
بين ممرات المشفى وحيث أضواء النيون الباهتة، وصلت في حالة يُرثى لها، تترنح بين الأروقة لا تعلم ما بها، وتتعثر عديدًا من المرات وعيناها تزوغ حولها ولا تستقر على فرد.
لم تدرك أين هي وما حدث لها سوى أن جسدها مُثقل بالآلام وتخور قواه تباعًا حتى وجدت الأطباء والممرضات يجتمعون حولها لتقول بصوتها الخافت الذي يكاد يخرج من حلقها:
– انقذوا لاسي انقذوا لاسي إنها بحاجة إليكم أكثر مني.
تكررت كلماتها العديد من المرات كأنها صرخة أبت أن تُكتم داخلها، ثم سقطت مغشية عليها تاركة الغموض حولها وحول مصير لاسي المجهول.
3 مارس 1995
أثناء ظهر يوم بارد لا شمس مشرقةً فيه ولا وجود سوى للضباب الكثيف الذي لا ترى يدك من شدته، وصل ميلر إلى ضفة البحيرة الهادئة يتفقدها جيدًا بعدما أتاه اتصالًا تيلفونيًا من صيادون عثروا على جثة فتاة عارية.
الهواء الطلق رطبًا للغاية ولا يحمل معه سوى رائحة تلك الفتاة، والأشجار تقف أمام الهواء تأبى التحرك كأنها تقف حدادًا على فداحة تلك الجريمة.
حينما وصل، وجد أن الجثة قد تم انتشالها إلى البر ويتم فحصها من قبل الأطباء الشرعيين، مع أخذ البصمات بالمكان وتمشيطه جيدًا.
اقتربت سام من المحقق ميلر وكانت ملامحها خليطًا بين الارهاق والجدية المزعومة وقالت:
– محقق ميلر، لقد وصلت؟
أومأ لها ميلر وهو ينظر حوله ويتفحص المكان:
– نعم سام، ماذا حدث بالضبط؟
تنهدت سام وحاولت جمع شتاتها:
– لقد عثرنا على جثة هذه الفتاة عارية هنا في البحيرة وعليها بعضًا من آثار الدماء فتم انتشالها وحاليًا يتم فحصها…..لكن الغريب بالأمر أننا وجدنا ملابس الضحية متناثرة على أفرع الشجر المحيط بالمكان…. اعتقد أنها تعرضت للاعتداء.
نظر ميلر إلى الأشجار ليجد بعضًا من ملابس الفتاة معلقة، ثم عاد بنظره إلى الجثة التي يتم فحصها وقال بجدية:
– هل توصلتم لأية أدلة أخرى؟
– حتى الآن لا، الطبيب ماكدونالد يفحصها حاليًا وسيمدنا بالمعلومات اللازمة.
ذهب المحقق ميلر مع سام وبقية الفريق يتفحصون المكان جيًدا وكأنهم يبحثون عن خيط يقودهم إلى الحقيقة، ولكن بعد عدة دقائق بعدما أنهى الطبيب ماكدونالد فحصه للجثة ذهب إلى ميلر وقال بجدية:
– ظاهريًا قد تم الإعتداء عليها جنسيًا، ووجدنا بعضًا من الحمض النووي للمجرم لكن لن يفيدنا كثيرًا في التوصل للمجرم؛ لأنه السائل المنوي الخاص به….. ووجدنا بعض الدماء على ملابسها المنثورة على الشجر، يبدو أنها ضُربت بشدة وتم اغتصابها قبل أن تُلقى في البحيرة.
نظرت سام إلى ميلر واضافت:
– اعتقد أنه رمى الملابس على أفرع الشجر المحيطة لإشهار جريمته.
ليومئ ميلر برأسه مؤكدًا حديثها وقال:
– نعم، إنه يريد أن نعرفه ويعرف الجميع ما فعله، إنه يريد جذب الإنتباه.
ليضيف الطبيب ماكدونالد:
– سوف نأخذ الجثة إلى المشفى وسيتم تشريحها وسنُطلعكم بالنتيجة الأخيرة.
ميلر: حسنا طبيب ماكدونالد.
ثم نظر ميلر إلى سامي وتساءل:
– هل علمتم ما اسم الضحية، سام؟
– اسمها لاسي سميث تبلغ من العمر ستة عشر عامًا، هذا ما توصلنا إليه في التحريات الأولية، لكن أعتقد أن هناك شاهدة على هذه القضية؟
ليضيف ميلر بحماس:
– من هي؟
– فتاة تدعى كارول باغ وصلت أمس مستشفى العاصمة بآثار ضرب مُبرح على رأسها وكانت تردد انقذوا لاسي، اعتقد أن لها علاقة وثيقة بهذه الجريمة.
– شددي الحراسة عليها حتى تفيق من غيبوبتها، واطلعيني عن حالتها دومًا.
مر يومان ثقيلان على سام وميلر ومن بقسم الشرطة أجمع، ولم تسفر تحقيقات الشرطة عن أي دليل ملموس يقودهم إلى الجاني، كما فحصت الشرطة مكان الحادث مرارًا ولم تجد أي أثر، كما أن نتائج الطب الشرعي لم تأتي بجديد يُذكر.
في مكتب الرئيس الذي كان مليئًا بالتوتر، اجتمع المحقق ميلر وسام مع بقية الفريق من المحققين الذين تحمل وجوههم الإرهاق الشديد والتوتر، فالضغط عليهم متزايد مع كل ساعة تمر دون تقدم يُذكر.
بعد انتهاء الإجتماع شدد الرئيس على ميلر وسام منفردين قائلًا لهما:
– عليكما إيجاد الجاني بأسرع وقتٍ ممكن إن مدينتنا مُحافظة جدًا ومتشددة في عاداتها وتقاليدها، إذا لم يتم القبض على الجاني بأسرع وقت سيصيب الذعر نفوس المدينة، لا نريد ذلك ميلر.
ليقول ميلر بجدية:
– سأفعل كل ما بوسعي أيها الرئيس حتى أصل للجاني.
كانت كلمات الرئيس ذات وقع حاد على ميلر كأنها إنذارًا بالعواقب الوخيمة، لكن ميلر كان يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.
خرجا ميلر وسام من الاجتماع مُثقلين بالأعباء، لا يعلمان كيف سيفكران بحل هذه القضية.
– سام، هل هناك جديد بشأن كارول؟ قالها ميلر وهو يترقب الجديد بهذه القضية.
– لا إنها تفيق من نومها وتصرخ باسم لاسي وتشدد على إنقاذها.
– حسنًا، اجعلي الحراسة مشددة كما هي عليها وأعطي الحارس عليها جهاز تسجيل صغير يسجل ما تقوله، لا نعلم متى ستتحسن صحتها ونتمكن من استجوابها. قالها ميلر بعد تفكير عميق.
– لقد قمت بذلك بالفعل، لكنها لم تقل الكثير قالت بأنها وجدت شخصًا اعتدى على لاسي وعليها ولم تقل المزيد. قالتها سام بثقة.
– جيد جدًا، لا تضغطوا عليها، صحتها أهم من الاستجواب، سوف نعرف كل شيئ حينما تستعيد صحتها. قالها ميلر وهو يحمل بصيصًا من الأمل في حديثه.
بعد مرور أسبوع
كانت الأيام تمر على ميلر وسام كأنها دهرًا وكل يوم يحمل خيبة أمل جديدة، ويعودا إلى مكتبهما مثل كل يوم خائبي الوفاض، حتى قطع سكون الصباح اتصال هاتفي من المشفى.
ليأتي صوت الطبيب وهو مرتبك:
– أيها المحقق، لقد تم الإعتداء على ضابط الحراسة الخاص بكارول وهو الآن فاقدًا للوعي، ومع كل أسفي أقول بأن كارول فقدت ذاكرتها إثر اعتداء قوي عليها من شخص مجهول اقتحم المشفى وضربها على رأسها مرة أخرى.
كان الخبر كالصاعقة عليهما، ليندفعا ميلر وسام إلى المشفى مرة أخرى ليتفقدوا ما حدث وقلب القضية رأسًا على عقب واتخذت مجرى آخر أصعب من ذي قبل.
وصلا سويًا ليتفحصا حالة كارول الصحية، كانت على سريرها ذات وجه شاحب وعيناه تحدق في سقف الغرفة، ليسأل ميلر الطبيب:
– هل حالتها خطيرة أيها الطبيب؟
– لا إنها فقدت الذاكرة مؤقتًا، ولكن حالته ليست خطيرة. قالها الطبيب وهو يحاول طمأنتهم
– كم ستأخذ من الوقت في استرجاع ذاكرتها؟ سألت سام.
– ليس بالوقت الكبير، اعتقد انها ستستعيد ذاكرتها قريبًا، لا تقلقوا.
– كيف دخل الجاني إلى المشفى وغرفتها تحديدًا دون معرفة أحد منكم؟ قالها ميلر بشك.
– لقد كنت في غرفة العمليات ووليت الممرضة إيلينا حالتها، لكن إيلينا تضررت أيضًا من الجاني ولم تستطيع وحدها في المناوبة الليلية أن تتصدر له.
– هل يوجد كاميرات مراقبة هنا؟ قالتها سام بتساؤل.
– نعم، وتفقدتها بنفسي، لكن المجرم لم يظهر وجهه أبدًا لكنه قام بحركة غريبة لم أفهمها حتى الآن، تفضلا معي لتفقد الكاميرات.
ذهب كُلًا من ميلر وسام ويرافقهما الطبيب إلى غرفة التحكم بكاميرات المراقبة، وقلوبهم تترقب بأمل أن تكشف هذه الكاميرات وجه الجاني الذي كان يتلاعب بهم في كل خطوة يقتربا بها إلى الحقيقة.
في غرفة التحكم، جلس ميلر وسام والطبيب وأعينهم مثبتة على الشاشة التي تبث مشهدًا مرعبًا من تسجيل كاميرات المراقبة للمشفى، وجدوا المجرم كان مُلثمًا لا يُرى من وجهه شيئًا سوى السواد الحالك، كان خفيف الحركة في ممرات المشفى واقترب من غرفة كارول حيث كانت الممرضة إيلينا تخرج للتو من الغرفة وتحمل بين يديها الأدوية الخاصة بكارول، لكن لم تلبث إلا ووجدت المجرم انهال عليها بضربة قاضية ثم اعتدى بالضرب على الحارس الخاص بالغرفة الذي كان يقف متأهبًا لما توقع يومًا، لكنه سقط أرضًا وفاقدًا للوعي.
ليقتحم المجرم الغرفة حيث كانت كارول في سباتها العميقة، ليضربها على رأسها بعصى البيسبول مرة أخرى على إثرها فقدت الوعي، ثم رفع عينيه إلى كاميرا المراقبة بالغرفة مباشرةً، وشكّل رمزًا غامضًا بأصابعه ثم وضع يده على أذنه كأنه تلقى اتصال هاتفي ما ثم اختفى تاركًا خلفه الصمت والاستسلام.
قطعت ذلك الصمت الذي أطبق عليهم مشوبًا بالذهول، سام التي قالت بارتباك:
– ماذا يعني ذلك الرمز ميلر؟ هل يقصد أنه سيتصل بنا؟
ليومأ ميلر وهو ينظر بالشاشة وقال:
– إنه أول حرف من إسمي ووضعية يده على أذنه كوضعية الإتصال تشير إلى أنه سيتصل بي، أعتقد ذلك.
– اعتقدت ذلك لكن كنت انتظر تحليلك. قالها الطبيب.
– حسنًا ميلر، ماذا سنفعل الآن؟ قالتها سام بترقب.
– الوضع الآن خطر للغاية على كارول، إنها شاهدتنا الوحيدة. سنضع طاقم حراسة كبير لها مكونًا من عشرة أفراد من أكفأ ضباط الشرطة، كما سننتظر حين يتصل بنا الجاني. قالها ميلر بعدما تنهد بعمق وحاول جمع شتات أفكاره.
– هل تعتقد أنه سيتصل؟ قالتها سام بشك.
– نعم، إنه يريد أن نعرفه ونقبض عليه، هل نسيتِ طريقة إلقائه لملابس لاسي على الشجر؟ إنه يريد جذب انتباهنا إليه وأن ونعرفه، إنه يتحدانا. قالها ميلر بثقة.
– حسنًا سوف ننتظر، هلا ذهبنا حاليًا؟ قالتها سام.
– هيا.
ثم نظر إلى الطبيب وقال بامتنان:
– شكرًا لك أيها الطبيب على مساعدتك لنا، وأطلعنا على كل جديد يخص حالة كارول.
عاد ميلر وسام إلى مكتبهما خائبي الوفاض، لكن هذا المرة كان هناك خيطًا من الأمل يربطها بالجاني الغامض الذي يتلاعب بهما، وتاركًا وراءه المزيد من الأفكار والالغاز.
مر الوقت لكنه كان شديد البطء على ميلر وسام ولم يُسفر عن جديد بالقضية، وكأن الجاني لم يوجد في هذه الحياة.
كما أن نتائج الطب الشرعي لم تفيد بأي جديد، والتحقيقات المكثفة لم تزيد القضية إلا غموضًا، ولكن في تلك الأثناء تم القيام بجنازة مهيبة لـلاسي التي أصبحت قضيتها تهز الرأي العام في البلد بأكمله، حيث حولت المدينة الهادئة إلى ذعرًا فاجعًا، ومع كل ذلك كانت حالة كارول تتحسن مع الوقت ببطء، وبدأت تسترجع ذاكرتها لكنها ذكريات متفرقة لا تكفي لفك لغز ما حدث.
بعد مرور شهرين، وبينما كان الأمل قد تلاشى حدث استعادت كارول ذاكرتها بالكامل، حيث صدم ذلك الخبر ميلر وسام الذين بدا عليهما الأمل من جديد في هذه القضية.
ذهبا إلى المشفى مسرعين، حيث كانت كارول استعادت وعيها ولكن لاتزال عيناها شاحبة، لتتذكر تفاصيل ما حدث وقالت أمام سام وميلر بترقب:
– لقد كنت أنا ولاسي في حفل عيد ميلاد صديقتنا ثم عدنا إلى منزلي في الثانية عشرة مساءً، ولسوء حظنا لم يوصلنا سائق التاكسي إلى منزلي مباشرة، فاضطررنا إلى النزول والسير إلى منزلي مباشرة فقالت لاسي بأنها سوف تنام معي الليلة في منزلي.
توقفت كارول قليلًا وكأنها تستجمع قواها، لكن دموعها كانت تنزل غزيرًا بثقل على قلبها واضافت:
– قمنا بالسير مسافة طويلة قليلًا إلى المنزل حتى ظهر أمامنا فجأة شخصًا من العدم وأمسك أيدينا ودفعنا نحو مكانٍ مليء بالأشجار، أمرنا بخلع ملابسنا وكان ينعتنا بألفاظ خارجة، شعرت حينها أننا لن ننجو أبدًا، وجهت نظري نحو لاسي وجدتها خلعت ملابسها وجلست على الأرض تنظر إليه ببرود شديد مع بعض البلاهة كأنها تاهت عن العالم، حتى وجدت المجرم ترك العصا من يده التي كان يمسكها، وكان ذاهبًا تجاه لاسي، فقمت باستغلال الفرصة وأمسكتها وضربته بها على رأسه لكنه لم يتأثر، كما أنني قاومته كثيرًا حتى ضربني على رأسي بقوة ولم اتذكر أي شيئ آخر.
– ألم تتذكري ما نوع العصى التى هددكم بها؟ قالها ميلر بجدية
– إنها عصا البيسبول، أتذكرها جيدًا.
– حسنًا أكملي.
لتضيف كارول وهي مازالت مدمعة الأعين:
– قاومته كثيرًا حتى ضربني على رأسي بقوة ولم اتذكر أي شيئ بعد ذلك، سوى أنني استيقظت بعد فترة لا أعلم كم كانت، لم أكن بوعيي أبدًا، وظللت أترنح كثيرًا وأنا أبحث عن لاسي والمجرم، ولم أجد أثرًا لأي منهما، ولم أشعر بنفسي بعدها إلا وأنا بالمشفى، حتى أننى لا أعرف كيف وصلت وحدي إلى هنا.
– هل تتذكرين وجه الجاني؟ قالتها سام بفضول.
– نعم أتذكره جيدًا. قالتها كارول بثقة.
– حسنًا، سوف نُرسل لكِ لاحقًا رسامًا جنائيًا يساعدك على وصف شكله لنا، شكرًا لكِ مرة أخرى لقد اتعبناكِ كثيرًا اليوم.
كانت كارول تبكي بشدة وقالت بصعوبة:
– أريد حق لاسي من ذلك المغتصب، أريد أن أراه أسيرًا قريبًا.
– لا تقلقي كارول، سوف نقبض عليه في أسرع وقتٍ ممكن. قالها ميلر بضيق على حالها.
كانت كلمات ميلر الأخيرة هي الوعد الذي يتخلل أذنه طوال طريق عودتهما إلى قسم الشرطة. القصة بدأت أن تتضح لهما لكن الغموض مازال قائمًا، كأن الجاني هو من تعمد كل ذلك ليتلاعب بعقولهما.
في طريق عودة ميلر وسام إلى قسم الشرطة تحدثا بشأن القضية والمجريات الجديدة التي كانت تتصارع مع أفكارهما كعاصفة هوجاء، حيث كانت شهادة كارول رغم أهميتها لكنها لم تكن كافية لفك طلاسم هذا اللغز.
– اعتقد أن نظريتك خاطئة يا ميلر، عندما قلت أن الجاني سيتكلم. قالتها سام بتحدي.
– لا أنا على حق سام، سوف تري ذلك. قالها ميلر بثقة.
وصلا إلى القسم مرة أخرى، حيث كانت أضواء النيون الخافتة وسط الليل هي من زادت الأمر غموضًا أمام قسم الشرطة. توجها إلى مرآب السيارات حيث سيارة سام مركونة به في الظلام، ولم تكد سام أن تترجل من سيارة ميلر حتى وجدت على سيارتها شيئًا غريبًا لم يكن موجودًا قبل مغادرتهما، كان فوق سيارتها من الجهة الأمامية شاهد قبر صغير من الرخام يحمل اسم لاسي سميث وتاريخ وفاتها.
شعرت سام بالذهول والرعب بداخلها لتتراجع ببطء وهي تنظر إلى ميلر وتقول بالكاد الحديث يخرج من حلقها:
– انظر…. ميلر.
اقترب ميلر من سيارتها في تعجب، حتى وقعت أعينه على شاهد القبر، ليتلاشى معها تعجبه إلى رعبًا قائمًا وأن شاهد القبر ما هو إلا رسالة مبطنة التهديد لبداية أكثر رعبًا في تلك القضية.
داخل مكتب الرئيس الذي كان مشحونًا بالغضب العارم مما فعله الجاني، ليصرخ الرئيس ويضرب يده على المكتب بقوة وقال:
– ما فعله المجرم فاق كل التوقعات، كيف يظن نفسه بفاعل؟! كيف له أن يعتدي على حُرمة قبر الفتاة؟ هذا تدنيسًا لكل القيم.
كان الرئيس يشعر بالصدمة والاستنكار معًا، ففعل هذا المحرك لم يكن مجرد جريمة.
– إنه فاق توقعاتنا بكثير وتمادى أكثر من اللازم، لكن شهادة كارول أفادتنا كثيرًا، كما سنرسل إليها مارك رسامنا الجنائي. قالها ميلر الذي كان يقف متوترًا بعض الشيء.
اندهش الرئيس مما قاله ميلر وقال بتساؤل:
– هل تتذكر وجه القاتل؟
– نعم سيدي، قالت أنها تتذكره جيدًا. قالتها سام.
بدا على الرئيس علامات الارتياح ليتنهد بعمق وقال:
– هذا جيد جدًا، أرسل إليها مارك على الفور، وعند عودته سوف نُضيق بحثنا على الجاني، وعليكما استجواب حارس الجراچ والعمال على الفور، من المؤكد أنهم رأوا شكل المجرم.
كانت القضية قد بدأت تأخذ طريقًا جديدًا، ليستلم معها ميلر وسام من الرئيس قراراته النهائية وعادا إلى التحقيق مرة أخرى، وكلا منهما في عقله يحمل خطة جديدة.
بعد وقت، عاد مارك الرسام الجنائي ومعه لوحة تجسد وجه الجاني بدقة، ليجتمع مع الرئيس وميلر وسام وعرض عليهم الصورة
ليقول بدقة واحترافية:
– إنه في عقده الثالث، أبيض البشرة ووجهه رفيع وجبهته عالية.
– هل هذا وصفها الدقيق لملامحه؟ قالها الرئيس بترقب.
ليومئ مارك وقال:
– نعم أيها الرئيس.
– ميلر وسام، عليكما بإعلان الرسم في شوارع المنطقة وفي الإعلام أيضًا حتى يرى الناس شكله ويبدأوا بالتعرف عليه. قالها الرئيس بحسم.
– أعتقد أنه بعد الإعلان عنه سوف يتحدث معنا، حتى يتعرف الناس عليه. قالها ميلر وهو يبتسم بثقة.
– لماذا أنت تتحدث بثقة هكذا؟ مثلما قلت المرة الماضية، سوف يتصل بنا بُناءً على فيديو اقتحامه للمشفى. سألت سام بفضول.
لم يُكملا حديثهم حتى اخترق رنين الهاتف المكان، كأن القدر قد صادف تأكيد حدس ميلر، أجاب ميلر لكنه لم يستطع الرد من صدمة ما سمعه من صوتٍ بارد أجش يتحدث بسخرية:
– هل تعتقد بأنكم سوف تجدوني بهذه السهولة ميلر؟ أعتقد أنكم بدأتم تسيرون في الاتجاه الصحيح، وآسف كثيرًا على التأخير في محاولة معرفتي، لقد استمتعت كثيرًا الفترة الماضية.
صمت ميلر كأن الجاني قد قرأ أفكاره، ليشعر بصفعة هواء باردة كـ يد ألجمت عقله، لكنه شهر بالغضب الشديد وقال بصعوبة:
– هل بفعلتك هذه أنك سوف تنجو؟
– لا أيها المحقق، إنها مسألة وقت وسوف تجدوني، صحيح قل لي هل أعجبتك الهدية اليوم؟
شعر ميلر بالضيق من هذه الكلمة، ليفهم أن الجاني يشير إلى شاهد القبر على سيارة سام. ليشعر معها ميلر بأن نبرة صوته أصبحت حادة وقال بتهديد للمجرم:
– تظن نفسك بارعًا للتلاعب معنا، لكنك جبانًا للغاية، سأجدك مهما طال الوقت.
أغلق المجرم الخط سريعًا، ليترك ميلر في صدمة عميقة يتردد صدر كلماته على أذنيه،
حاولت سام تتبع مكان المكالمة لكن دون جدوى، لقد كان يتصل من هاتف عمومي، كما أن الشرطة رفعت البصمات من على أزرار الهاتف، لكنها لم تسفر بجديد.
عادا خائبي الوفاض مرة أخرى، لكن هذه المرة أدركا أنهما بصدد عدو ذكي للغاية لا يخشى الشرطة ويستمتع لما يفعله.
لم يلبث ميلر أن يستوعب صدمة المكالمة الأولى ليرن هاتفه مرة أخرى بذات الرقم المجهول من المجرم، ليرد بسرعة ونبضات قلبه كادت أن تخرج من حلقه، لكن أتاه صوت المجرم ببرود:
– حسنًا ميلر، لقد وجدت حالكم صعبًا للغاية، سوف أُطلعك على بعض التفاصيل الصغيرة، يوجد آثار عض على فخذ لاسي، إنها تعود لي، لقد كان طعمها لذيذًا جدًا.
شعر ميلر بالصدمة مما سمعه من هذا المجرم الذي تخطى حدود كلماته الشيطانية
– ماذا تظن نفسك بما تقول؟ هل تتفاخر بجريمتك أيها الحقير؟ صرخ بها ميلر بغضب شديد.
– نعم، سوف اتجول الليلة في المدينة وأبحث عن ضحيتي الجديدة، سأُطلعكم على التفاصيل في رسالة.
وأغلق الخط، تاركًا وراءه تعقد الأمور أكثر من اللازم، مع شعور ميلر وسام بالعجز والغضب.
تعقدت الأمور أكثر عند إعلان ذلك للعامة، فالخطر ما زال حيًا ويجوب في شوارع المدينة، وقد نفذ ما قاله بالفعل.
بعد مرور يومين، أبلغت سيدة عن شخصٍ غريب قام بكسر زجاج شرفة منزلها،
ليهرعا ميلر وسام إلى منزلها مسرعين ومترقبين لما حدث، لكنهما وجدا على مقبض الباب رسالة مُلصقة من الجاني تحمل توقيعه.
كانت الرسالة هي الاعتراف الصريح بقتل لاسي وعدة جرائم أخرى، لم اعترافًا بل كانت تفاخرًا بما فعل وتم تأييده ضد مجهول.
كانت خط يده أنيقًا للغاية، لكن كلماته كانت معادية لهذا الخط وتحمل الكثير من الغضب والمرض النفسي.
تم إرسال الرسالة للجهات المختصة لفحصها، على أمل أن تنكشف الخيوط الغامضة عن الجاني الذي يتلاعب بهم.
بعد مرور ثلاثة أيام، وبعد لحظات من اليأس تم تملكت قلوب ميلر وسام، جاء اتصال إلى ميلر مفاده:
– أيها المحقق، لقد وجدنا بصمات أصابع المتهم.
ذهب ميلر وسام سريعًا وباندفاع إلى المعمل الجنائي، حيث صاموئيل الذي كان ينتظرهما بجدية وقام بتحليل رسالة القاتل قائلًا:
– لقد وضع المجرم على الرسالة شريطًا لاصقًا وفي نهايته وجدت بصمة إصبع ليست كبيرة لكنها واضحة، لكن عندما بحثت عنها لم تتطابق مع قاعدة بياناتنا.
نظرت سام إليه بيأس وقالت:
– هذا يعود بنا إلى بدء القضية من جديد؟
– لا، هناك طرق عِدة سوف أقوم بفعلها، اتبعيني. قالها ميلر بثقة مع ابتسامة خفيفة.
نظرت سام فجأة إلى صاموئيل وقالت:
– صحيح صاموئيل، هل كان يوجد أثر عض على ركبة لاسي أثناء التشريح؟
– نعم، ولكن لمَ تسألين؟ قالها صاموئيل باستغراب.
– كنت أتأكد فقط. قالتها سام.
خرج سام وميلر من المعمل وكلًا منهما غارقًا بتفكيره بهذه القضية ذات الغرابة منذ الوهلة الأولى ولم يصلا فيها لأية نتيجة واحدة تدلهما على المجرم، ليخطر على بال ميلر خطرت فكرة سهلة للعثور على القاتل لكنها جريئة بعض الشيء، لكنها ستسفر بنتيجة تعينهم على الوصول.
وصلا إلى القسم واجتمعا بالرئيس الذي كان ينتظرها بلهفة ليكون على إطلاع بكافة المستجدات.
– ماذا تقول ميلر؟ هل جُننت؟ كيف سنفعل ذلك؟ قالها الرئيس بانفعال شديد وارتسمت على وجهه علامات الدهشة.
– صدقني أيها الرئيس، إن هذه الطريقة سوف تفيدنا كثيرًا وتُضيق علينا العثور على القاتل. قالها ميلر بتوسل.
– لكن هذه الطريقة سوف تأخذ وقتًا كبيرًا حتى تُنفذ. قالتها سام بتردد.
– لا، اتركا ذلك عليّ، لقد قمت بإعداد ذلك مُسبقًا. قالها ميلر بثقة.
– كيف؟ تساءل الرئيس بفضول.
– لقد تحدثت مع مسؤول في القيام بخطًا ساخنًا مُسجل عليه صوت القاتل، وسنطلب من الناس الاتصال على هذا الرقم حتى يصلوا إليه سريعًا ويتعرفوا على الصوت. قالها ميلر.
– أنت حقًا شيئ كبير يا ميلر. قالتها سام بإعجاب.
– متى سيتم تنفيذها؟ قالها الرئيس بفضول.
– غدًا.
– لا، من اليوم وعند تفعيل هذا الخط الساخن قم بالاعلان في كافة وسائل الإعلام ذلك. قالها الرئيس بحزم.
– حسنًا أيها الرئيس. قالها ميلر بفرح.
خرجا سام وميلر من الاجتماع وتتساءل سام مع وجود علامات الدهشة على وجهها وقالت:
– لكن كيف ارتكب القاتل هذا الخطأ ووجدنا بصمة إصبعه؟
– كل مُجرم مهما كان ذكيًا له نقطة ضعف، عند الإمساك بالشريط اللاصق مهما كنت حريصًا على عدم لمسه، لكنك ستلمس المنطقة الدبقة من بداية الشريط، ولفها على المقبض عدة مرات، حتى ترك بصمة إصبع واحدة. قالها ميلر بابتسامة خفيفة.
– هل فكرة الخط الساخن سوف تأتي بنتائج فعالة؟ سألت سام بترقب.
– نعم، لقد حسّنت جودة الصوت في المكالمات وسوف أقوم بتفعيل الخط حالًا. قال ميلر بثقة.
كانت خطوة ميلر الأخيرة جريئة بعض الشيء لكنها الملاذ الأخير الذي يقودهم إلى المجرم الذي حوّل حياتهم لجحيم.
بعد مرور شهر كامل على تفعيل الخط الساخن، كانت الأيام تمر ببطء شديد وكل رنين هاتف يحمل في طياته بصيص الأمل لكنها تحمل خيبة الأمل من جديد.
كانا ميلر وسام يراقبان الخط ومكالماته من العامة كل يوم ببطء، حتى جاء اتصال هاتفي من فتاة تُدعى سيلينا صوتها يحمل الخوف والتردد بعض الشيء لتقول:
– أيها الشرطي، لقد استمعت إلى صوت المجرم، أظن أنه يشبه صوت تيري ابني، لقد تأكدت من ذلك منذ قليل عندما جاء وتأكدت من إخوته مرة أخرى وقالوا إنه صوته.
كانت كلماتها كالصاعقة على ميلر وسام، ليقول ميلر بجدية:
– لكن كيف تُبلغين عن إبنك أيتها السيدة؟
تنهدت سيلينا بعمق وقالت:
– لقد عانى في طفولته من مرض عقلي، لقد كنت أخاف كثيرًا قبل أن يتزوج من سلوكه الغريب وغير المفهوم، كان يقوم بسلوكيات عنيفة مع إخوانه ويقول في النهاية هناك صوت داخلي يُملي عليّ ما أفعله وعندما أعود لوعيي لا أتذكر أنني قمت بذلك.
– ما هو عنوان منزله سيدتي؟ سأل ميلر.
– 58 مقاطعة تكساس.
شعرا الثنائي بحل لغز القضية ليذهبوا مسرعين إلى عنوان تيري، لكنهما لم يُلقيا القبض عليه؛ لأنه أنكر كل ما هو موجه إليه من تُهم، لكن تم وضعه تحت المراقبة لعدة أيام، ولسوء حظ الشرطة لم يقم بأي فعل غريب أو شاذ.
لكن الشرطة استدعته للإدلاء بما يعرفه، وأخذوا بصمة أصابعه وحمضه النووي، ليرفض تيري ذلك بشكل قاطع وجاء بمحاميه مع شروطه بأن لا يتم أخذ حمضه النووي، وأخذ بصمة أصابعه فقط.
وافقت الشرطة على ذلك وتولى الرئيس التحقيق معه، وأخذ بصمة أصابعه، كان ميلر وسام يقفان خلف الزجاج من غرفة خارجية، لمراقبة استجواب تيري.
لتسأل سام بشك:
– لمَ فعل ذلك ورفض أن نأخذ حمضه النووي؟
– إنه القاتل، أراهن على ذلك. قالها ميلر بثقة.
– لكنه لا يشبه الرسم نهائيًا. قالتها سام بحيرة.
– لا يهم، لكنه الجاني، لمَ رفض أن نأخذ حمضه النووى؟ ولمَ جاء بمحامٍ ليدافع عنه؟ هل تعتقدي أنه بريئًا كما يدّعي ويأتي بمحاميه معه ويختبئ خلفه؟ قالها ميلر لسام التي كانت تفكر كثيرًا في حديث ميلر الذي كان حقيقيًا لأبعد حد، لتومئ سام وأضافت:
– سوف أذهب لآخذ عينة من بصماته ليقارنها صاموئيل.
كان أملهم الأخير في كشف هوية القاتل هو ملاذهم الأخير، ليجدا بعد مرور بضع ساعات صاموئيل الذي كان يهرول مُسرعًا لسام وميلر اللذان كان يترقبا النتيجة بفارغ الصبر، ليقول صاموئيل بحماس:
– إنه الجاني، بصمات الاصابع متطابقة.
دُهش الجميع مما أُلقي على مسامعهم، كان حديثه كالصاعقة التي كشفت الحقيقة التي لم يتوقعها.
“تيري دايفر” هذا الشاب الهادئ الذي حاول إنكار جميع التهم والذي لم يُقدم على فعل غريب، قد تم حبسه على ذمة التحقيقات وبدأت خيوط الغز تتكشف تدريجيًا.
– ما هذا؟ أنا لم أشك بأن شخصّا مثله يقوم بهذه الجريمة، يبدو وديعًا جدًا، كيف ذلك؟ قالتها سام بدهشة وعدم تصديق.
– لا يغرّنك ذلك سام، فإنه مغتصب قاتل لعدة جرائم، لا يغرّنك ملامحه الوديعة، فكري بطريقة موت لاسي وغيرها. قال ميلر بمرارة.
– أنا أقول ما بداخلي فقط، إنه يستحق القتل مائة مرة. لتقول سام بغضب.
5 يوليو 1995
في قاعة المحاكمة، حيث كان الترقب هو ما يشحن الجو بالتوتر، تمت محاكمة تيري دايڤر على جرائمه السابقة، كما اعترف بكل ما هو موجه إليه من تهم، كما شهدت كارول باغ وأكدت أنه قاتل صديقتها والذي اعتدى عليهما.
انتهت المحاكمة بإيداع تيري دايڤر في مشفى للأمراض النفسية، بعد الكشف عن قواه العقلية وتبين أنه يعاني من فصام عقلي. كانت نهايته هي العدالة لكنها ليست النهاية.
بعد مرور سبعة أعوام، حاولت كارول باغ أن تنسى الماضي وتبدأ حياة جديدة بعيدة كل البعد عن كابوس تلك الليلة، لتتزوج وتعيش حياة هادئة وانجبت طفلة أسمتها “لاسي” تخليدًا لذكر صديقتها الراحلة.
في ليلة سعيدة هادئة على قلب كارول، وبينما كانت تشاهد ابنتها تلعب مع زوجها بيث، قالت كارول بحنان:
– عزيزي، سوف أنام قليلًا، اعتني بـ لاسي.
ثم صعدت إلى غرفتها، ولم تنم سريعًا، فأمسكت بمذكرتها وبدأت تكتب بتدفق:
“لم أصدق أنه مر سبع سنوات على ذلك الحادث، عندما أتذكره كأنه قد حدث بالأمس، لقد آلمني كثيرًا لكن المجرم نال عقابه، لقد اشتقت إلى لاسي كثيرًا، لم أكن أتوقع أننا سنفترق بهذا الشكل البشع، لقد اشتقت إلى ابتسامتها وتسكعنا سويًا، لكنني أراها في وجه ابنتي وفي اسمها أيضًا….سأزورك قريبًا يا لاسي. اشتقت لكِ عزيزتي)
أنهت كارول كتابة مذكراتها، لكنها سمعت صوتًا في الخارج لزوجها وابنتها، صوتًا يحمل في طياته رعبًا.
خرجت من غرفتها وقلبها ينبض بقوة، لتجد زوجها وابنتها غارقين بدمائهم، اكتملت صدمتها بسماع صوت بارد خلفها ساخرًا بعض الشيء، نظرت وراءها لكن لم تلقى سوى مصرعها بجانب ابنتها وزوجها، كأن القدر قرر أن يعيد ذكرى الكابوس مرة أخرى.
جلس على الأريكة أمام الجثث وهو يبتسم برعب،
لكنه وجد أن جثة كارول مازالت على قيد الحياة وتصارع من أجل البقاء، فقال وهو يقترب منها ببطء شديد ويبتسم بسخرية:
– هل ظننتِ أن بعد سجني بهذا المشفى العَفِن طوال هذه المدة، لن أجدك وأقتلك، إنه أنا تيري يا عزيزتي كارول.
…



