روسيا تدشن أخطر مرحلة في الحرب وتحول كييف إلى ساحة إنتقام كبرى

✍️ يوحنا عزمي
ما تشهده الحرب خلال الساعات الأخيرة يكشف بوضوح أن العالم يقف أمام مرحلة جديدة من هذا الصراع ، مرحلة تبدو مختلفة تماما عن كل ما سبقها منذ اندلاع الحرب قبل سنوات. فالمشهد الذي تعيشه العاصمة الأوكرانية الآن لا يمكن وصفه باعتباره مجرد جولة عسكرية جديدة أو رداً تقليدياً ضمن حرب مستمرة ، بل نحن أمام تحول خطير في قواعد الاشتباك نفسها ، حيث قررت موسكو فيما يبدو أن تنتقل من سياسة الرد المحسوب إلى سياسة العقاب واسع النطاق.
مئات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز انطلقت دفعة واحدة لتضرب العمق الأوكراني في واحدة من أعنف العمليات الجوية التي شهدتها كييف منذ شهور طويلة ، في مشهد يعكس حجم الغضب الروسي المتراكم خلال الأسابيع الماضية، ويؤكد أن القيادة الروسية وصلت إلى قناعة مفادها أن استمرار الصمت أو الاكتفاء بردود محدودة لم يعد خياراً مقبولاً في ظل الضربات المتلاحقة التي بدأت أوكرانيا توجهها إلى الداخل الروسي نفسه.
ما يحدث على الأرض الأوكرانية حالياً يحمل دلالات أخطر بكثير من مجرد سقوط مبان سكنية أو اشتعال حرائق أو امتلاء محطات المترو بالمدنيين الهاربين من الموت. المسألة الحقيقية تكمن في الرسالة السياسية والعسكرية التي أرادت موسكو إيصالها. روسيا تقول بوضوح إن نقل الحرب إلى الداخل الروسي لن يمر دون ثمن باهظ، وإن استهداف العمق الإستراتيجي للدولة الروسية سيقابله تدمير مباشر للعمق الأوكراني، مهما كانت التداعيات الإنسانية أو السياسية الناتجة عن ذلك.
الرئيس الأوكراني كان يدرك أن شيئاً كبيراً يقترب. التحذيرات الاستخباراتية التي تحدث عنها قبل ساعات من بدء الهجوم لم تكن مجرد تقديرات عسكرية روتينية ، بل كانت مؤشرا واضحا على أن موسكو كانت تعد لعملية انتقامية ضخمة، وهو ما يفسر عودته العاجلة وإطلاق حالة التأهب القصوى داخل البلاد. لكن حتى مع هذه التحذيرات ، يبدو أن حجم الهجوم الروسي تجاوز كل السيناريوهات المتوقعة، خصوصا مع اعتماد موسكو على تكتيك عسكري معقد يبدأ بإغراق السماء بالطائرات الانتحارية بهدف إنهاك أنظمة الدفاع الجوي، ثم يتبعها مباشرة سيل من الصواريخ الثقيلة القادرة على إحداث أكبر قدر ممكن
من الدمار.
لكن قراءة المشهد من زاوية اللحظة الحالية فقط تعتبر خطأ استراتيجياً في فهم ما يجري ، لأن الضربات الروسية الأخيرة ليست بداية حدث جديد، بل نتيجة مباشرة لسلسلة تطورات خطيرة شهدتها الحرب مؤخرا. خلال الأسابيع الماضية قررت أوكرانيا كسر الخطوط الحمراء الروسية بشكل غير مسبوق، وبدأت فعليا بنقل الحرب من أراضيها إلى قلب الأراضي الروسية، وهو تحول بالغ الخطورة في مسار الصراع.
الهجوم الأوكراني الواسع الذي استهدف موسكو باستخدام مئات الطائرات المسيرة لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل شكل صدمة استراتيجية للكرملين. نجاح القوات الأوكرانية في الوصول إلى العاصمة الروسية وضرب منشآت حيوية مثل مصافي النفط الكبرى، وعلى رأسها منشآت الطاقة القريبة من موسكو، خلق إحراجا هائلا أمام الداخل الروسي، لأن الرسالة التي وصلت للمواطن الروسي وقتها كانت واضحة ومزعجة: الحرب التي كانت بعيدة أصبحت الآن فوق رؤوسنا.
الأخطر من ذلك أن أوكرانيا لم تكتف باستهداف العاصمة، بل وسعت نطاق عملياتها لتصل إلى منشآت عسكرية وصناعية شديدة الحساسية داخل العمق الروسي، بما في ذلك مصانع كيميائية ومنشآت إنتاج تدخل بشكل مباشر في الصناعات الدفاعية الروسية، وهو ما يعني أن كييف لم تعد تكتفي بالدفاع عن أراضيها، بل انتقلت إلى استراتيجية استنزاف الدولة الروسية اقتصادياً وعسكرياً من الداخل.
وهنا تحديداً بدأت معضلة الرئيس الروسي . إستمرار تلقي الضربات داخل الأراضي الروسية دون رد حاسم كان يعني تآكل صورة الدولة الروسية وهيبة القيادة أمام الرأي العام المحلي، خصوصا أن بوتين بنى جزءا كبيرا من صورته السياسية على فكرة القوة والردع وعدم السماح لأي طرف بتهديد الأمن القومي الروسي. لذلك كان من المنطقي أن تبدأ موسكو التحضير لعملية ضخمة تعيد رسم قواعد اللعبة وتفرض معادلة جديدة على كييف.
ما يقلق العالم الآن ليس فقط حجم القصف الجاري ، وإنما طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلتها الحرب. في السابق كانت المعارك تدور غالباً على خطوط المواجهة العسكرية والجبهات الشرقية والمناطق الحدودية، أما الآن فنحن أمام إنتقال واضح إلى استهداف العواصم الكبرى والبنية التحتية الاستراتيجية ومراكز الاقتصاد والطاقة والمطارات والمنشآت الصناعية الحساسة، أي أن الحرب بدأت تتحول تدريجيا من مواجهة عسكرية تقليدية إلى حرب استنزاف شاملة تضرب مفاصل الدولة نفسها.
المؤشر الأخطر في المشهد كله أن تداعيات الحرب لم تعد محصورة بين روسيا وأوكرانيا فقط. مجرد اضطرار دولة مثل إلى رفع حالة التأهب العسكري وإطلاق طائراتها الحربية بسبب اقتراب الصواريخ من حدودها يكشف أن هامش الخطأ أصبح ضئيلا للغاية، وأن أي انحراف بسيط أو سقوط صاروخ في المكان الخطأ قد يدفع القارة الأوروبية كلها إلى مواجهة لا أحد يعرف حدودها.
الحقيقة المؤلمة أن هذه الحرب لم تعد مجرد نزاع إقليمي بين دولتين متجاورتين، بل أصبحت اختبارا مفتوحا للنظام الدولي كله. كل طرف بات مستعدا لاستخدام أقصى أدوات التدمير المتاحة لديه، وكل مرحلة جديدة تبدو أكثر خطورة من سابقتها. وإذا استمرت الأمور بهذا المعدل التصاعدي، فإن العالم قد يجد نفسه أمام واحدة من أخطر لحظات الانفجار العسكري منذ نهاية الحرب الباردة.
المشهد الحالي يقول إننا تجاوزنا بالفعل نقطة الحرب التقليدية، ودخلنا مرحلة عنوانها الواضح هو الضرب في العمق، وكسر الإرادة السياسية للطرف الآخر عبر استهداف المدنيين والاقتصاد والبنية التحتية. وعندما تصل الحروب إلى هذه النقطة تحديدا، يصبح السؤال الحقيقي ليس من سينتصر، بل إلى أي مدى يمكن لهذا الجنون أن يستمر قبل أن يخرج كل شيء عن السيطرة ويدخل العالم في نفق لا يمكن التنبؤ بما ينتظر البشرية في نهايته.



