كنت أظن!

هاجر غاندي عبدالوهاب_سيدرا
تمضي الأيام، وتتبدل الروح، تبدأ التعلم من جديد، كيف تعيش، وكيف تتنفس؛ لكن شيئًا ما بداخلك يبقى عاجزًا عن التعلم، يقف عند أول لحظة لقاءك به.
وكنت أظن أن أقسى ما في الفراق هو الغياب، ثم اكتشفت أن الأقسى أن يبقى في الذاكرة كأنه لم يرحل.
يرحلوا حاملين أجسادهم، ولكنهم يتركون فراغًا يسكن التفاصيل، يندس في الأغاني، في صوت العصافير صباحًا، رائحة المساء، وفي وجوه ذكريات عابرة تعيد إلى القلب دهرًا من الأسى.
يؤلمني أكثر..
أنني لا أستطيع تجاوز ما مضى من قلبي كي أستريح؛ فأظل عالق بين قلبٍ يعلم أن لا طريق للعودة، وذاكرة تتصرف كل ليلةٍ، وكأنهم مازالوا على قيد الوصل.
قد لا يكون النسيان هو الشفاء دائمًا، بل يكون بأن تتذكرهم دون إنهيار جوفك، وأن تمرُّ ذِكراهم على دفترك دون أن ينزف حروف شوق لهم.
لقد فهمت مؤخرًا أن بعض الأشخاص كانوا فصلًا جميلًا من حياتي…
لا الكتاب كله.
ولكن أين نذهب بالذين بقوا في أرواحنا كشيءٍ لا يعرف الرحيل؟
نضعهم في خزانة من الفقد مليئة، ثم نمضي لا لأننا نسينا، بل لأن الحياة لا تطلب منا أن نُشفى بالكامل كي نعيش.
فبعض الغائبين لا يموتون فينا؛ ولكننا نحزن عليهم بصمت، ونكمل الطريق وفي عُقولنا قبورًا لا يزورها أحد.
وحين يرحل الأمان، نصبح نسخًا جديدة منا تحمل ندوبًا لا تُرى، ولكنها تُحس في كل خطوة، وفي كل اختيار، في كل لحظة خوف من أن نفقد جزءًا من روحنا مرة أخرى.
لهذا نحن يؤلمنا الفراق لا الذكريات؛ لأن الفراق لحظة، الذكرى فراقٌ يتكرر كلما تذكرنا.



