ابداعات

الرصاصة مازالت في جيبي

رحمة خميس

“بعض الأشياء لا تختفي لأننا نسيانها، بل تنتظر أن نتذكرها”.

أهرع كل صباح على صرخات المنبه الحادة، واستيقاظ صيحات السعي التي تهتف في عقلي العزيز، كي اذهب إلى عملي الممل وأقوم بما يُمليه لي مديري الفاشل ذو الوجه العابس، حتى أُحقق ما يُدعي بـ “التارجت”، وأحصل على “البونص” اليومي الذي يفوق ماهيتي الرديئة بأربعة أضعاف.

هل الأحزان مضحكة أم أنني أبيع من عمري بضع ساعات فائضة للحصول على البونص حتى يمتلئ جيبي، لكنه لم يعد يمتلئ بالمال فحسب.

هل يجب أن أهتم لذلك حقًا، أم للباردة الملساء التي تستقر في جيبي أينما ذهبت؟

لم أستخدم السلاح يومًا وأخشى رؤيته كثيرًا، ومع ذلك تستقر قطعة معدنية باردة منه جيبي كل ليلة، ولا مفر منها كأنها تعرف طريقها إلى معطفي أكثر مني.

تعددت طرقي القويمة والملتوية في التخلص منها،
تارةً في صندوق القمامة المقابل لمنزلي، وتارةً في مصرف المياة، وتارةً أغلقت عليها كيسًا بلاستيكيًا ووضعتها بداخل صندوقًا خشبيًا ثم في سلة المهملات، لكنها تعود إلى جيبي مرة أخرى، كأنها وجدت مستقرًا لبقية حياتها داخل معطفي المتهالك.

توقفت عن مقاومتها وعودتها لي كلما أبعدتها عن طريقي، لم يكن الأمر شجاعة مني، لكنه الشعور بالتعب الذي استنزف ما تبقى من فتات عقلي.

لكن ما الذي يحدث لعقلي الذي ما إن يخدشها بإظفره يتذكر معها شيئًا قد التفت عليه الأتربة؟

في مرتي الأولى عند خدش سطحها تملكني شعورًا باردًا وظهر معها وجه امرأة لم أعد أتذكر اسمها، لكنها كانت تعرف طريق قلبي حين عبثت بخصلات شعري المتطاير، لكنني تركتها تذهب من دون أن اسألها إلى أين؟

وبيت طفولتي الذي كانت رائحته طعام أمي الشهي الذي كان يملأ أرجاء البيت وغرفه، ورائحة الخبز الساخن من المخبز الذي كنت أمر بجانبه وأنا في عمر الزهور.

هل كانت تلمس ذكرياتًا سعيدة فقط؟

لا

لكنها لمست ذكرى مشاجرة قديمة مع صديق اختفى بمرور الدهر، لم اعتذر منه ولم يعتذر مني وأصبح الذنب هو الملاصق بيننا.

ثم أبي الذي كان يبغضني ولا يمدحني؛ لأنني لم أحقق إنجازًا يفتخر به أمام أصدقائه وأقاربه، لكنها ذكرتني به وهو يمسح على رأسي بحنان أثناء نومي ويريد أن يُعبر عما حفظه قلبه لكنه عجز عن ذلك.

حتى مع هذه الذكرى لم يكن أبي بريئًا، كانت السموم تخرج من حلقه كفوهة ثعبان أقعر كلما رآني، كان الصمت من قِبلي كثيرًا وكان السُمّ من لسانه يقطرُ ويعرف طريقه إلى أذني.

لذلك اتخذت قرارًا غيّر حياتي وأودى بي إلى ما أنا عليه الآن.

لكن الرصاصة لم تستقر في جيبي فحسب، ولم تتوقف عند حنينٍ جارف أفتقدته، بل غاصت في خلايا عقلي ذلك اليوم الذي قد دفنت تفاصيله، لينهار معها السد المنيع أمام الرصاصة التي قتلت شخصًا في ذلك اليوم.

حادثٌ منذ زمنٍ بعيد، كنت قد نسيت تفاصيله، وقد غار إلى جذور عقلي حيث النسيان، لكنني أراه الآن كأنه حدث بالأمس.

الرصاصة التي أزهقت الروح في ذلك اليوم، وكاد حينها قلبي أن يتوقف عن النبض عند تناثر الدماء حول عيناي.

لم أكن سوى طفل صغير قابع في الزاوية بعدما رأيت ذلك
ذلك المسدس وهو يُخرج الرصاصة من مهجعها إلى قلب ذلك الضحية.

“لا أريد العيش معك بعد الآن”
هذا ما قلته لأبي الذي كان يتنفس الحنق كالأكسجين بعدما سمع كلماتي. ليمسك مسدسه بعدما ظننت انتصاري الواهم، لكنه أطلق رصاصة لتخترق قلبه وتودي بي في الزاوية أنظر إليه وهو لم يكد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة وغادر عن هذه الحياة ظنًا منه أنني مُثقلًا بالذنب.

لكنها لم تستقر في قلبه فحسب، بل استقرت في جيبي حينها وحتى ذلك اليوم.

سافرت معي عبر الأزمان وعبر كل الأماكن، لتجد مستقرها في جيبي المهترئ.

يبدو أنها استقرت بعقلي، ومحت هذه الذكرى كل تلك السنوات، لأتذكرها الآن ومعها العديد من الذكريات المتداخلة السعيدة منها والسيئة، والتي تركت طابعًا مظلمًا كالجريمة التي محتها عبر السنوات وطافت على السطح اليوم.

لم أعد أراها الآن مجرد رصاصة ملساء تستقر جيبي فحسب، بل عجزي عن النسيان، ومجرمًا صامتًا قتل أباه.

نظرت إليها وهي على الطاولة مقابلة لي كأنها تنتظر مني ردًا، لكنها الطفل الصامت القابع بالزاوية ينتظر من يخرجه من ظلمته، ومن ذنبه. لم أفكر في ذلك الطفل حتى اليوم.

لكنني مددت يدي إلى أقلامي واوراقي عاقدًا العزم، اكتب هذه الكلمات الأخيرة قبل أن تجد الرصاصة مسكنها الأخير بداخل قلبي مثلما فعلت بذلك الشخص منذ زمن غابر.

( لم أقتل أبي…
بل قتل نفسه أمامي،
تناثرت دماءه حولي، وقلبي شهد انتحارًا في ريعان هدوئه.
لأنني قلت لا أريد أن أعيش مع قسوته الدائمة.
كأنه أرادني أن أتذكر ذلك المشهد طيلة حياتي وأندم على تضحيته.
لكنني لم أندم قط على رغبتي في النجاة،
بل نادمًا على اعتقادي تلك السنوات أن نجاتي جريمة.
لذلك الرصاصة…)

…..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى