مقالات

مضيق هرمز يشعل العالم .. هل بدأت المواجهة الكبرى لإسقاط إيران؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

في الوقت الذي يراقب فيه العالم بقلق بالغ التصعيد العسكري المتبادل بين الولايات المتحدة وايران ، والتحركات المتسارعة  التي تشهدها منطقة الخليج العربي، يعتقد كثيرون ان ما يجري الآن يبدو مفاجئاً او غير مفهوم ، لكن الحقيقة ان المشهد الحالي  لم يات من فراغ ، بل كان متوقعا منذ اللحظة الأولى التي تم فيها الإعلان عن الإتفاق الأخير بين واشنطن وطهران ، لأن هذا الإتفاق نفسه حمل في داخله بذور الأزمة الجديدة التي نشهد انفجارها الآن.

ما يبدو للوهلة الأولى أنه عودة غير مفهومة للتوترات العسكرية رغم وجود إتفاق سياسي سابق، يرتبط في الواقع بوجود بنود غامضة داخل هذا الاتفاق ، صيغت بطريقة فضفاضة تسمح لكل طرف بتفسيرها بما يخدم مصالحه الاستراتيجية. ومن بين اخطر هذه البنود النص الذي ينص على ان إيران ستستخدم “افضل جهودها” لضمان المرور الامن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز لمدة ستين يوماً.

المشكلة الحقيقية هنا ان الإتفاق لم يحدد بدقة ما المقصود بعبارة “افضل الجهود”، ولم يوضح طبيعة الترتيبات او الاليات التنفيذية التي يجب على إيران الالتزام بها، وهو ما فتح الباب أمام طهران لتقديم تفسيرها الخاص لهذا البند، مستغلة الغموض القانوني لصالحها. إيران اعتبرت ان من حقها وفق هذا النص غير الواضح فرض مسارات محددة لحركة السفن داخل المضيق ، بل وبدأت بالفعل في توجيه تحذيرات للسفن التجارية بضرورة الإلتزام بممرات بحرية معينة تمر عبر مياهها الاقليمية، مع منع استخدام المسارات الجنوبية المحاذية للسواحل العمانية.

التحرك الايراني لم يكن عشوائياً ، بل يعكس محاولة واضحة لفرض واقع جيوسياسي جديد يمنح طهران سيطرة اكبر على احد اهم الممرات البحرية في العالم ، خاصة مع وجود مؤشرات على نيتها فرض رسوم عبور على السفن المارة ، وهو ما يعني عملياً تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط إقتصادية وسياسية ضخمة تستطيع إيران استخدامها في اي مواجهة مستقبلية.

في المقابل، الولايات المتحدة قرات هذه الخطوة باعتبارها محاولة التفاف إيرانية على الاتفاق واستغلالا متعمدا للثغرات القانونية الموجودة داخله ، وهو ما يفسر الرد الأمريكي السريع عبر تحركات عسكرية هدفها توجيه رسالة مباشرة بان واشنطن لن تسمح بفرض امر واقع جديد يهدد حرية الملاحة الدولية او يمنح ايران نفوذاً إضافياً في واحد من اخطر الممرات الإستراتيجية عالمياً.

لكن الرد الإيراني لم يتاخر كثيراً ، حيث شهدت المنطقة عمليات إستهداف لمواقع وقواعد عسكرية داخل دول خليجية تستضيف قوات امريكية، في رسالة واضحة تؤكد ان طهران ليست مستعدة للتراجع بسهولة ، وانها ماضية في الدفاع عن رؤيتها الجديدة المتعلقة بإدارة حركة الملاحة داخل المضيق حتى لو ادى ذلك إلى مواجهة اوسع.

الأخطر من كل ذلك كان التصريح الذي أدلى به دونالد ترامب ، والذي قال فيه ان الولايات المتحدة اذا اضطرت لإكمال المهمة العسكرية فلن يكون لإيران وجود بعد ذلك. وعلى الرغم من ان التصريحات الأمريكية التصعيدية ليست جديدة ، إلا ان خطورة هذا التصريح تكمن في اسبابه الحقيقية، لأن جوهر الأزمة الحالية يرتبط بمبدأ قانوني دولي حساس للغاية ، وهو مبدأ حرية الملاحة في المضائق الدولية.

إذا نجحت إيران في فرض رسوم او فرض قواعد مرور خاصة بها داخل مضيق هرمز ، فان ذلك سيفتح الباب أمام سابقة دولية خطيرة، حيث يمكن لدول اخرى استغلال موقعها الجغرافي لفرض قيود مشابهة على ممرات بحرية حيوية مثل مضيق باب المندب او مضيق ملقا، وهو ما سيؤدي بشكل مباشر إلى إرتفاع تكاليف التجارة العالمية وزيادة اسعار السلع والخدمات وربما دفع الإقتصاد العالمي إلى موجة ركود جديدة.

في الوقت نفسه ، استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية المباشرة ضد إيران ليس امراً بسيطاً من الناحية القانونية، لأن القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة يضعان قيودا واضحة على استخدام القوة في العلاقات الدولية، ويمنحان مجلس الأمن دوراً أساسياً في تنظيم مثل هذه التحركات، ما يجعل اي تصعيد عسكري أمريكي مباشر يواجه اشكاليات قانونية معقدة.

لكن السيناريو الأكثر خطورة يظهر إذا أصرت إيران على المضي قدما في مشروعها الخاص بالتحكم الكامل في المضيق وفرض رسوم على السفن ، لأن المواجهة حينها لن تكون مع الولايات المتحدة وحدها، بل قد تتحول إلى صدام مباشر مع التحالف الدولي لحماية حرية الملاحة البحرية ، وهو تحالف تقوده بريطانيا وفرنسا وكندا إلى جانب أعضاء اخرين داخل حلف شمال الأطلسي.

إذا وصل المشهد الى هذه المرحلة، فان الهدف لن يكون مجرد ردع إيران او إجبارها على التراجع ، بل قد يتحول الأمر الى محاولة شاملة لانهاء النظام الإيراني بالكامل ، وهو ما يعني ادخال دولة يتجاوز عدد سكانها ثلاثة وتسعين مليون نسمة في حالة فوضى إقليمية ستكون لها تداعيات هائلة على الشرق الاوسط باكمله.

ولا يمكن تجاهل ان اسرائيل تعد الطرف الاكثر استفادة من هذا السيناريو، اذ ترفض بشكل كامل اي فرصة تمنح ايران استقراراً سياسياً او اقتصادياً سواء عبر الإفراج عن اصولها المجمدة او السماح لها بالعودة الكاملة الى تصدير النفط، وبالتالي فان استمرار التصعيد الحالي يخدم بصورة مباشرة الرؤية الاسرائيلية القائمة على استنزاف طهران ومنعها من استعادة توازنها.

ما يجعل الأمر اكثر خطورة ان مثل هذه الأزمات الكبرى غالباً ما يتم فيها توظيف القانون الدولي كغطاء سياسي لتمرير قرارات عسكرية شديدة القسوة، وقد نجد انفسنا أمام مرحلة تستخدم فيها اسلحة محرمة دولياً داخل مسرح العمليات في الشرق الأوسط ، خاصة اذا تطورت المواجهة إلى حرب شاملة تقودها قوات تحالف دولي، وهو ما قد يمنح الولايات المتحدة غطاء سياسياً يخفف عنها اي إتهامات مباشرة لاحقاً.

وسط هذا المشهد شديد التعقيد، يبقى السؤال الاهم متعلقا بإمكانية تحرك مصر وتركيا وباكستان لمحاولة فتح مسار وساطة جديد يقنع إيران بالتراجع عن فكرة فرض رسوم على المضيق ، وبالتالي حرمان اسرائيل من تحقيق أهدافها القائمة على دفع المنطقة نحو انفجار شامل جديد.

الساعات المقبلة وحدها ستكشف الاتجاه الحقيقي للاحداث، لكن المؤكد ان ما يجري الآن لم يعد مجرد ازمة عابرة بين واشنطن وطهران، بل هو صراع دولي مفتوح قد يعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، ويحدد شكل النظام العالمي خلال السنوات القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى