سواف

شريف جلال القصاص
خريف 2010…
داخل مقر الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة والجريمة المنظمة، بمدينة نصر، كان الممر مزدحمًا حين ظهر الرجل المقنّع، توقّف أحد رجال الاستقبال، ثم صاح:
– كيف سمحتم لهذا الرجل بالدخول؟
ارتفعت الأسلحة في لحظة، وتراجع المواطنون مذعورين.
– من أنت؟
رفع الرجل يديه ببطء، كان يرتدي قفازين، وفي يده بطاقة هوية، قال بهدوء، وبشيء من السخرية:
– سواف عماد عبد الكريم.
ساد الصمت، تبادلت العيون النظرات، بدا الاسم كأنه يحمل خبرًا لا يريد أحد سماعه، وفجأة لم يعد المقنّع رجلًا غريبًا؛ بدا لهم أشبه بشبح يحمل الموت معه.
قال سواف بصوت مرتفع:
– أريد مقابلة العميد وحيد الجرحي.
خرج وحيد من مكتبه، تلاقت عيناهما، لم يقل أيٌّ منهما شيئًا، ظل سواف رافعًا يديه، ثم خفضهما ببطء وأمسك بطاقته.
– سواف؟
ابتسم الرجل خلف القناع ولم يجب، ظل الصمت بينهما لحظة.
– عرفت أنني متهم بعدد من جرائم القتل… دون دليل.
لم يجب وحيد، كان ينظر إلى القناع، وسواف ينظر إلى عينيه.
– وماذا تريد؟
نظر إليه سواف لحظة، ثم قال:
– أنت من ينبغي أن ي…بُسأل.
صمت قليلًا، ثم أكمل:
– جئت لمقابلتك…
ثم أضاف، وهو يتجاوز نظرات الرجال والأسلحة الموجهة إليه:
– وحدك.
حدث هذا قبل عدة أشهر.
كان أول الأمر إصابته بمتحور من إنفلونزا الخنازير، واحتجازه في مستشفى التأمين الصحي، وعلى غير المعتاد طبيًا، تكررت إصابته، لم تمنع تسجيل جهازه المناعي الشفرة الوراثية للمرض من عودته، أخذ طبيبه المتابع لحالته عينة دم كاملة؛ لمعرفة السبب، وأعد له علاجًا خاصًا يخفف مضاعفات المرض المتكررة.
كان سواف يعمل في شركة تأمين كبرى، محققًا في المطالبات الكبيرة والاحتيال، لم يكن يؤمن بالانطباعات الأولى. بالنسبة إليه، البشر مساحات رمادية متغيرة، لهذا لم يكن يسأل عن صاحب المطالبة، بل كان يسأل سؤالًا واحدًا: هل يجب على الشركة أن تدفع له؟
كان يكره القصص الجاهزة، الأرملة قد تكون ممثلة بارعة، الابن المفجوع قد يحتال ليحصل على وثيقة التأمين، حتى الوثيقة الصحيحة قد تخفي شيئًا لا يظهر إلا عندما توضع بجوار وثيقة أخرى.
كان سواف يسكن مع ثلاثة شباب مغتربين، سليم وفاروق من المنوفية، وأمجد من الفيوم. جمعهم الإيجار، والتوفير في الكهرباء، ثم جعلت الأيام من الغرباء شيئًا يشبه العائلة.
في إحدى الليالي، تشاجر سواف مع سليم لأن الأخير شرب نصف زجاجة عصير كان قد تركها في الثلاجة، انتهت المشادة بالضحك، واكتشف سواف أن سليم يحتفظ بحلقات قديمة من «المحقق كونان» التي يحبها أيضًا، ولا يراها ترتبط بعمر محدد، امتد الحديث، ولأول مرة منذ زمن شعر سواف براحة حقيقية بعيدًا عن ثقل عمله ومرضه القديم.
في صباح اليوم التالي أصيب سليم بحمى وسعال، تحسن بعد يومين، ثم انتكس بعد أسبوع ودخل المستشفى، حيث تدهورت حالته التنفسية سريعًا.
زاره سواف، فابتسم سليم وقال:
– جئت تحقق معي في موضوع العصير؟
– جئت أسترده.
ضحكا، ثم تحول ضحك سليم إلى سعال.
في اليوم التالي مات سليم، ذهب الثلاثة لأداء اخر واجب تجاه صديقهم في السكن.
عاد سواف مساءً إلى الشقة، فتح الثلاجة، نظر إلى مكان زجاجة العصير طويلًا، ثم أغلقها،زوفي الصباح عاد إلى عمله.
في شركة الأصدقاء لمقاولات الهدم الميكانيكي، تصارع الإفلاس، كان كشف الحساب المطبوع يستقر بين مراد ومحاميه، الأرقام في أسفل الصفحة مرعبة، أغلق المحامي الملف بهدوء، وطوى ذراعيه:
– ديونك أصبحت أكبر من قدرتك على السداد.
ظل مراد، ذو الخامسة والستين، ينظر من خلف زجاج المكتب إلى الشارع المعتم.
– نستطيع أن نبيع بعض الأسهم؟
– البيع الآن خسارة محققة، والشيكات المرتجعة ستتحول إلى بلاغات قبل نهاية الأسبوع.
بلع مراد ريقه في توتر:
– والحل؟
فتح المحامي الملف مرة أخرى.
– لديك أصل واحد غير مرهون حتى الآن، وثيقة التأمين على الحياة.
لم تكن الوثيقة بالنسبة إلى مراد مالًا، بل شيئًا تركه لعائلته ليوم لن يكون فيه موجودًا، لم يخطر له يومًا أن يستخدمه هو، أخرج المحامي بطاقة بيضاء من درج مكتبه ودفعها إليه.
– هناك جهات تشتري الحقوق الاقتصادية في هذه الوثائق، تحصل على سيولة فورية، وتتولى هي بقية الالتزامات المتعلقة بها.
– وهل هذا قانوني؟
ابتسم المحامي ابتسامة قصيرة.
– هذه إعادة هيكلة للالتزامات، أستطيع ترتيب مقابلة معهم.
تردد مراد، لم يكن لديه كثير من الخيارات، كان يأمل أن يتجاوز الأزمة ويضع ما يتبقى من المال لزوجته وأولاده.
في الطابق التاسع من مقر أمان كابيتال، استقبل رمزي، مسؤول الاستثمار، مراد ومحاميه، استمع أكثر مما تكلم.
طلب الوثيقة، راجع قيمة التغطية ومدة سريانها والأقساط والمستفيدين، ثم أعاد النظر في بعض الصفحات.
-قيمة الوثيقة عشرة ملايين.
أومأ مراد.
– ونحن نستطيع أن نقدم أربعة ملايين.
قال المحامي:
– ومتى يمكن إتمام الإجراءات؟
رفع رمزي عينيه عن الوثيقة.
– خلال يومين إذا لم يظهر ما يمنع.
أعاد الملف إلى مكانه.
غادر مراد وهو لا يزال يفكر في الرقم، أما رمزي، فانتظر حتى أغلق الباب خلفهما، ثم أخرج من درج جانبي ورقة تحمل رقمًا، كان عليها اسم العميل، رفع الهاتف وأجرى اتصالًا.
في المركز الرئيسي لشركة التأمين الحديثة بمدينة نصر، كانت نوال، مديرة إدارة المراجعة الداخلية والالتزام، تراجع ملفات العمليات والمعاملات، كانت تعرف من الملفات أكثر مما يعرفه أصحابها؛ لأنها تعرف طريقها داخل الشركة: من البداية إلى النهاية.
بدأت تلاحظ شيئًا صغيرًا، بعض المطالبات الكبيرة كانت تتحرك بسرعة غريبة، لم تكن هناك مخالفة واضحة؛ الأوراق مكتملة، والتوقيعات صحيحة، والإجراءات، على الورق، سليمة، لكن شيئًا في ترتيبها لم يكن مريحًا، العديد من الوثائق قد خضعت لتغييرات، مستفيد جديد، زيادة في قيمة التأمين، وثيقة إضافية، نقل ملكية.
استدعت نوال مسؤولة مراجعة وتسوية المطالبات الكبيرة، نور أمجد، بعد توقيعها في سجل الحضور، وصعدتا معًا إلى مكتبها في الطابق السادس.
داخل أمان كابيتال، أجرى رمزي الاتصال:
– اسم العميل: مراد…
رقم الوثيقة؟
— …….
– قيمة التغطية؟
– عشرة ملايين.
– تاريخ الإصدار؟
— …
— الجانب الصحي؟
— …
— المستفيدين؟
جاءه الرد كاملًا، قرأ البيانات مرة واحدة، ثم قال:
— تمام.
أغلق الهاتف.
كان هذا الاتصال التاسع خلال الشهر، وانتهت الصفقات دون أن يثير الأمر اهتمام أحد، أما العمولة، فلم تكن تُدفع بصورة مباشرة، كانت تمر عبر بنود تسوية ومصاريف استشارية وخصومات تخص المستفيدين، كل شركة تحصل على نصيبها.
بعد يومين عاد مراد إلى أمان كابيتال ووقع العقد، أربعة ملايين جنيه، وصل التحويل إلى حسابه قبل أن يغادر المبنى، جلس في السيارة للحظات وأغمض عينيه.
في اليوم التالي وصل إلى محاميه تحويل مالي كبير تحت بند أتعاب استشارية.
في شركة التأمين، كانت نور، بينما تقف في المصعد، تراقب السيدة نوال، لاحظت منذ اللحظة الأولى أن مديرتها حضرت مبكرًا على غير عادتها.
قالت نوال وهي تضع الطعام على المكتب:
– أحضرت الإفطار. نتناوله قبل أن يبدأ الزحام.
جلست نور.
– خير يا أستاذة نوال؟
ابتسمت نوال.
– لا شيء، أردت أن نتحدث بعيدًا عن ضغط الشغل.
ترددت قليلًا، ثم سألتها:
– وكيف حالك مع سواف؟ متى يتم الزواج؟
ابتسمت نور.
-لم نحدد بعد.
– هل تحبينه؟
ترددت نور.
– لا أدري… لست متأكدة.
ثم أضافت:
– نحن مختلفان في كل شيء تقريبًا، ولا أعرف إن كان هو متأكدًا من مشاعره أصلًا.
فتحت نوال أحد الملفات أمام نور.
– لهذا طلبتك.
دفعت الملف إليها.
– انظري إلى هذه.
رفعت نور عينيها. لم يكن اسم أمان كابيتال هو الشيء الوحيد الذي أثار انتباهها، وقبل أن تسأل، رن هاتف نوال.
نظرت إلى الشاشة، ثم أغلقت الاتصال.
– نكمل فيما بعد.
لم يكن عمل سواف مكتبيًا بالكامل، في المطالبات الكبيرة بدأ يزور أصحاب الوثائق، أو عائلاتهم، أو الأطباء، كان ذلك يحدث عندما يجد شيئًا لا يستطيع التقرير أن يشرحه.
عندما وصل إليه ملف مراد، لم يكتفِ بالأوراق.
كان الملف يحتوي على تفاصيل جعلته يتوقف.
لم يكن هناك دليل على احتيال، مجرد شيء يستحق السؤال.
سأله مديره:
– لماذا ستذهب بنفسك؟
قال سواف:
– لأن الملف يحتاج إلى إجابة من صاحبه.
استقبله مراد في مكتبه في الهرم، وتحدث معه عن الوثيقة، وعن سبب بيعها، وعن علاقته بالمستفيدين. أراد سواف أن يخفف توتر الرجل، فلاحظ لوحة مقلوبة على جانب المكتب.
– لماذا؟
نظر مراد إليها لحظة.
– أنها لزوجتي وأولادي.
ثم ابتسم بمرارة:
– أخشى أن أنظر إليهم… أشعر إني خذلتهم.
أعاد سواف نظره إليه، قبل أن يغادر، سأله رغم أن الإجابة بدت واضحة:
– أنت متأكد إنك وقعت التنازل بإرادتك؟
ضحك مراد بحزن وهو ينظر إلى ظهر الصورة المعلقة.
– نعم.
أغلق سواف دفتر ملاحظاته، وخرج، كانت تلك الزيارة استثنائية، مثل زيارات أخرى قام بها في الأسابيع التالية.
بعد أسبوع، وصلت إلى العميد وحيد شكوى من أرملة مراد، كانت تتهم شركة التأمين بالتعنت في صرف قيمة الوثيقة، عشرة ملايين جنيه، وتقول إن الشركة أظهرت عقدًا يثبت تنازل زوجها عنها قبل وفاته.
فتح وحيد الملف، في البداية بدا الأمر نزاعًا مدنيًا، لكن شيئًا في التوقيت لم يعجبه، طلب عمل تحريات، ظهر اسم أمان كابيتال، لم يتوقف عنده، بحث عن حالات أخرى في العام المالي نفسه، كلها تشترك في شيء واحد تقريبًا:
وثائق تأمين كبيرة، تغييرات أو تنازلات قبل الوفاة، وأمان كابيتال تظهر في الخلفية، رفع وحيد رأسه عن الملفات.
طلب تحريات عن بعض الأسماء من أصحاب المناصب العليا في الشركتين، ووضع دائرة حول:
نوال…
نور…
سواف.
ثم سواف، توقف عند اسم سواف طويلًا، وطلب استدعاءه.
في نفس اليوم وصلت رسالة إلى سواف عبر الهاتف من طبيبه المعالج:
«أريد أن أراك قريبًا. الأمر لا يحتمل تأخيرًا.»
يتبع



