مصر والصين .. تحالف المصالح يتشكل في القاهرة : النيل مقابل تايوان ورسائل استراتيجية تتجاوز الاقتصاد

✍️ يوحنا عزمي
هناك شيء أكبر بكثير من مجرد زيارة رئاسية أو مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية يحدث الآن بين مصر والصين. ما جرى في القاهرة خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة العلاقة بين البلدين، وربما يؤشر إلى انتقالها من شراكة اقتصادية متنامية إلى مستوى أكثر عمقاً من التنسيق السياسي والاستراتيجي .
المشهد اللافت أن القاهرة وبكين تبادلتا رسائل شديدة الدلالة في ملفات تمثل، بالنسبة لكل طرف ، قضايا ترتبط مباشرة بمصالحه وأمنه القومي.
الرئيس المصري يؤكد مجدداً التزام القاهرة بمبدأ “الصين الواحدة”، ويعتبر تايوان جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الصينية، بينما تذهب بكين في المقابل إلى تأكيد أهمية نهر النيل بالنسبة لمصر، وحق القاهرة المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، مع التشديد على احترام القانون الدولي ومبدأ عدم التسبب في ضرر لدول حوض النيل.
وهنا تحديداً تبدأ القصة الحقيقية.
لأن المسألة ليست مجرد تصريحات دبلوماسية متبادلة ، وإنما تعكس قدراً من تقاطع المصالح بين دولتين تحاول كل منهما بناء شبكة أوسع من الشراكات الدولية في عالم يتجه بصورة متسارعة نحو تعدد مراكز القوة.
زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة جاءت في توقيت يحمل رمزية سياسية مهمة، بالتزامن مع مرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، وهي العلاقات التي ظلت تتطور تدريجياً منذ خمسينيات القرن الماضي، عندما كانت مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
لكن أهمية الزيارة الحالية لا تكمن في رمزيتها وحدها.
الأرقام تقول إن العلاقات الاقتصادية أصبحت بالفعل أحد أعمدة الشراكة بين القاهرة وبكين.
أكثر من 25 اتفاقية ومذكرة تفاهم جرى توقيعها أو الإعلان عنها في مجالات متعددة، تشمل توسيع التعاون والاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ، إلى جانب قطاعات مثل السيارات الكهربائية ، وبناء السفن، والطاقة المتجددة، وتحلية المياه، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بُعد، وسلاسل إمداد المعادن الحيوية.
وهذا التنوع في مجالات التعاون يكشف شيئاً مهماً جداً.
الصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقاً استهلاكية ضخمة فقط، وإنما باعتبارها منصة إنتاج ولوجستيات وتجارة يمكن أن تخدم أسواقاً أوسع في أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
وهنا تظهر قناة السويس باعتبارها حجر الزاوية في الحسابات الصينية.
فالموقع الجغرافي المصري يمنح بكين ميزة نادرة : وجود في قلب أحد أهم الممرات التجارية العالمية ، مع إمكانية استخدام مصر كنقطة انطلاق إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية في الوقت نفسه.
ولهذا فإن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ليست بالنسبة للصين مجرد مشروع استثماري عادي ، بل جزء من تصور أوسع للوجود الاقتصادي الصيني في المنطقة ، وامتداد عملي لمبادرة الحزام والطريق.
واللافت كذلك هو الاتجاه إلى توسيع استخدام الجنيه المصري واليوان الصيني في التعاملات التجارية والاستثمارية، بالتوازي مع تجديد اتفاقية مبادلة العملات وزيادة قيمتها.
وهذه الخطوة، وإن كانت لا تعني بأي حال أن مصر تتخلى عن الدولار أو تنتقل إلى منظومة مالية بديلة بالكامل ، فإنها تعكس اتجاهاً واضحاً نحو تنويع أدوات التمويل وتقليل الاعتماد على عملة واحدة في جزء من التجارة الثنائية.
وهذا الإتجاه أصبح أكثر أهمية في ظل التحولات التي يشهدها النظام الاقتصادي العالمي ، حيث تعمل الصين منذ سنوات على توسيع استخدام اليوان في التجارة الدولية ، بينما تحاول دول عديدة تنويع عملاتها وأدوات تسوية تجارتها الخارجية.
أما على المستوى التجاري ، فالصين أصبحت خلال السنوات الماضية أحد أهم شركاء مصر التجاريين ، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال عام 2025 نحو 20.79 مليار دولار وفق الأرقام المتداولة.
لكن الأهم من حجم التجارة الحالية هو اتجاهها.
فإذا استمرت الصادرات المصرية إلى الصين في النمو، ونجحت القاهرة في جذب مزيد من الاستثمارات الصينية في التصنيع والتكنولوجيا، فإن العلاقة قد تبدأ تدريجياً في التحول من نموذج يقوم أساساً على استيراد المنتجات الصينية إلى نموذج أكثر توازناً يعتمد على الإنتاج المشترك والتصدير من مصر إلى أسواق متعددة.
وهذا تحديداً هو الجزء الذي يجب مراقبته خلال السنوات المقبلة.
لأن الصين عندما تستثمر في مصنع داخل مصر لا تستثمر فقط في السوق المصرية، وإنما يمكنها الاستفادة من موقع مصر واتفاقياتها التجارية وشبكات النقل والموانئ للوصول إلى أسواق أخرى.
ومن هنا يصبح الاقتصاد جزءًا من الجغرافيا السياسية.
لكن وسط كل هذه الأرقام ، هناك فقرة سياسية في البيان المشترك تستحق التوقف عندها أكثر من أي اتفاق اقتصادي.
الصين تؤكد إدراكها للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر باعتباره شريان الحياة الرئيسي ، وتقر بحق مصر المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية ، مع الدعوة إلى التزام دول حوض النيل بالقانون الدولي، بما في ذلك مبدأ عدم التسبب في ضرر.
وفي المقابل ، تؤكد مصر التزامها بمبدأ الصين الواحدة ، وتعتبر تايوان جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الصينية ، وتدعم سيادة الصين ووحدة أراضيها.
وهنا تظهر معادلة سياسية شديدة الذكاء.
القاهرة تضع ثقلها السياسي خلف مبدأ تعتبره بكين من أهم ثوابتها الاستراتيجية ، وبكين في المقابل تعلن تفهمها لموقف مصر في واحدة من أكثر قضايا الأمن القومي حساسية بالنسبة للقاهرة.
لكن يجب هنا التمييز بين “دعم الموقف المصري” وبين “التعهد الصيني بالتدخل في أزمة سد النهضة”.
الصين لم تعلن تحالفاً عسكرياً مع مصر في ملف النيل، ولم تتعهد بخوض مواجهة مع إثيوبيا ، وإنما عبرت عن موقف سياسي وقانوني داعم لمبدأ حماية المصالح المصرية واحترام قواعد القانون الدولي.
وهذا في حد ذاته مهم، لكنه شيء مختلف تماماً عن الدخول في مواجهة مباشرة.
وبالمثل ، فإن موقف مصر من تايوان ليس جديداً ولا يمثل انقلاباً مفاجئاً في السياسة الخارجية المصرية.
القاهرة ظلت تاريخياً متمسكة بمبدأ الصين الواحدة، وهذا الموقف سبق النظام الحالي بسنوات طويلة ، وبالتالي فإن وضعه في البيان المشترك لا يعني بالضرورة أن مصر دخلت فجأة في محور صيني ضد الولايات المتحدة.
الأدق أن نقول إن القاهرة تعيد التأكيد على سياسة خارجية مستقرة، في الوقت الذي تستفيد فيه من التقارب المتزايد مع بكين لتوسيع هامش الحركة الاستراتيجية أمامها.
وهنا تحديداً يمكن فهم الصورة الأكبر.
مصر خلال السنوات الأخيرة لم تعد تريد أن تكون علاقاتها الدولية محكومة بمصدر واحد للسلاح أو الاستثمار أو التمويل أو الشراكات الاستراتيجية.
القاهرة تتحرك في اتجاه تنويع الشركاء : الصين ، روسيا ، أوروبا ، دول الخليج، الولايات المتحدة ، والهند وغيرها.
وهذا لا يعني بالضرورة أن مصر اختارت “المعسكر الشرقي” أو أنها تستعد للانفصال عن الغرب.
السياسة المصرية تبدو أقرب إلى محاولة بناء شبكة علاقات متعددة الاتجاهات، بحيث لا تصبح الدولة رهينة لطرف واحد في الملفات الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية.
وهذا هو الجزء الذي يجعل التقارب المصري الصيني مهماً بالنسبة لواشنطن.
ليس لأن القاهرة أصبحت حليفة للصين بالمعنى العسكري التقليدي ، وإنما لأن أي توسع صيني في مصر ، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة والاتصالات والموانئ وسلاسل الإمداد، يعني توسعًا نسبيًا للنفوذ الصيني في منطقة تعتبرها الولايات المتحدة شديدة الحساسية استراتيجياً.
ومن هنا يجب قراءة أي ضغوط أمريكية محتملة على القاهرة بحذر.
ربط كل إجراء أمريكي ضد مؤسسة مالية أو بنك مصري مباشرة بالتقارب مع الصين يحتاج إلى أدلة واضحة، ولا يكفي مجرد التزامن الزمني لإثبات وجود علاقة سببية.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن المنافسة الأمريكية الصينية أصبحت عالمية ، وأن واشنطن تنظر بحساسية شديدة إلى انتقال التكنولوجيا الصينية المتقدمة إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية ، خصوصاً في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي والحوسبة ومراكز البيانات والبنية التحتية الحساسة.
والأمر يصبح أكثر حساسية عندما نصل إلى ملف التسليح.
الحديث عن إمكانية حصول مصر على مقاتلات صينية متقدمة مثل J-10C أو J-35 يجب التعامل معه باعتباره ملفاً يحتاج إلى تأكيدات رسمية واضحة، وليس صفقة محسومة.
لكن مجرد وجود هذا المسار في النقاشات الاستراتيجية يكشف شيئاً مهماً.
القاهرة تريد توسيع خياراتها العسكرية والتكنولوجية وعدم الاعتماد على مصدر واحد للتسليح.
ولو تحولت بعض هذه الخيارات بالفعل إلى صفقات كبرى في المستقبل، فإن ذلك سيكون تطوراً مهماً في ميزان العلاقات العسكرية المصرية مع القوى الكبرى ، وسيستدعي بالتأكيد حسابات جديدة من واشنطن وتل أبيب.
لأن امتلاك مصر لمنظومات تسليح متقدمة من مصادر متعددة لا يعني فقط شراء طائرات جديدة ، وإنما يعني امتلاك هامش أكبر في اتخاذ القرار الاستراتيجي.
وهذا في النهاية هو جوهر المسألة.
القاهرة لا تبدو وكأنها تستبدل واشنطن ببكين، وإنما تحاول أن تجعل علاقتها بواشنطن أقل احتكاراً، وعلاقتها ببكين أكثر أهمية، وعلاقتها بموسكو وأوروبا ودول الخليج جزءًا من شبكة مصالح متداخلة.
وبكين من جانبها ترى في مصر دولة لا يمكن تجاهلها.
مصر تمتلك قناة السويس ، وأكبر ثقل سكاني في العالم العربي ، وموقعاً يربط أفريقيا بآسيا وأوروبا، وقوة عسكرية كبيرة، وتأثيرًا سياسيًا واسعاً في المنطقة.
لذلك فإن تعزيز العلاقة مع القاهرة يخدم الصين اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً في آن واحد.
أما بالنسبة لمصر، فالتقارب مع الصين يمنحها استثمارات وتكنولوجيا وأسواقاً وشريكاً دولياً قادراً على تقديم بدائل في قطاعات حساسة ، كما يمنحها ورقة إضافية في إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى.
وهنا نصل إلى النقطة الأهم:
ما يحدث بين مصر والصين ليس بالضرورة إعلاناً عن “تحالف جديد” بالمعنى التقليدي، لكنه بالتأكيد مؤشر على أن الشراكة بين البلدين تدخل مرحلة أكثر عمقاً.
الاقتصاد يفتح الباب، وقناة السويس تمنح العلاقة وزنها الجغرافي، والتكنولوجيا تضيف بعدها المستقبلي، والتنسيق السياسي يمنحها طبقة جديدة من الأهمية.
أما ملف النيل وتايوان، فهما يكشفان بوضوح أن القاهرة وبكين بدأتا تتحدثان بلغة المصالح المتبادلة، كل دولة تدعم المبادئ التي تتقاطع مع رؤيتها ومصالحها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تشكيل حلف عسكري مغلق.
والأهم من كل ذلك أن العالم الذي عرفناه خلال العقود الماضية يتغير.
لم تعد الدولة مضطرة بالضرورة إلى الاختيار الكامل بين واشنطن وبكين وموسكو، بل أصبح بإمكانها، إذا امتلكت القدرة السياسية والاقتصادية والجغرافية، أن تلعب على تعدد الشراكات وأن تبني لنفسها مساحة أكبر للمناورة.
ومصر، بحكم موقعها وقناة السويس وثقلها الإقليمي، تملك من الأوراق ما يسمح لها بمحاولة القيام بهذا الدور.
لذلك فإن زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد زيارة بروتوكولية أو مناسبة لتوقيع عشرات الاتفاقيات.
الأهم هو ما سيحدث بعد مغادرة الرئيس الصيني.
هل تتحول الاتفاقيات إلى مصانع واستثمارات حقيقية؟
هل يزيد حجم التصنيع والتصدير المصري إلى الصين؟
هل تدخل التكنولوجيا الصينية المتقدمة بصورة أوسع إلى السوق المصرية؟
هل تتطور الشراكة في قناة السويس إلى مستوى أكبر؟
وهل يتحول التنسيق السياسي بين البلدين إلى مواقف أكثر وضوحاً في القضايا الإقليمية والدولية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت زيارة القاهرة مجرد محطة مهمة في العلاقات المصرية الصينية، أم أنها بالفعل كانت نقطة بداية لمرحلة استراتيجية جديدة.
وفي كل الأحوال، هناك حقيقة واحدة يصعب تجاهلها:
مصر والصين لا تتحركان الآن في فراغ ، وإنما في عالم يتغير بسرعة، وكلما اتسعت المنافسة بين القوى الكبرى، زادت قيمة الدول التي تستطيع أن تحافظ على استقلال قرارها ، وتنوع شراكاتها ، وتحول موقعها الجغرافي إلى قوة سياسية واقتصادية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية ما يحدث في القاهرة.



