ابداعات

بعد منتصف الليل

المهند إسلام

كنّا قبيلةً واحدة من الأشباح،
لسنا ببشرٍ ولا جان،
مخلوقاتٍ هوائيةٍ شفافة،
ومع ذلك كان لكلٍ شكلهُ الخاص،
ملامحه الخاصة، حتى بصماتنا تختلف.
كما تختلفُ شخصياتنا.
كما تختلفُ شخصيتي، عن باقي قبيلتي.
نعيش وسط البشر،
نتغذى على عقولهم،
نخدعهم،
نخيفهم،
لنحصل على طعامنا.
وحين يتممُ أحدنا الثامنة عشرَ،
تبدأ قدرته على السيطرة على البشر،
مطاردتهم،
والتباسهم،
والعيشِ مكانهم لمدة أربعِ وعشرين ساعة.

كانت لقبيلتي قواعدُ صارمةٌ بعض الشيء،
لم يكن مسموحٌ لنا بالتفرق،
إلا حين قضاء الحاجات اليومية من الطعامِ غيره.
أي لا نجتمعُ في الطعام كجميع القبائل الأخرى.
لم يكن مسموحٌ لنا بعيشِ حياةٍ خاصة بنا، والإبتعاد عن القبيلة.
وإن حدثَ وافترقنا،
لم يكن مسموح لنا بالتأخرِ عن الحادية عشرَ ليلًا.
ولكن إن كنا معًا؟ نستطيعُ السهرَ حتى فجر أيامٍ عديدة.
أما عن واضع القواعد؟ فهو مجهول الهوية،
جدٌّ من أجدادنا القدامى،
وتبعتهم قبيلتي بالعمى،
من غيرِ تفكيرٍ فالأمر.

كان لكلٍ شكله وخصالٍ خاصة-كما ذكرتُ سابقًا-،
كنتُ أنا شبحًا بني،
ذا جسدٍ رفيع،
ذا عينينِ سوداوينِ ورثتهما عن والدتي.
عيدُ ميلادي الثامنَ عشرَ بعد عدة ساعات،
يجهز الجميع لحفلة صغيرة من أجلي،
وأرسلوني للمدينة أتنزه حتى انتهائهم،
لكنني لم آتِ إلى هنا،
الزمالك، القاهرة..
للتنزه،
أنا هنا للاحتفال،
والبحث عن ضحيتي الآدمية الأولى.

ذاكَ شابٌ هناكَ،
تشاجر مع والده منذُ قليل،
وهو الآن واقفٌ في شرفة غرفته،
مرتديًا بنطالًا قماشيٍ رمادي،
وسترةٍ بيضاء خريفية.
ملابس مريحة،
لسهرةٍ ليلية.
فريسةٌ مناسبة.

لم يتبقَ سوى القليل حتى يبدأ عامي الجديد،
وتفقدُ فريستي وعيها لمدة ٢٤ ساعة.
وتفقدُ قبيلتي الأملَ من إيجادي،
ويبدأ جدي الأكبر بتنفيذ تهديده للعاصي من العائلة،
هذا عندما يجدني.

ثلاث دقائق…
دقيقتان…
دقيقة…
ثانية…

لم أتمنَّ أمنية كما يحدثُ عادةً،
حققتها.
وأصبحتُ شخصًا لم أكنه من قبل.
وها أنا ذا،
أستعدُ لأربع وعشرين ساعة،
في استكشافِ مكانٍ لم أزره قط.
ولم يدفعني لذلك،
سوى قبيلتي.
تم فرض الإختلاف،
ليتم منعه.
لأعودَ لفرضه، مؤقتًا، لمدة أربع وعشرين ساعة.
وأسهرُ على ضفاف النيل،
أستمتعُ بشروق الشمس،
بالهواء،
الأحباء،
فيروز،
القهوة.
مشروب غريب، يعطي العقلَ لذةٌ كالسجائر.

ربما خالفتُ قبيلتي في يوم ميلادي،
ربما أتلقى عقابًا،
لكنني لن أعهد لهم عدم التكرار.
لأن وإن كان العالمُ خطرًا في الليل،
لالتزم البشرُ منازلهم.
ولأن خطئًا متوارثًا،
لا يجعلهُ دينًا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى