مقالات

إعادة تموضع أم استراتيجية مواجهة؟.. خريطة الانتشار العسكري الأمريكي والإسرائيلي في الشرق الأوسط

بقلم : يوحنا عزمي

هل يمكن أن يكون الانسحاب الأمريكي من العراق، كما يبدو في ظاهره ، مجرد خطوة عسكرية لتقليص الوجود الأمريكي، أم أننا أمام إعادة صياغة أوسع لخريطة الانتشار العسكري الأمريكي والإسرائيلي في الشرق الأوسط؟

هذا هو السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه عند قراءة مجموعة التطورات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة، لأن التعامل مع كل حدث بصورة منفصلة قد يقود إلى استنتاجات مضللة، بينما جمع هذه الأحداث في سياق واحد يكشف عن صورة استراتيجية أكثر تعقيداً.

فخلف الأخبار المتفرقة عن القوات الأمريكية ، والتحركات الإسرائيلية في الجبهتين السورية والبحرية، وإعادة ترتيب أوضاع الفصائل المسلحة العراقية، تبدو المنطقة وكأنها تمر بمرحلة إعادة توزيع للأدوار والمساحات والمخاطر، وهي عملية لا تعني بالضرورة أن حرباً شاملة أصبحت وشيكة ، لكنها تعكس بوضوح أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعيدان النظر في الطريقة التي يمكن من خلالها إدارة الصراع مع إيران وحلفائها، خصوصاً في ظل صعوبة اللجوء إلى مواجهة برية مباشرة داخل الأراضي الإيرانية.

وإذا صحت التقارير المتداولة عن نشر آلاف الجنود الأمريكيين في إسرائيل للمساعدة في تشغيل منظومات الدفاع الجوي وتعزيز قدرات الحماية، فإن هذه الخطوة لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها إجراء دفاعياً بحتاً. ففي الحسابات العسكرية ، حماية العمق الإسرائيلي من الصواريخ والطائرات المسيرة تعني في الوقت نفسه توفير قدر أكبر من حرية الحركة للقوات التي قد تدخل في عمليات هجومية ، لأن تقليل المخاطر على الجبهة الداخلية يصبح جزءًا أساسياً من القدرة على خوض مواجهة أطول وأكثر اتساعاً.

وفي السياق نفسه، تأتي التحركات الإسرائيلية في المجال البحري، بما في ذلك تعزيز أسطول الغواصات ، باعتبارها مؤشراً على أن إسرائيل تنظر إلى البيئة البحرية باعتبارها امتدادًا مباشرًا للمواجهة الإقليمية. وعندما يرتبط الحديث الإسرائيلي بممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، فإن الرسالة الأهم ليست بالضرورة أن المواجهة ستنتقل غداً إلى هذا المضيق، وإنما أن إسرائيل والولايات المتحدة تنظران إلى أمن الملاحة والطاقة والممرات البحرية باعتبارها عناصر أساسية في أي مواجهة مستقبلية مع إيران.

لكن التطور الأكثر إثارة للاهتمام ربما يتعلق بالعراق وسوريا، لأن هذين البلدين قد يتحولان ، في حال اتساع الصراع، إلى مساحة جغرافية بالغة الأهمية في معادلة المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل وإيران.

العراق تحديدًا يمتلك موقعاً جغرافياً يجعله نقطة عبور محتملة بين إسرائيل وسوريا وإيران ، ولذلك فإن أي تغيير في وضع الفصائل المسلحة الموالية لإيران داخل الأراضي العراقية ستكون  له انعكاسات تتجاوز حدود الدولة العراقية نفسها. وإذا صحت المعلومات المتعلقة بموافقة عدد من الفصائل على تسليم أسلحتها للدولة ، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمصير تلك الفصائل، وإنما بما إذا كان العراق يتجه تدريجياً إلى تقليص المساحات التي يمكن أن تستخدمها أطراف إقليمية في إدارة صراعاتها بالوكالة.

وهنا تظهر المفارقة.

فقد يبدو الانسحاب الأمريكي من بعض المواقع العراقية وكأنه تراجع في النفوذ العسكري الأمريكي، لكن الانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة انسحاب النفوذ السياسي أو التخلي عن القدرة على الضرب. بل يمكن، في بعض الظروف، أن يكون إعادة تموضع تسمح للقوة الكبرى بتقليل تعرض جنودها للهجمات المباشرة ، مع الاحتفاظ بقدرتها على استخدام القوة الجوية والصاروخية من مسافات بعيدة.

وهذا هو الفارق الذي يجب ألا يغيب عن التحليل.

فالوجود العسكري الأمريكي في العراق وسوريا ظل لسنوات هدفاً مباشراً لهجمات الفصائل المسلحة ، وكلما بقيت القوات الأمريكية على الأرض بقيت هناك نقطة احتكاك يمكن استهدافها، وبالتالي تصبح حماية الجنود والمنشآت الأمريكية عاملاً يقيد حرية الحركة العسكرية.

أما تقليص هذا الوجود ، فقد يعني في أحد السيناريوهات الانتقال من نموذج “القوات على الأرض” إلى نموذج “القوة من خارج نطاق الخطر المباشر”.

وهذا النموذج ليس جديداً في العقيدة العسكرية الأمريكية، فالقوة الجوية ، والاستخبارات ، والأقمار الصناعية ، والطائرات المسيرة، والصواريخ بعيدة المدى، والقواعد المنتشرة في دول حليفة، كلها تسمح بإدارة عمليات عسكرية دون الحاجة إلى نشر أعداد كبيرة من القوات في مناطق شديدة الخطورة.

ومن هنا يمكن فهم أهمية العراق بالنسبة إلى أي مواجهة محتملة مع إيران.

فإيران ليست دولة يمكن التعامل معها عسكرياً بالطريقة نفسها التي يمكن التعامل بها مع جماعة مسلحة أو دولة صغيرة محدودة العمق الجغرافي. إيران تمتلك مساحة شاسعة ، وتضاريس معقدة، وسلاسل جبلية ضخمة ، وعلى رأسها زاجروس، فضلًا عن امتداد ساحلي واسع ومجموعة من المنشآت العسكرية والصاروخية المنتشرة على مساحات كبيرة. ولذلك فإن أي عملية برية واسعة داخل الأراضي الإيرانية ستكون مختلفة تماماً عن الضربات الجوية المحدودة ، وستحمل تكاليف ومخاطر عسكرية وسياسية هائلة.

ومن هنا تظهر فكرة “نقل المعركة” إلى خارج الأراضي الإيرانية.

ليس بالضرورة بمعنى احتلال أراضٍ عراقية أو سورية، وإنما بمعنى استخدام المجال الجغرافي المحيط بإيران لإدارة عمليات عسكرية واستخباراتية وضربات جوية بعيدة عن العمق الإيراني المحصن.

وفي هذه الحالة تصبح سوريا والعراق أكثر من مجرد مسرحين ثانويين للصراع، إنهما قد يتحولان إلى مناطق ذات أهمية عملياتية، خصوصاً إذا استمرت إسرائيل في تعزيز مواقعها وتحسين خطوطها الدفاعية والهجومية بالقرب من الجولان.

أما ما يُتداول بشأن إنشاء تحصينات وخنادق وسواتر داخل الأراضي السورية ، والذي يُشار إليه في بعض الخطابات باسم “خط سوفا 35″، فينبغي التعامل معه بدقة بعيداً عن المبالغة. فالمعنى الاستراتيجي لأي تحصينات إسرائيلية جديدة في تلك المنطقة يرتبط بالسؤال الأوسع : هل تسعى إسرائيل إلى إنشاء نطاق أمني متقدم يحمي حدودها، أم أن هذه التحصينات تمثل جزءًا من إعادة تشكيل منطقة عازلة أعمق تسمح لها بحرية حركة أكبر؟

والفرق بين الاحتمالين كبير.

إذا كان الهدف دفاعياً بالأساس ، فإن التحصينات تعكس محاولة لتثبيت خطوط السيطرة ومنع الهجمات المباشرة. أما إذا ارتبطت هذه التحصينات بتوسيع نطاق الانتشار العسكري داخل الأراضي السورية، فإنها تصبح جزءًا من عملية إعادة تعريف للحدود الأمنية الفعلية لإسرائيل، بحيث لا تعود الحدود السياسية وحدها هي التي تحدد عمقها الدفاعي.

وهنا تصبح حالة الضعف الداخلي في سوريا عاملًا بالغ الأهمية.

فكلما تراجعت قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة على أراضيها، أصبحت المناطق الحدودية أكثر عرضة لأن تتحول إلى مساحات نفوذ متنافسة، سواء من جانب إسرائيل أو إيران أو تركيا أو الولايات المتحدة أو قوى محلية مختلفة. وفي مثل هذه البيئات، لا تحتاج القوى الإقليمية والدولية دائماً إلى إعلان السيطرة رسمياً ، يكفي أحيانًا أن تفرض واقعاً عسكرياً جديداً على الأرض.

وهذا يقودنا إلى القضية الأكبر : هل نحن أمام خطة أمريكية ـ إسرائيلية واحدة متكاملة؟

من الصعب الجزم بذلك ، لأن المنطقة تضم أطرافاً متعددة، ولكل طرف أهدافه وحساباته الخاصة. لكن من الممكن ملاحظة وجود تقاطع واضح بين عدد من التحركات: تقليص المخاطر على القوات الأمريكية ، تعزيز الدفاعات الإسرائيلية ، تطوير القدرات البحرية، مراقبة الممرات الاستراتيجية ، الضغط على الفصائل المسلحة في العراق ، وتثبيت مواقع إسرائيلية متقدمة في الجنوب السوري.

هذه التحركات لا تعني تلقائياً أن قرار الحرب قد اتُخذ، لكنها تعني أن الأطراف المعنية تستعد لسيناريوهات أكثر خطورة مما كانت عليه في السابق.

وهنا تحديداً يجب الحذر من قراءة الإنسحاب الأمريكي من العراق باعتباره “هروباً” أو “تراجعاً” بالمعنى التقليدي. فالقوة الكبرى قد تنسحب من منطقة لأنها لم تعد بحاجة إلى الوجود المباشر فيها، أو لأنها تريد تخفيض تكلفة حماية قواتها ، أو لأنها تستطيع تحقيق أهدافها من خلال وسائل أخرى أكثر مرونة وأقل تعرضاً للخطر.

وفي المقابل ، فإن إعادة انتشار القوات ليست دليلاً قاطعاً على أن الحرب قادمة أيضاً.

السياسة العسكرية ليست دائماً مقدمة مباشرة للحرب، وإنما هي في كثير من الأحيان وسيلة لتحسين شروط التفاوض والردع وإدارة المخاطر.

ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس : هل ستندلع الحرب؟

بل: إذا اندلعت ، فأين ستكون ساحتها الأولى؟

وهنا تبدو الإجابة أكثر تعقيداً من مجرد القول إن إيران ستكون الهدف المباشر.

فقد تبدأ المواجهة في العراق ، أو سوريا ، أو البحر الأحمر ، أو الخليج ، أو عبر ضربات متبادلة بواسطة وكلاء إقليميين، قبل أن تنتقل إلى مواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل أو الولايات المتحدة. وقد يكون الهدف من هذا النوع من العمليات استنزاف قدرات الخصم وإجباره على كشف مواقعه ونقاط قوته وضعفه قبل الانتقال إلى مستوى أكثر مباشرة.

ولهذا فإن ما يحدث في البحر الأحمر، والتوترات بين السعودية والحوثيين، والتحولات الجارية في القرن الأفريقي، والصراع على الممرات البحرية، لا ينبغي بالضرورة التعامل معه باعتباره ملفات منفصلة تماماً. صحيح أن لكل أزمة أسبابها المحلية والإقليمية، لكن الجغرافيا الاستراتيجية تجعل هذه الأزمات مترابطة من حيث تأثيرها على خطوط التجارة والطاقة والانتشار العسكري.

أما روسيا والصين وأوروبا، فمن الصعب استبعادها من هذه المعادلة، لأن أي اضطراب واسع في الشرق الأوسط لن يبقى محصوراً في المنطقة. أسعار الطاقة ، حركة الملاحة، أمن البحر الأحمر، حركة التجارة العالمية، وأسواق السلاح كلها ملفات يمكن  أن تتأثر بأي مواجهة إقليمية كبيرة.

ولهذا فإن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، ليس لأن الحرب الشاملة أصبحت حتمية ، وإنما لأن عدداً متزايداً من الأطراف يعيد ترتيب مواقع قواته وتحالفاته وأدواته تحسباً لسيناريوهات كانت تبدو حتى وقت قريب أكثر بعداً.

والخطأ الأكبر في قراءة المشهد سيكون التعامل مع كل خبر منفرداً.

فالانسحاب الأمريكي من العراق لا يجب أن يُقرأ بمعزل عن طبيعة الوجود الأمريكي في المنطقة، والتطورات العسكرية الإسرائيلية لا يجب أن تُقرأ بمعزل عن الحسابات المتعلقة بإيران، والتحركات في سوريا لا يمكن فصلها تمامًا عن هشاشة الدولة السورية، وما يحدث في العراق لا يمكن فصله عن مستقبل الفصائل المسلحة وعلاقة بغداد بالقوى الإقليمية.

في النهاية، نحن أمام مرحلة إعادة تموضع أكثر منها مجرد تحركات عسكرية منفصلة.

وقد يكون أخطر ما فيها أن خطوط المواجهة لم تعد واضحة كما كانت في الحروب التقليدية ، فالحرب الحديثة قد تبدأ بضربة جوية، أو عملية إلكترونية ، أو استهداف منشأة ، أو اغتيال ، أو هجوم على سفينة ، أو تحرك لوكيل محلي ، ثم تتدحرج الأحداث بسرعة يصعب على الأطراف نفسها السيطرة عليها.

ومن هنا تأتي أهمية الحذر في قراءة المشهد.

ليس كل انسحاب هزيمة، وليس كل تعزيز عسكري مقدمة لحرب، وليس كل تحصين دليلًا على نية التوسع. لكن اجتماع هذه المؤشرات في بيئة إقليمية شديدة التوتر يستحق المتابعة الدقيقة، لأن أي خطأ في الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية قد يحول أزمة محدودة إلى سلسلة من ردود الفعل يصعب إيقافها.

والشرق الأوسط، كما أثبت تاريخه الحديث، لا يحتاج دائماً إلى قرار واحد بإشعال حرب كبرى، أحياناً تكفي شرارة صغيرة في المكان الخطأ، وفي اللحظة الخطأ ، لتبدأ بعدها سلسلة أحداث تتجاوز حسابات جميع الأطراف.

ولهذا فإن ما يجري الآن يحتاج إلى قراءة هادئة، لا إلى الذعر، وإلى متابعة دقيقة، لا إلى التعامل مع كل تطور باعتباره دليلًا نهائياً على حرب قادمة.

فالمنطقة تتحرك بالفعل ، والسؤال الحقيقي ليس فقط إلى أين تتحرك ، وإنما من الذي يعيد رسم خريطة الحركة ، ومن الذي سيكون قادراً على التحكم في اللحظة التي تبدأ فيها الأحداث بالخروج عن السيطرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى