
يخرجُ معنا،
وينصاعُ لرفاهيتنا،
كرة،
ألعاب فيديو،
وجلوسٍ فوق سيارة، مع كوب قهوة.
إحذروا العام الأخيرَ لكم، فأشواكه كثيرة.”
ليسَ العام الأخير فقط،
بل إن أشواك الحياة موجودة طوال الوقت،
وإن اختفت مهلة،
تعاود الظهور.
وإن استقمت،
ظهرت من العدم،
كجميلة،
لتجعلك تنحدر،
وتسقط،
تصعقُ ذاكرتك فجأة،
لتعاود الوقوف،
وتعاود الإستقامة،
تلكَ هي سنةٌ الحياة،
ولتجنبَ الوقوع،
يقع الالتزامِ بالصلاة،
الخيار الأوحد.
صوتُ نقرة على الهاتف
لقد حظرت “جميلة”



