هل الحرب تستهدف إيران وحدها؟ أم أن المعركة الحقيقية هي إعادة تشكيل المنطقة بأكملها؟

بقلم : يوحنا عزمي
حديث مثير للاهتمام نُسب إلى الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، مفاده أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغه، قبل اندلاع الحرب بنحو أسبوعين، بأن الأهداف الحقيقية للحرب لا تقتصر على توجيه ضربة لإيران، وإنما تمتد إلى إعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط على نحو أوسع.
وبحسب ما أورده كارلسون ، فإن من بين الأهداف المطروحة: إضعاف إيران بصورة كبيرة بما يعزز موقع إسرائيل إقليمياً ، وتقليص قوة ونفوذ دول الخليج، وصولًا إلى دفع الولايات المتحدة نحو تقليص وجودها العسكري في المنطقة، باعتبار أن استمرار هذا الوجود قد يمثل عائقاً أمام ترتيبات إقليمية جديدة.
هذه الرواية، بصرف النظر عن مدى دقة كل تفاصيلها وما إذا كانت تعكس بالفعل حسابات صانعي القرار الأمريكي أم أنها تعبير عن قراءة سياسية لكارلسون ، تفتح الباب أمام سؤال أكبر بكثير من حدود الحرب الحالية : ماذا لو كانت المعركة الحقيقية لا تستهدف دولة واحدة ، وإنما تستهدف شكل النظام الإقليمي بأكمله؟
وهنا أعود إلى فكرة سبق أن طرحتها أكثر من مرة، وناقشتها في مقالات سابقة، وهي أن النظر إلى الأحداث الجارية باعتبارها مجرد صراع بين طرفين أو ثلاثة أطراف قد يكون قراءة ناقصة للمشهد.
فالشرق الأوسط اليوم لا يعيش أزمة منفردة ، وإنما يعيش مرحلة انتقالية شديدة التعقيد تتداخل فيها الحسابات العسكرية والأمنية والاقتصادية والجيوسياسية ، وتتنافس خلالها عدة قوى إقليمية على النفوذ، بينما تحاول القوى الدولية إعادة صياغة حضورها ومصالحها في المنطقة.
والأخطر من ذلك أن الصراع بين القوى الإقليمية لا يعمل دائماً في اتجاه صعود طرف واحد، وإنما يمكن أن يؤدي ، في حال استمر منطق المواجهة المفتوحة، إلى استنزاف الجميع في وقت واحد.
وهنا تكمن المسألة التي أرى أنها تستحق التوقف أمامها بجدية.
عندما تدخل عدة قوى متقاربة في الوزن الاستراتيجي في صراع مفتوح على النفوذ ، فإن النتيجة لا تكون بالضرورة انتصار طرف وهيمنته على الآخرين. وفي كثير من الحالات تتحول المنافسة إلى سلسلة من الصراعات المتبادلة التي تستنزف القدرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية لكل الأطراف.
فإيران لديها أوراقها ونفوذها ، وتركيا لديها أدواتها ومصالحها، والسعودية تمتلك ثقلًا اقتصادياً وسياسياً كبيراً ، ومصر لديها ثقلها الجغرافي والاستراتيجي، وباكستان تمتلك قدرات عسكرية وبشرية وجيوسياسية مهمة، إلى جانب دول أخرى لا يمكن تجاهل أدوارها.
لكن المشكلة أن كل دولة من هذه الدول تتحرك ، في النهاية، باعتبارها دولة وطنية لها حساباتها ومصالحها وأمنها القومي.
ولهذا فإن فكرة أن دولة واحدة تستطيع أن تصبح القائد المنفرد للمنطقة، في ظل وجود عدة مراكز قوى متقاربة، تبدو أقرب إلى معادلة شديدة الصعوبة.
لأن محاولة أي طرف فرض هيمنته الإقليمية ستدفع الأطراف الأخرى بصورة طبيعية إلى تشكيل موازين مضادة له.
وهكذا يتحول صراع النفوذ إلى دائرة مغلقة :
طرف يحاول توسيع نفوذه، فتتحرك الأطراف الأخرى لاحتوائه، فيرفع الطرف الأول من مستوى تحركه، فتزداد إجراءات الاحتواء، ثم تدخل قوى دولية على الخط ، وتتحول المنطقة تدريجياً إلى مساحة استنزاف مفتوحة.
وفي هذه الحالة ، لا يكون السؤال : من انتصر؟
بل يصبح السؤال الأخطر: من بقي قادراً على الحفاظ على قوته بعد سنوات من الاستنزاف؟
وهنا أعتقد أن علينا أن نعيد التفكير في مفهوم القوة ذاته.
القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد عدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية. القوة أصبحت شبكة متكاملة من الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والممرات البحرية والقدرات الصناعية والأمن الغذائي والقدرة على التأثير السياسي والتحالفات الدولية.
ومن ثم فإن استنزاف أي دولة في حرب طويلة لا يعني فقط خسارتها عسكرياً ، وإنما يعني استنزاف قدرتها على بناء اقتصاد قوي، وتطوير التكنولوجيا، وتحقيق التنمية، والحفاظ على استقلال قرارها السياسي.
وهنا تحديداً تصبح فكرة الوحدة والتكامل بين دول العالم الإسلامي مسألة تتجاوز الشعارات التقليدية.
أنا لا أتحدث عن إلغاء الدول أو محو خصوصياتها الوطنية ، ولا عن قيام دولة واحدة مركزية تفرض إرادتها على الجميع.
بل أتحدث عن نموذج أكثر واقعية يقوم على التعاون المؤسسي والتنسيق الاستراتيجي ، وصولًا إلى صيغة كونفدرالية يمكن أن تحتفظ فيها كل دولة بسيادتها، بينما تتعاون الدول الأعضاء في الملفات الكبرى التي تمس الأمن والمصالح المشتركة.
نموذج يمكن أن يستفيد من بعض تجارب التكتلات الدولية، ومنها الاتحاد الأوروبي، ولكن دون نسخه حرفياً ، وإنما بناء نموذج يتناسب مع طبيعة المنطقة وخصوصياتها السياسية والاقتصادية والثقافية.
الفكرة الأساسية هنا بسيطة:
بدل أن تتحول دول المنطقة إلى أدوات في صراعات نفوذ متبادلة، لماذا لا تتحول مراكز القوة نفسها إلى عناصر قوة جماعية؟
بدل أن تستخدم السعودية ثقلها في مواجهة إيران، وإيران نفوذها في مواجهة السعودية ، وتركيا نفوذها في مواجهة أطراف أخرى، ومصر قدراتها في إطار حسابات منفردة ، يمكن بناء إطار مؤسسي يجعل هذه القوى تعمل ، في الملفات المشتركة ، ضمن منظومة واحدة.
ليس المطلوب أن تتفق هذه الدول على كل شيء.
بل المطلوب أن تتعلم كيف تختلف دون أن تتحول اختلافاتها إلى حروب مفتوحة.
وهذه نقطة جوهرية.
الوحدة السياسية لا تعني التطابق في المواقف.
الإتحاد الأوروبي نفسه يضم دولًا تختلف في مصالحها ورؤاها وسياساتها الخارجية، ومع ذلك توجد مؤسسات وآليات تسمح بإدارة الاختلاف بدل تحويله إلى صراع مدمر.
وهذا هو جوهر الفكرة التي أطرحها: إنشاء إطار أعلى للتعاون الإقليمي، قائم على التوافق والإجماع في القضايا المصيرية، مع الحفاظ على استقلال الدول وخصوصياتها الوطنية.
لأن البديل عن ذلك قد يكون استمرار السباق الحالي على النفوذ.
والمشكلة في هذا السباق أن كل طرف قد يعتقد في لحظة ما أنه يستطيع تحقيق مكاسب أكبر من الآخرين، بينما قد تكون المحصلة النهائية أن الجميع يخسرون جزءاً من قوتهم.
والتاريخ مليء بأمثلة على قوى إقليمية انشغلت بصراعاتها البينية، ثم اكتشفت بعد سنوات أن الفراغ الذي تركته تلك الصراعات ملأته قوى أخرى.
لذلك فإن المرحلة الحالية ليست مرحلة عادية.
العالم نفسه يمر بعملية انتقال من نظام دولي ظل لعقود قائماً على مركز ثقل واضح ، إلى نظام أكثر تعدداً في مراكز القوة.
وفي مثل هذه اللحظات الانتقالية، الدول التي تمتلك مشروعاً جماعيًا طويل المدى تستطيع أن تحجز لنفسها مكاناً في النظام الدولي الجديد ، بينما الدول التي تستهلك قوتها في صراعات داخلية وإقليمية قد تجد نفسها بعد سنوات أمام واقع مختلف تماماً عما كانت تتوقعه.
ومن هنا فإن القضية ليست : من سيقود الشرق الأوسط؟
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو:
هل تستطيع دول الشرق الأوسط أن تبني نظامًا إقليمياً لا يحتاج فيه أي طرف إلى قيادة الآخرين؟
لأن المنطقة لا تحتاج بالضرورة إلى قائد واحد.
ربما تحتاج إلى منظومة قوية من عدة مراكز قوة تعمل معاً.
وهذا هو الفارق بين الهيمنة والشراكة.
الهيمنة تفترض وجود طرف أعلى من الآخرين.
أما الشراكة فتفترض أن قوة الجميع يمكن أن تكون أكبر من مجموع صراعاتهم.
ولهذا أرى أن استمرار بناء النفوذ بالآليات الحالية ، القائمة على الاستقطاب والصدام ومحاولات الاحتواء المتبادل، يحمل خطراً حقيقياً على الجميع.
أما بناء إطار تعاون إقليمي واسع، يحفظ سيادة الدول ويمنع تحول المنافسة إلى حرب مفتوحة، فقد يكون أحد المسارات التي تستحق النقاش الجاد في هذه المرحلة التاريخية.
لقد قدمنا بالفعل تصوراً ومبادرة تقوم على هذه الفكرة، وتتضمن خريطة طريق واضحة للوصول إلى صيغة تعاون ووحدة أكثر مؤسسية.
قد يختلف البعض مع تفاصيلها ، وهذا أمر طبيعي.
لكن ما لم يعد طبيعيًا هو أن نستمر في التعامل مع المنطقة باعتبار أن كل دولة تستطيع منفردة أن تحسم معركة النفوذ لصالحها.
ففي عالم تتزايد فيه مراكز القوة ، قد لا تكون القوة الحقيقية في أن تصبح الدولة أقوى من جيرانها، وإنما في أن تجعل جيرانها جزءاً من قوتها.
وهنا ربما تكمن الفرصة التاريخية.
إما أن تنجح دول المنطقة في تحويل تناقضاتها إلى صيغة تعاون جديدة تضمن لها مكاناً مستقلًا في النظام الدولي المتعدد الأقطاب، وإما أن تستمر في استنزاف بعضها البعض، بينما يعاد رسم خريطة النفوذ من حولها.
والتاريخ، في النهاية، لا يرحم الدول التي تعجز عن فهم اللحظات الانتقالية الكبرى.
وربما تكون اللحظة الحالية واحدة من أكثر تلك اللحظات حساسية في تاريخ المنطقة الحديث.



