هل ينهار الإتفاق الأمريكي الإيراني وتعود الحرب من جديد؟

✍️ يوحنا عزمي
في تقديري، لا تبدو مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران قادرة على الصمود لأيام إضافية في ظل التصعيد العسكري المتسارع والمتبادل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من جهة ، والحرس الثوري الإيراني من جهة أخرى ، خاصة مع استمرار الخطاب المتشدد الذي يهيمن على مواقف الطرفين، وغياب أي مؤشرات حقيقية على وجود نية سياسية جادة للتهدئة أو المهادنة.
المشهد الحالي يكشف بوضوح أن الخلافات بين واشنطن وطهران ما تزال أعمق وأعنف بكثير مما كان يعتقد سابقاً، بل إن الأزمة انتقلت الآن إلى أخطر مراحلها، وهي مرحلة إنعدام الثقة الكامل بين الطرفين ، حيث بات كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره خصما يناور ويخفي أهدافا إستراتيجية تتجاوز ما تم الإتفاق عليه بشكل مبدئي. هذا الواقع يجعل المضي قدما في تنفيذ الالتزامات الواردة ضمن الاتفاق أمرا بالغ التعقيد ، وربما مستحيلاً في ظل الظروف الراهنة.
ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحاول الظهور أمام العالم باعتباره الطرف الذي يمسك بكامل خيوط اللعبة ويتحكم في مسار الأحداث، إلا أن الحقيقة السياسية داخل واشنطن تبدو مختلفة تماماً. فالرجل يواجه ضغوطاً داخلية هائلة من خصومه الديمقراطيين وحتى من تيارات نافذة داخل الحزب الجمهوري نفسه ، إضافة إلى ضغوط إسرائيلية وخليجية متصاعدة تسعى جميعها إلى دفعه للتراجع عن أي تفاهمات مع إيران، والعودة مجددا إلى خيار المواجهة العسكرية بهدف إنهاء التهديد الإيراني بصورة نهائية من وجهة نظرهم.
وفي المقابل، يعيش الحرس الثوري الإيراني بدوره حالة من الغضب الداخلي غير المسبوق عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت العمق الإيراني في بداية المواجهة العسكرية السابقة، والتي اعتبرت في طهران واحدة من أخطر الضربات التي تلقتها الجمهورية الإسلامية منذ سنوات، خصوصا بعد عمليات الاغتيال التي طالت المرشد الأعلى علي خامنئي إلى جانب قيادات بارزة من الصفين الأول والثاني في المؤسسة السياسية والعسكرية الإيرانية، وهو ما خلق داخل النظام الإيراني حالة ثأر مفتوح ومتعدد الجبهات، تبدو فيه دول الخليج المدعومة أمريكيا أحد أبرز ساحات المواجهة المحتملة.
لقد أصبح واضحا أن الإتفاق الذي أعلن عنه سابقا كان يحمل منذ لحظة ميلاده بذور انهياره، بسبب التناقض الجذري في الرؤى بين الطرفين، واختلاف الأهداف الإستراتيجية التي يسعى كل منهما لتحقيقها. ومع تسارع الأحداث ، تحول هذا التصدع السياسي إلى شرخ خطير يصعب احتواؤه أو إصلاحه ، وهو ما يفسر ما نشهده الآن من عودة التوترات إلى مستويات أكثر خطورة.
وإذا استمرت الأمور بهذا الاتجاه، فإن إيران لن تتمكن من الحصول على أصولها المالية المجمدة في المصارف الأمريكية والأوروبية ، ولن تصلها المليارات التي كانت تراهن عليها لإعادة إعمار ما دمرته الحرب الأخيرة من بنية تحتية واقتصاد منهك ، كما أنها لن تحصل على أي التزام أمريكي موثوق بإنهاء العمليات العسكرية والضغوط الأمنية الموجهة ضدها وضد حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله ، ولن يتحقق كذلك أي انسحاب إسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها حاليا في جنوب لبنان ، كما سيستمر الحصار العسكري الأمريكي المشدد المفروض على مضيق هرمز ، وهو ما يعني عمليا أن كل المكاسب التي كانت طهران تأمل تحقيقها من الإتفاق باتت مهددة بالانهيار الكامل.
الأمر الأكثر خطورة أن الولايات المتحدة نفسها تتجه نحو مرحلة سياسية شديدة الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، وهو عامل سيدفع ترامب على الأرجح إلى تبني خطاب أكثر تشددا تجاه إيران، وقد يدفعه أيضا إلى الانقلاب الكامل على الاتفاق والانسحاب منه، تمهيداً للعودة إلى الخيار العسكري عبر تنفيذ ضربات سريعة وعنيفة ، تسمح له بالظهور أمام الناخب الأمريكي باعتباره الرئيس الذي حسم المواجهة مع إيران بالقوة بعد فشل المسار الدبلوماسي ، وهو السيناريو الذي قد يستخدمه لتبرير الحرب أمام المجتمع الدولي باعتبارها لم تكن خياره الأول ، بل نتيجة لما سيصفه بتعنت إيران ورفضها الالتزام.
هذا الاحتمال لم يعد بعيدا كما كان يعتقد البعض، بل يبدو أنه يزداد ترجيحاً يوما بعد يوم ، خاصة في ظل شخصية سياسية مثل ترامب عرفت تاريخياً بالمراوغة السياسية وتبديل المواقف وفقا لمقتضيات اللحظة الإنتخابية والمصالح الداخلية الأمريكية.
وفي ضوء هذه التطورات، لا يبدو مستبعدا أن تعود المنطقة بأكملها إلى حافة إنفجار عسكري واسع مع إيران ، ضمن محاولة أمريكية إسرائيلية جديدة لإضعافها أو تدمير قدراتها الاستراتيجية، وهي الرسائل التي عاد ترامب نفسه إلى التلويح بها مجدداً خلال الأيام الماضية في محاولة واضحة لزيادة الضغط على طهران وإرغامها على تقديم تنازلات أكبر.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في طبيعة الرد الإيراني المتوقع، إذ تشير التصريحات المتتالية الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني إلى أن أي هجوم أمريكي جديد لن يمر هذه المرة دون رد مختلف وأكثر عنفا واتساعا من كل المواجهات السابقة، وهو ما يفتح الباب أمام حرب إقليمية شاملة لا يمكن التنبؤ بنتائجها أو حدود امتدادها.
وفي قلب هذا المشهد ، يبرز رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو باعتباره المحرض الأكبر على هذا التصعيد ، والشريك الأساسي للرئيس الأمريكي ترامب في دفع المنطقة نحو المواجهة. فكلا الرجلين يتحملان مسؤولية مباشرة عن إشعال سلسلة الحرائق التي أمتدت في أكثر من ساحة داخل الشرق الأوسط، بينما يبدو أن مشروع التصعيد لم يصل بعد إلى نهايته ، وأن المنطقة ربما تقف الآن أمام فصل جديد أكثر خطورة في صراع مفتوح قد يعيد رسم توازنات الشرق الأوسط بالكامل.



