مقالات

هل ينجح العالم الإسلامي في إقتناص فرصة التموضع التاريخي؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

ركزوا معي في هذه الفكرة ، لأن ما أقوله هنا قد لا يفهمه كثيرون من زاوية الأحداث اليومية ، بينما هو في الحقيقة يتعلق بمسألة أكبر بكثير من مجرد خبر سياسي أو أزمة عابرة. نحن أمام واحدة من تلك اللحظات التاريخية النادرة التي لا تتغير فيها الحكومات أو التحالفات فقط ، وإنما يتغير معها شكل النظام الدولي نفسه، وتُعاد فيها صياغة موازين القوة ، وتُحدد مواقع الأمم والدول لعقود وربما لقرون قادمة.

عندما أقول إن العالم دخل مرحلة انتقالية من نظام أحادي القطبية إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، فأنا لا أتحدث عن توصيف إعلامي عابر ، ولا عن منافسة مؤقتة بين واشنطن وبكين أو موسكو، وإنما عن تحول بنيوي في طبيعة توزيع القوة العالمية. النظام الذي تشكل تدريجياً بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي منح الولايات المتحدة موقعاً استثنائياً في النظام الدولي، وجعل واشنطن القوة الأكثر قدرة على التأثير في الاقتصاد والسياسة والأمن والتكنولوجيا والمؤسسات الدولية.

لكن هذا الوضع لم يعد كما كان. صعود الصين، واستعادة روسيا جزءًا مهماً من قدرتها الاستراتيجية، ومحاولة أوروبا بناء قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية، إلى جانب صعود قوى إقليمية أخرى، كلها مؤشرات على أن العالم يتحرك نحو توزيع أكثر تعقيداً للقوة.

وهنا تحديداً تكمن القضية التي أرى أنها أخطر من كل الأزمات السياسية التي نتابعها يومياً : أين يقف العالم الإسلامي داخل هذا النظام الجديد؟

فالقوى التي تتنافس على موقع متقدم في النظام الدولي لا تعتمد على حجم الدولة وحده ، وإنما على قدرتها على تحويل الحجم السكاني والاقتصادي والجغرافي والعسكري والتكنولوجي إلى قوة سياسية واستراتيجية متكاملة. الولايات المتحدة والصين وروسيا، وكذلك أوروبا باعتبارها كتلة سياسية واقتصادية كبرى ، تمتلك بدرجات مختلفة عناصر قوة تسمح لها بالتأثير في شكل النظام العالمي، ليس لأنها دول منفردة فقط، وإنما لأن وراءها منظومات ضخمة من الاقتصاد والتكنولوجيا والمؤسسات والتحالفات والأسواق والقدرات العسكرية.

أما العالم الإسلامي، فرغم امتلاكه واحدة من أكبر الكتل السكانية والجغرافية والاقتصادية والطاقة والممرات البحرية والمواقع الاستراتيجية في العالم، فإنه لا يزال يتعامل مع نفسه في معظم الأحيان باعتباره مجموعة دول منفصلة تتنافس فيما بينها، وليس باعتباره كتلة استراتيجية يمكنها تحويل عناصر قوتها المتفرقة إلى نفوذ عالمي.

وهنا يجب أن نكون واضحين: لا توجد اليوم، في تقديري، دولة إسلامية منفردة تستطيع أن تتحول بمفردها إلى قطب عالمي كامل بالمعنى الذي نتحدث عنه. المسألة ليست تقليلًا من شأن أي دولة، وإنما قراءة لواقع القوة في القرن الحادي والعشرين. العالم أصبح أكبر من أن تسمح موارده وتعقيداته لدولة متوسطة أو حتى كبيرة نسبيًا بأن تتحول بمفردها إلى قوة عظمى إذا لم تمتلك قاعدة حضارية واقتصادية وتكنولوجية وسكانية وجغرافية ضخمة للغاية.

ولهذا فإن الطريق المنطقي ليس إلغاء الدول القائمة أو تحويلها إلى دولة واحدة بالضرورة، وإنما التفكير في نموذج تعاون استراتيجي أكثر عمقاً ؛ نموذج يحافظ على سيادة الدول وخصوصياتها، لكنه يمنحها القدرة على التحرك في الملفات الكبرى باعتبارها كتلة واحدة. وهذا هو جوهر الفكرة الكونفدرالية التي تقوم على الاعتراف بوجود الدول واستقلالها، مع بناء مؤسسات مشتركة في المجالات التي لا تستطيع الدول منفردة أن تحقق فيها وزناً عالمياً حقيقياً.

لكن المشكلة أن التاريخ يخبرنا بأن العالم الإسلامي كثيراً ما أخطأ في قراءة التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل النظام الدولي.

ومنذ القرون التي بدأت فيها أوروبا في التحول من مجرد مجموعة ممالك متنافسة إلى منظومة أكثر تقدماً في العلوم والملاحة والاقتصاد والتنظيم السياسي والعسكري، كانت القوى الإسلامية الكبرى تستنزف نفسها في صراعات داخلية وإقليمية بدلًا من تحويل مواردها إلى مشروع مشترك لمواجهة التحولات القادمة.

ولعل المثال الأكثر وضوحاً هو الصراع الطويل بين الإمبراطوريات العثمانية والصفوية والمغولية، حيث استُنزفت موارد وقوى هائلة في صراعات لم تؤد في النهاية إلى بناء نظام إسلامي أكثر قوة، وإنما ساهمت في إنهاك القوى الكبرى نفسها، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتقدم تدريجياً في مجالات العلم والملاحة والتجارة والتصنيع والتنظيم العسكري.

المشكلة إذن لم تكن دائماً في غياب الموارد، وإنما في سوء إدارة الموارد ، وفي عدم إدراك اللحظة التاريخية.

انظروا إلى التحولات الكبرى التي مرت بها البشرية خلال القرون الماضية، وستجدون أن العالم الإسلامي كان يمتلك في مراحل كثيرة من التاريخ مقومات تسمح له بأن يكون طرفاً رئيسياً في تشكيل النظام الدولي ، لكنه غالباً دخل تلك التحولات متأخراً، أو منقسماً ، أو مستنزفاً في صراعات داخلية.

صعود أوروبا البحرية والعلمية بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر لم يكن مجرد تقدم جغرافي ؛ كان بداية انتقال مركز الثقل العالمي تدريجياً من مناطق إلى أخرى.

ثم جاءت معاهدة وستفاليا عام 1648 وما تبعها من تطورات سياسية في أوروبا لتؤسس تدريجياً لمرحلة جديدة في مفهوم الدولة والسيادة والعلاقات الدولية، بينما كانت القوى الإسلامية الكبرى تتعامل مع بيئة دولية تتغير بسرعة أكبر من قدرتها على التكيف معها.

ثم جاءت اللحظة التي انتقلت فيها أوروبا من مجرد قوة خارجية إلى قوة قادرة على نقل الصراع إلى قلب العالم الإسلامي نفسه، وكانت الحملة الفرنسية على مصر في نهاية القرن الثامن عشر أحد أكثر المؤشرات وضوحاً على التحول الذي حدث في ميزان القوة.

ثم جاءت الثورة الصناعية، وربما كانت واحدة من أعظم الفرص التاريخية التي ضاعت. فالثورة الصناعية لم تكن مجرد اختراع آلات جديدة، وإنما كانت انقلاباً كاملًا في مفهوم القوة. من امتلك الصناعة امتلك القدرة على إنتاج السلاح، ومن امتلك العلم امتلك التكنولوجيا، ومن امتلك التكنولوجيا امتلك الاقتصاد، ومن امتلك الاقتصاد استطاع أن يبني جيوشاً وأساطيل ومؤسسات قادرة على فرض إرادته.

وهنا بدأ الفارق الحضاري يتحول إلى فارق استراتيجي.

ثم جاء القرن التاسع عشر والقرن العشرون، ومعهما توسع الاستعمار الأوروبي وسقوط مساحات واسعة من العالم الإسلامي تحت الاحتلال، ثم تفكك الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى وسقوطها على مراحل.

ولم يكن ذلك السقوط حادثاً منفصلًا عن كل ما سبقه ، بل كان نتيجة تراكم طويل من التأخر في العلوم والصناعة والمؤسسات، والانقسام السياسي، والصراعات الداخلية، وعدم القدرة على بناء منظومة جماعية تتعامل مع التحولات الدولية باعتبارها تحدياً مشتركاً.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، وهي واحدة من أكبر عمليات إعادة توزيع القوة في التاريخ الحديث، وبعدها ولد نظام دولي جديد كانت مؤسساته وقواعده الكبرى تُبنى بعيداً عن قدرة معظم الدول الإسلامية على التأثير الحقيقي فيها.

ثم جاءت الحرب الباردة، فانقسم العالم بين قطبين رئيسيين، ودخلت دول العالم الإسلامي في كثير من الأحيان في لعبة الاستقطاب الدولي بدلًا من بناء قوة جماعية مستقلة قادرة على فرض مصالحها.

وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، دخل العالم مرحلة الهيمنة الأمريكية شبه المنفردة، وأصبح النظام الدولي أكثر أحادية من أي وقت مضى.

مرة أخرى، لم يستطع العالم الإسلامي أن يتحول إلى مركز قوة مستقل ، بل تحولت دوله بدرجات مختلفة إلى ساحات نفوذ وتنافس بين القوى الكبرى.

هذه ليست محاولة لإعادة كتابة التاريخ بهدف جلد الذات، وإنما محاولة لفهم نمط متكرر : كلما حدث تحول جذري في النظام الدولي، كان العالم الإسلامي حاضرًا جغرافيًا وديموغرافياً وموارداً، لكنه غائب نسبياً عن عملية صناعة القواعد التي تحكم المرحلة الجديدة.

والسؤال الآن : هل سنكرر الخطأ نفسه للمرة التالية؟

لأننا نعيش بالفعل مرحلة انتقالية جديدة.

النظام الأحادي القطبية الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يعد بنفس الصورة، والعالم يتحرك نحو توزيع أكثر تعدداً للقوة. لكن الانتقال بين الأنظمة الدولية ليس مرحلة مريحة أو آمنة بالضرورة؛ فهو غالباً أكثر الفترات خطورة، لأن القواعد القديمة تضعف قبل أن تستقر القواعد الجديدة.

وهذه هي اللحظة التي يجب أن يفكر فيها العالم الإسلامي بطريقة مختلفة تماماً.

المطلوب ليس إعلان حرب على أحد، وليس إنشاء محور ضد محور، وليس إلغاء سيادة الدول ، وإنما بناء منظومة تعاون استراتيجية تجعل مجموع الدول الإسلامية أكبر من مجموع أجزائها.

تخيلوا كتلة تمتلك هذا الحجم السكاني، وهذه المساحة الجغرافية، وهذه الموارد الطبيعية ، وهذه الممرات البحرية ، وهذه الأسواق، وهذه الإمكانات الاقتصادية، وهذه المواقع التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا ، ثم تخيلوا أن كل هذه العناصر تعمل وفق رؤية استراتيجية مشتركة.

النتيجة ستكون مختلفة جذرياً.

يمكن أن يبدأ التعاون من الاقتصاد، ثم الصناعة، ثم التكنولوجيا، ثم الأمن الغذائي والطاقة ، ثم البنية التحتية ، ثم البحث العلمي، ثم التنسيق الدبلوماسي ، وصولًا إلى بناء قدرة استراتيجية مشتركة في القضايا التي تمس الأمن الجماعي.

وهنا لا أتحدث عن حلم مثالي منفصل عن الواقع، بل عن سؤال براغماتي شديد الواقعية: إذا كانت الدول الكبرى نفسها تحتاج إلى التكتلات والتحالفات والأسواق المشتركة والمؤسسات الجماعية للحفاظ على نفوذها ، فلماذا يفترض أن الدول الإسلامية تستطيع أن تواجه القرن الحادي والعشرين منفردة؟

الأخطر من ذلك أن الفرص التاريخية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.

مرحلة التحول الحالية قد تكون واحدة من آخر اللحظات التي يستطيع فيها العالم الإسلامي التأثير في شكل النظام الدولي قبل أن تستقر قواعده الجديدة. فإذا استقرت موازين القوة، وتشكلت التحالفات، وتوزعت مناطق النفوذ، وبُنيت المؤسسات الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية الكبرى، فإن الدخول إلى النظام الجديد بعد اكتماله سيكون أصعب بكثير من المشاركة في صياغته منذ البداية.

وهنا تصبح المسألة أكبر من خلاف بين دولة وأخرى، أو خلاف مذهبي أو سياسي أو حدودي. تصبح المسألة مرتبطة بمستقبل أجيال كاملة.

قد يختلف الناس حول شكل الاتحاد، وحول آلياته، وحول الدول التي يمكن أن تقوده، وحول طبيعة المؤسسات التي يجب بناؤها، وهذا أمر طبيعي. لكن الخطأ الحقيقي هو ألا ندرك أصلًا أننا أمام لحظة تاريخية.

فالأمم لا تخسر فقط عندما تُهزم عسكرياً ، وإنما قد تخسر عندما تفشل في فهم اللحظة التي يتغير فيها العالم من حولها.

والتاريخ لا يرحم الدول التي تنتظر حتى تنتهي عملية إعادة توزيع القوة ثم تسأل : لماذا لم نكن جزءًا من صناعة النظام الجديد؟

لقد ضاعت فرص كثيرة في الماضي ، وبعض أثمانها ما زلنا ندفعها حتى اليوم.

أما الفرصة الحالية ، فلا ينبغي أن تمر كخبر عابر في نشرات الأخبار.

لأن القضية في جوهرها ليست : من سينتصر ، الولايات المتحدة أم الصين؟ أو روسيا أم أوروبا؟

السؤال الأهم هو : أين سيكون العالم الإسلامي عندما ينتهي هذا التحول؟

هل سيكون أحد الأطراف التي شاركت في صناعة النظام الدولي الجديد ، أم سيظل مجرد مساحة جغرافية تتنافس عليها القوى الكبرى؟

الفرق بين الاحتمالين قد لا يظهر خلال عام أو عامين، لكنه قد يحدد شكل المنطقة والعالم الإسلامي لعشرات، وربما مئات السنين.

ولهذا فإن القضية ليست مجرد سياسة خارجية، ولا مجرد تحالفات عسكرية، ولا مجرد مؤتمرات دولية.

إنها قضية تموضع تاريخي.

ومن لا يحسن التموضع عندما يتغير النظام الدولي، قد يجد نفسه مضطراً إلى العيش داخل نظام صنعه الآخرون.

وليس الجميع يفهم معنى هذه اللحظة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى