ابداعات

طفولة العرش

وائل الهاشمي

لم يكن الموت دائمًا نهاية الحكاية؛ أحيانًا يكون هو اللحظة التي تبدأ فيها الأسطورة.
تخيل أن تستيقظ ذات يوم لتجد نفسك ملكًا لإمبراطورية عظيمة، تحمل على رأسك تاجًا أثقل من عمرك، وجسدًا أنهكته الأمراض قبل أن يعرف معنى الحياة.
ملك لم يعش طويلًا، ولم يخض عشرات المعارك، ولم يترك خلفه سنوات طويلة من الحكم، ومع ذلك ظل اسمه حيًّا لألاف السنين.
مات شابًا لم يتجاوز التاسعة عشرة، لكن موته ترك وراءه لغزًا حير العلماء، وقبرًا أخفى واحدًا من أعظم كنوز التاريخ.

ولد طفل صغير في قلب واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ مصر القديمة.
لم يكن أحد يعلم أن هذا الطفل، الذي لم يحمل يوم ميلاده أي علامة على العظمة، سيجلس يومًا على عرش مصر، وسيصبح اسمه أشهر من أسماء ملوك عاشوا أطول منه بعشرات السنين.

كان توت عنخ آمون ابنًا لعصر مضطرب.
نشأ وسط صراعات سياسية ودينية حادة خلفها والده أمنحوتب الرابع.
لم تكن نشأته ملكية مرفهة بالكامل، بل حملت منذ اللحظة الأولى للولادة أعباء جينية وجسدية قاسية كانت نتيجة زواج الأقارب المباشر داخل العائلة الملكية.
كان يعاني من اعوجاج شديد في قدمه اليسرى، مما جعله يعرج وغير قادر على المشي دون الاستعانة بعكاز حيث وجد في مقبرته أكثر من 130 عكازاً مستعملاً.

وحين وصل إلى العرش، كان لا يزال طفلًا؛ لكن خلف هذا الوجه الصغير كان يختبئ ملك سيترك وراءه لغزًا أكبر من عمره نفسه.
وتغير اسمه من ( توت عنخ آتون ) إلى ( توت عنخ آمون ) في إشارة إلى عودة الدولة إلى عبادة آمون واستعادة التقاليد الدينية القديمة.
وعادت معه صورة مصر التي يعرفها التاريخ.

كما فعل والده أخناتون فقد تزوج من عنخ إس إن آمون، أخته غير الشقيقة، كجزءًا من تقاليد الأسرة المالكة آنذاك.
وقد أنجب الزوجان طفلين، لكن المأساة لم تتوقف عندهما؛ فقد عثر في مقبرته على مومياوين لجنينين، ويعتقد أنهما ابنتاه اللتان ماتتا وقت الولادة.
وعاش حياة ملكية تبدو من الخارج مليئة بالعظمة والذهب، لكن جسده كان يحمل قصة مختلفة تمامًا.
حتى داخل القصر الملكي، لم تكن الحياة ترحم هذا الشاب.

ثم جاء عامه الأخير.
لم يكن قد عاش بما يكفي ليعرف شكل الشيخوخة، ولا بما يكفي ليختبر الحياة خارج حدود القصر، ولا حتى بما يكفي ليعرف إلى أين كان يمكن أن تأخذه الأيام لو منحته الحياة فرصة أخرى.
كان جسده يحمل آثار أمراض وإصابات لم يكن يفهمها الطب كما نفهمها اليوم، وكان يمشي على الأرجح مستعينًا بالعصي.
أنتهت حياته بمرض الملاريا مع بعض الكسور في قدمه اليسري وانحناء في ظهره

وحين انتهت حياته، لم يخرج من العالم بصخب.
لم تسقط إمبراطورية بموته، ولم تتوقف الحروب، ولم يعرف الناس أنهم يودعون شخصًا سيصبح اسمه بعد آلاف السنين واحدًا من أشهر الأسماء في التاريخ.
أُغلقت عليه أبواب مقبرته، ودفن معه الذهب والأسرار.
وبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام.
ظل شاب في التاسعة عشرة من عمره نائمًا تحت الرمال، بينما العالم من فوقه يتغير بالكامل.
حتى جاء يوم يفتح فيه الباب من جديد، ومن خلف الظلام، خرجت إلى العالم واحدة من أعظم الروايات التي خبأتها مصر القديمة.
رواية فتى لم تمنحه الحياة وقتًا كافيًا؛ لكن الموت منحه خلودًا لم يكن يحلم به.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى