مقالات

ترامب يفتح أبواب الجحيم على إيران .. والشرق الأوسط على أعتاب مواجهة قد تغير خريطة المنطقة

✍️ يوحنا عزمي

في كل مرة يجد فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن لغة السياسة لم تعد تحقق ما يريده ، يعود إلى الأداة التي يجيد استخدامها أكثر من غيرها، وهي القوة العسكرية. فالمشهد الحالي يوحي بأن الإدارة الأمريكية قررت الإنتقال إلى مرحلة جديدة من التصعيد، تعتمد على توجيه ضربات مكثفة ومستمرة تستهدف إنهاك القدرات العسكرية الإيرانية، وإيصال رسالة واضحة مفادها أن واشنطن لم تعد تكتفي بسياسة الردع، وإنما تسعى إلى فرض واقع ميداني جديد يغير قواعد الاشتباك في المنطقة.

وإذا صحت التقارير المتداولة بشأن كثافة الضربات الأمريكية التي استهدفت مواقع عسكرية داخل إيران ، فإن ذلك يعكس تحولاً استراتيجياً مهماً في طبيعة المواجهة. فهذه العمليات لا تبدو مجرد رد فعل محدود، بل تدخل ضمن سياسة تقوم على استنزاف البنية العسكرية الإيرانية ، وإضعاف مراكز القيادة والسيطرة ، وتقليص قدرة طهران على إدارة أي مواجهة طويلة الأمد. كما أن استمرار سماع الانفجارات في عدد من المناطق الإيرانية يشير إلى أن العمليات العسكرية، وفقاً لهذه الرواية، لم تكن عابرة، وإنما جزء من حملة متواصلة تهدف إلى شل القدرات الإيرانية تدريجياً.

وفي المقابل ، تبدو إيران متمسكة بعقيدتها التقليدية في إدارة الصراعات، والتي تقوم على توسيع دائرة المواجهة وعدم حصرها داخل حدودها. فمن وجهة النظر الإيرانية ، كلما اتسعت رقعة الاشتباك وازدادت الضغوط على القواعد والمصالح الأمريكية وحلفائها ، ارتفعت تكلفة أي عملية عسكرية ضدها. ولذلك فإن أي هجمات تستهدف دول الخليج، إذا تأكدت، تعكس محاولة إيرانية لنقل المعركة إلى الإقليم بأكمله ، حتى لا تتحول إيران وحدها إلى ساحة للحرب.

واللافت في هذا المشهد أن دول الخليج تجد نفسها أمام اختبار أمني غير مسبوق. فالحديث عن تعرض قطر والبحرين والكويت لهجمات، مع اختلاف مستويات التصدي لها، يكشف حجم التحدي الذي تواجهه منظومات الدفاع الجوي في المنطقة، ويؤكد أن أي تصعيد واسع لن تكون آثاره مقتصرة على طرفي الصراع، بل سيمتد ليطال دولاً لم تكن ترغب في أن تصبح جزءاً مباشراً من المواجهة.

أما الأردن ، فإن وجوده في قلب هذه التطورات يثير العديد من علامات الاستفهام. فالمملكة لطالما حاولت الحفاظ على سياسة متوازنة، لكن موقعها الجغرافي يجعلها في مرمى أي تصعيد إقليمي، سواء بقصد أو نتيجة لاعتراض المقذوفات أو انحراف مساراتها. كما أن أي صمت رسمي بشأن حجم الأضرار لا يمنع من أن تكون المملكة تراقب التطورات بقلق بالغ، نظراً لما قد تحمله الأيام المقبلة من تحديات أمنية أكبر.

ومن أكثر النقاط إثارة للتساؤل ما يُتداول بشأن سلطنة عُمان ، التي عُرفت تاريخياً بأنها الوسيط الأكثر هدوءاً والأقرب إلى جميع الأطراف. فإذا كانت قد تعرضت بالفعل لهجمات بعد ساعات من جهود وساطة مع طهران، فإن ذلك قد يعكس تغيراً خطيراً في قواعد الاشتباك، أو ربما انهياراً لمسارات الوساطة التي كانت تمثل دائماً صمام أمان لتخفيف حدة الأزمات في المنطقة.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما يجري اليوم، بل بما قد يحدث غداً.

فإذا استمرت وتيرة التصعيد الحالية، فإن احتمالات اتساع نطاق الحرب ستظل قائمة، خصوصاً إذا امتدت المواجهات إلى أطراف إقليمية أخرى ، وهو ما قد يدفع المنطقة بأكملها إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً ، يصعب معها احتواء الصراع أو التنبؤ بنتائجه.

المؤشرات السياسية والعسكرية توحي بأن إدارة ترامب تسعى إلى فرض معادلة جديدة عنوانها إنهاك إيران وتقليص نفوذها العسكري والإقليمي، بينما تراهن طهران على قدرتها على الصمود وإطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها على خصومها. وبين هذين الرهانين، تقف منطقة الشرق الأوسط أمام لحظة فارقة قد تعيد رسم توازنات القوة، وتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تماماً عن كل ما شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى