مقالات

الصين تُدرب روسيا عسكرياً لأول مرة .. ورسالة مرعبة تعيد رسم خريطة القوة في العالم

✍️ يوحنا عزمي

في عالم الجيوش الكبرى ، هناك مسلمات ظلت لعقود تبدو وكأنها حقائق لا تقبل النقاش. من بينها أن الجيوش العظمى، خصوصًا تلك المصنفة ضمن الأقوى عالميًا، هي من تصدر الخبرات العسكرية وتمنح الآخرين المعرفة والتدريب، لا أن تبحث هي بنفسها عن طرف آخر تتلقى منه تدريبات نوعية في ملفات شديدة الحساسية. ولهذا، فإن ما كُشف خلال الساعات الماضية بشأن تلقي قوات روسية تدريبات عسكرية متخصصة داخل منشآت عسكرية صينية، يفتح الباب أمام واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في المشهد الجيوسياسي الدولي، ويطرح أسئلة تتجاوز ظاهر الحدث إلى ما هو أخطر بكثير.

التقارير والمعلومات التي خرجت للعلن كشفت أن وحدات من الجيش الروسي غادرت الأراضي الروسية بالفعل، بعد موافقة مباشرة من وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف، لتتلقى تدريبات متقدمة داخل الصين، في خطوة استثنائية يصعب التعامل معها باعتبارها مجرد تعاون عسكري تقليدي بين دولتين تربطهما شراكة سياسية واقتصادية. نحن هنا أمام تطور بالغ الحساسية، لأن الحديث لا يدور عن تدريبات مشتركة معتادة، ولا عن مناورات رمزية لتبادل الخبرات، بل عن انتقال قوات روسية إلى دولة أخرى من أجل التعلم واكتساب مهارات متخصصة في مجالات ترتبط مباشرة بأخطر سيناريوهات الحروب الحديثة.

الصدمة الحقيقية لا تكمن فقط في الواقعة ذاتها، بل في هوية الطرف الذي منح هذا التدريب. فحين نتحدث عن روسيا، نحن نتحدث عن دولة تمتلك أحد أكثر الجيوش خبرة في العالم، جيش خاض حروبًا متواصلة لعقود طويلة، من أفغانستان إلى الشيشان إلى سوريا ثم الحرب الأوكرانية، وراكم خبرة قتالية جعلته نموذجًا عسكريًا تدرسه كثير من المؤسسات الدفاعية حول العالم. ولذلك، فإن قبول موسكو بإرسال قواتها لتلقي تدريب خارجي يعني ببساطة أنها أمام مجال تمتلك فيه بكين قدرات تفوقت فيها حتى على المؤسسة العسكرية الروسية نفسها.

التسريبات تشير إلى أن التدريب الذي تلقته القوات الروسية داخل الصين كان متعلقًا بملفات الحماية من الأخطار النووية والإشعاعية والكيميائية والبيولوجية، وهي واحدة من أكثر المجالات العسكرية تعقيدًا وحساسية في العقيدة القتالية الحديثة. الأمر لم يقتصر على تدريبات ميدانية، بل شمل محاضرات نظرية قدمها جنرالات صينيون متخصصون، إلى جانب تدريبات عملية مرتبطة بكيفية التعامل مع المنشآت النووية أثناء التعرض لعمليات استهداف، وآليات تنفيذ استطلاع إشعاعي وكيميائي معقد، بالإضافة إلى طرق السيطرة على المفاعلات النووية في بيئات قتالية عالية الخطورة.

هذه النوعية من التعاون لا يمكن تفسيرها بمنطق العلاقات التقليدية بين الحلفاء، لأن تبادل المعرفة في هذا المستوى يعني أن هناك تنسيقًا استراتيجيًا يتجاوز الاقتصاد والسياسة ليصل إلى قلب الملفات العسكرية السيادية للدولتين. بكلمات أخرى، نحن لا نشاهد تعاونًا عاديًا بين موسكو وبكين، بل نشاهد إعادة تشكيل لمحور عالمي جديد يتشارك المعرفة العسكرية الأخطر، استعدادًا لمرحلة دولية أكثر اضطرابًا وربما أكثر عنفًا مما يتخيل كثيرون.

لكن العنصر الأكثر إثارة في القصة ليس التدريب نفسه، بل توقيت تسريب المعلومات والجهة التي كشفت عنها. المعلومات خرجت عبر منصات بحثية واستخباراتية غربية، بينها دوائر مرتبطة بمؤسسات بريطانية وأمريكية معنية بقراءة التحولات العسكرية الدولية. وهنا يصبح السؤال المنطقي: هل نجحت الاستخبارات الغربية فعلًا في اختراق أجهزة الأمن الروسية أو الصينية والوصول إلى هذه المعلومات السرية؟ الاحتمال يبدو ضعيفًا للغاية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتنسيق عسكري بهذا المستوى بين دولتين تمتلكان أجهزة استخبارات تعد من الأكثر تعقيدًا وانغلاقاً في العالم.

السيناريو الأقرب للمنطق أن هناك تسريبًا مقصودًا جرى السماح به، وأن الرسالة لم تكن موجهة إلى الرأي العام بقدر ما كانت موجهة إلى واشنطن والعواصم الأوروبية. الصين تريد أن تقول إنها لم تعد مجرد قوة اقتصادية تنافس الغرب في الأسواق، بل أصبحت دولة تمتلك من التفوق العسكري والتكنولوجي ما يجعل حتى روسيا، القوة النووية الكبرى، تلجأ إليها في ملفات شديدة التعقيد. أما موسكو، فهي تستثمر هذه الصورة لتؤكد أن عزلها دوليًا لم ينجح، وأنها تمتلك شراكة استراتيجية مع قوة صاعدة قادرة على إعادة رسم موازين القوة الدولية.

ولم يكن من المصادفة أن يتزامن هذا الكشف مع التصعيد العسكري الروسي العنيف في أوكرانيا، حيث شهدت كييف خلال الساعات الأخيرة واحدة من أعنف موجات الهجمات الروسية منذ بداية الحرب. صواريخ بعيدة المدى، هجمات متزامنة من البر والبحر والجو، ضربات دقيقة استهدفت منشآت الطاقة والمطارات والبنية التحتية العسكرية، في رسالة واضحة تؤكد أن موسكو ماضية في استراتيجية فرض واقع جديد بالقوة، وأنها لا ترى في المفاوضات الحالية سوى فرصة مؤقتة لإعادة التموضع لا أكثر.

روسيا تدرك أن استمرار الدعم الأوروبي لكييف يمثل أحد أخطر التحديات أمام مشروعها العسكري، ولذلك تبدو استراتيجيتها الحالية قائمة على رفع تكلفة الحرب إلى الحد الأقصى، ليس فقط عبر إنهاك الجيش الأوكراني، بل من خلال تدمير البنية التحتية الحيوية للدولة نفسها، ودفع المجتمع الأوكراني إلى مواجهة ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة قد تجعل استمرار الحرب عبئًا داخليًا يصعب احتماله.

وفي المقابل، الرسالة الموجهة إلى أوروبا تبدو أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: استمراركم في تسليح أوكرانيا لن يؤدي إلى استنزاف روسيا كما تخططون، بل سيدفع موسكو إلى مزيد من التصعيد، خصوصًا مع وجود دعم استراتيجي متزايد من الصين التي تتحرك بثقة متصاعدة لتكريس نفسها باعتبارها القوة الدولية القادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية وكسر احتكار الغرب لمعادلات القوة العالمية.

ما يجري الآن لا يمكن قراءته باعتباره حدثًا عسكريًا منفصلًا أو مجرد خبر استخباراتي مثير، بل هو مؤشر على أن العالم يدخل بالفعل مرحلة إعادة ترتيب شاملة للنظام الدولي. تحالفات جديدة تتشكل، موازين القوة تتحرك، والكتلة الشرقية القديمة تعود ولكن بصورة أكثر تعقيدًا وخطورة. وما بين بكين وموسكو وواشنطن وبروكسل، تتشكل معركة النفوذ الكبرى التي قد تحدد شكل العالم لعقود قادمة.

هكذا تعمل السياسة الدولية، لا مكان فيها للعواطف، ولا قيمة فيها للمبادئ حين يتعلق الأمر بموازين القوة. الدول الكبرى لا تتحرك بدافع الصداقة أو العداء، بل وفق حسابات المصالح، وحين تبدأ الجيوش الكبرى في تبادل أسرارها العسكرية بهذا الشكل، فاعلم أن العالم يقف أمام مرحلة جديدة لا تزال أخطر فصولها لم تبدأ بعد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى