مقالات

مصر والسودان .. بين حماية الحدود ومحاولات إشعال الفتنة

بقلم : يوحنا عزمي

في وسط الحرب الدائرة في السودان ، وما أفرزته من تداعيات أمنية وسياسية وإنسانية بالغة التعقيد ، برزت خلال الساعات الماضية موجة من المنشورات والتعليقات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي ، تتهم مصر باستهداف مواطنين سودانيين داخل الأراضي السودانية، وتذهب إلى حد تصوير القاهرة باعتبارها العدو الحقيقي للشعب السوداني ، بدلًا من الميليشيات المسلحة التي تقاتل الجيش السوداني وتسببت الحرب بينها وبين القوات المسلحة السودانية في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

هذه اللغة التحريضية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد خلاف عابر في وجهات النظر، خصوصًا عندما تتحول إلى اتهامات مباشرة تمس سيادة الدول وتستهدف الروابط التاريخية بين الشعوب. لكن التعامل المسؤول مع هذه الادعاءات يقتضي ، في الوقت نفسه، عدم الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو إطلاق الأحكام المسبقة، وإنما العودة إلى الوقائع المعلنة ، وفهم طبيعة العمليات العسكرية والأمنية، والتمييز بين حماية الحدود من جهة، وأي ادعاءات تتعلق باستهداف المدنيين أو وقوع انتهاكات من جهة أخرى.

فالعلاقة المصرية السودانية أكبر من أن تُختزل في منشور مجهول المصدر أو رواية متداولة بلا أدلة مكتملة، كما أن أمن مصر القومي ليس مسألة قابلة للمساومة ، تماماً مثلما أن سلامة المواطن السوداني وحقه في الأمن والكرامة لا يجوز أن يتحولا إلى مادة للمزايدات السياسية أو الحملات الإعلامية.

ثانياً: من هم الدهابة؟ ولماذا تحولت أنشطة التنقيب عن الذهب إلى قضية أمن قومي؟

لفهم أبعاد المشهد، لا بد من التوقف عند مصطلح «الدهابة»، وهو الاسم الشائع الذي يُطلق في بعض المناطق على الأفراد والجماعات التي تمارس التنقيب عن الذهب، سواء بالوسائل التقليدية البسيطة أو باستخدام المعدات الحديثة.

وهذه الفئة ليست كتلة واحدة يمكن وضعها جميعاً في سلة واحدة؛ فهناك من يعملون في أنشطة مرخصة ، وهناك أفراد يسعون وراء مصدر رزق في ظروف اقتصادية صعبة، وفي المقابل توجد أنشطة تنقيب غير قانونية ، وقد تتداخل بعض شبكاتها مع التهريب والجريمة المنظمة، بحسب طبيعة المنطقة والوقائع المثبتة.

والفارق هنا بالغ الأهمية، لأن التعامل مع عامل بسيط يبحث عن الذهب يختلف جذرياً عن التعامل مع شبكة منظمة تستغل المناطق النائية في نقل السلاح أو تهريب الموارد أو دعم جماعات مسلحة.

أما في الحالة السودانية، فإن الذهب اكتسب أهمية تتجاوز قيمته الاقتصادية المباشرة، بعدما أصبحت السيطرة على الموارد الطبيعية أحد العوامل المؤثرة في استمرار الحرب. فحين تدخل الثروات المعدنية في دائرة الصراع المسلح ، تتحول من مورد اقتصادي يفترض أن يستفيد منه المجتمع إلى مصدر محتمل لتمويل العمليات العسكرية وشراء الأسلحة واستقطاب المقاتلين.

وتزداد خطورة هذه المعادلة عندما تنتقل عائدات الموارد عبر شبكات تهريب عابرة للحدود ، بما يتيح إخفاء مصادر الأموال ووجهاتها الحقيقية ، ويضعف قدرة المؤسسات الرسمية على مراقبة التدفقات المالية والسلعية.

ومن هنا، فإن مواجهة تهريب الذهب ليست مجرد مسألة اقتصادية أو إجراء إداري يتعلق بالتنقيب غير المرخص ، بل يمكن أن تصبح جزءًا من معركة أوسع تستهدف تجفيف منابع تمويل الحرب، إذا ثبت ارتباط الشبكات المستهدفة بأطراف النزاع المسلح.

لكن ينبغي التمييز بين هذه الحقيقة العامة وبين اتهام جهة محددة بالوقوف وراء عمليات بعينها ، فإثبات وجود شبكة تهريب لا يكفي وحده لإثبات ارتباطها بقيادة عسكرية أو دولة أو جهاز أمني. وهذه مسائل تحتاج إلى أدلة مستقلة ، لا إلى افتراضات سياسية.

ثالثاً : الذهب واقتصاد الحرب .. كيف تتحول الثروة إلى وقود للصراع؟

لا يمكن قراءة الأزمة السودانية بمعزل عن الصراع على الموارد ومصادر التمويل. فالحروب الحديثة لا تعتمد على السلاح وحده، وإنما تحتاج إلى منظومة اقتصادية قادرة على توفير الأموال والوقود والمعدات والاحتياجات اللوجستية.

وفي هذا السياق، يمثل الذهب مورداً بالغ الأهمية، إذ يتميز بسهولة نقله نسبياً ، وارتفاع قيمته مقارنة بحجمه ، وإمكانية تداوله عبر قنوات تجارية متعددة، وهو ما يجعله عرضة للاستغلال في أنشطة غير قانونية عندما تضعف الرقابة المؤسسية.

وقد ارتبطت الحرب السودانية باتهامات وتقارير عن استغلال الموارد الطبيعية وشبكات التجارة والتهريب في تمويل أطراف النزاع. وتستوجب هذه الوقائع تحقيقاً جاداً في مسارات الذهب، والجهات التي تشتريه ، والوسطاء الذين ينقلونه، والجهات التي تستفيد من عائداته.

فإذا ثبت أن شبكة ما تنقل الذهب بصورة غير قانونية، ثم تُستخدم عائداته لشراء السلاح أو تمويل جماعات مسلحة، فإن التعامل معها يصبح ضرورة أمنية واقتصادية ، وليس مجرد خلاف على ممارسة التنقيب.

وهنا تحديداً ينبغي أن يكون النقاش عقلانياً : لا يجوز تجاهل المخاطر الأمنية المرتبطة بتهريب الموارد ، لكن لا يجوز أيضاً تحويل كل منقب عن الذهب إلى متهم بالارتباط بميليشيا مسلحة، أو تقديم رواية غير مثبتة باعتبارها حقيقة نهائية.

إن المعركة الحقيقية هي ضد الجريمة المنظمة ومصادر تمويل الحرب، مع ضمان عدم الخلط بين المسؤولية الجنائية الفردية والانتماء الوطني أو الجغرافي.

رابعاً : الحدود الجنوبية المصرية .. معادلة الأمن والسيادة

تمثل الحدود الجنوبية لمصر أحد الملفات التي تتطلب أعلى درجات اليقظة الأمنية، لا سيما في ظل الاضطرابات التي يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

فالمناطق الصحراوية والجبلية الواسعة، وصعوبة الحركة والمراقبة في بعض المسارات الوعرة ، واتساع نطاق الحدود ، كلها عوامل تجعل مواجهة التسلل والتهريب مهمة معقدة تتطلب تنسيقاً بين القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، إلى جانب تطوير وسائل المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات.

ولا تقتصر المخاطر المحتملة على تهريب الذهب وحده، بل قد تشمل نقل الأسلحة والذخائر والسلع المحظورة، أو استغلال طرق غير قانونية للتحرك بين الدول. وتزداد هذه المخاطر عندما تتقاطع الأنشطة الإجرامية مع مصالح جماعات مسلحة تسعى إلى تأمين موارد مالية أو إيجاد مسارات للحركة بعيدًا عن الرقابة الرسمية.

لكن من المهم ألا نخلط بين احتمال وجود هذه التهديدات وبين إثبات وقوع كل منها في حادثة محددة، فالتقييم الأمني الرشيد يقوم على المعلومات والتحقيقات ، لا على تضخيم المخاطر أو تحويل الاحتمالات إلى وقائع محسومة.

ومن المنظور الاستراتيجي ، لا تستطيع أي دولة أن تتعامل مع حدودها باعتبارها مساحة مفتوحة أمام الجماعات المسلحة أو شبكات التهريب. فحماية الحدود جزء من حماية السيادة الوطنية، والتصدي للتهديدات المسلحة مسؤولية أصيلة للدولة.

وفي المقابل، فإن كفاءة الإجراءات الأمنية لا تُقاس فقط بقدرتها على منع التسلل ، وإنما أيضاً بقدرتها على تحديد طبيعة التهديد بدقة، والتناسب في استخدام القوة ، وحماية المدنيين، وتجنب التصعيد غير الضروري مع الدول المجاورة.

وهذه المعادلة هي التي تميز بين سياسة أمن قومي متماسكة وبين ردود الفعل التي قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

خامساً: هل تتحول المناطق الحدودية إلى ساحة ضغط سياسي على مصر؟

في ظل الحرب السودانية، يصعب تجاهل أن التطورات الميدانية قد تحمل تداعيات إقليمية تتجاوز حدود السودان. فكل طرف من أطراف الصراع يسعى إلى تحسين موقعه التفاوضي والعسكري، وقد تتقاطع مصالح بعض الجماعات المسلحة مع شبكات اقتصادية أو أطراف إقليمية مختلفة.

ومن ثم ، فإن أي نشاط غير قانوني في المناطق الحدودية يستحق الفحص الجاد ، خصوصاً إذا ظهرت أدلة على ارتباطه بتمويل العمليات المسلحة أو تهديد أمن الدول المجاورة.

لكن القول إن جماعة بعينها تتعمد افتعال أزمة حدودية مع مصر، أو تستخدم عناصر التنقيب لإحداث اضطرابات داخل الأراضي المصرية، يحتاج إلى معلومات موثقة تثبت طبيعة هذا المخطط والجهات التي تقف وراءه. فهذه اتهامات خطيرة لا يصح تأسيسها على مجرد تزامن الأحداث أو افتراض النوايا.

أما من الناحية الاستراتيجية، فإن استمرار الحرب السودانية يمثل مصدر قلق حقيقياً للقاهرة، نظراً إلى الجوار الجغرافي، والروابط التاريخية، والتداخلات الأمنية والاقتصادية، فضلًا عن التداعيات المحتملة لتفكك مؤسسات الدولة السودانية.

ولذلك، فإن حماية الحدود المصرية لا تنفصل عن مصلحة مصر  في وجود دولة سودانية مستقرة، قادرة على بسط سلطتها على أراضيها، ومنع تحول مناطقها إلى ملاذات للجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.

فكلما اتسعت الفوضى داخل السودان ، ازدادت احتمالات انتقال آثارها إلى محيطه الإقليمي. وهذه ليست مسألة عاطفية، بل حقيقة جيوسياسية تفرض على القاهرة التعامل مع الأزمة باعتبارها ملفاً مرتبطاً مباشرة بأمنها القومي.

سادساً : جبل إيقات وحلايب وشلاتين.. لماذا يجب الاحتكام إلى الحقائق الجغرافية والقانونية؟

من بين الادعاءات المتداولة بشأن العمليات الأمنية، ما يتعلق بمنطقة جبل إيقات ، مع محاولة ربطها بالنزاع حول حلايب وشلاتين ، والقول إن العمليات تجري داخل أراضٍ سودانية.

وهنا يجب التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة: الموقع الجغرافي للمنطقة ، ووضعها الإداري والقانوني ، والموقف السياسي لكل طرف من النزاع الحدودي.

فمنطقة جبل إيقات معروفة بارتباطها بمشروعات التنقيب عن الذهب في جنوب شرق مصر، بالقرب من نطاق شلاتين. غير أن تحديد الموقع الدقيق لكل عملية، ومدى وقوعها داخل الحدود المصرية ، يتطلب الرجوع إلى الخرائط الرسمية والإحداثيات الجغرافية والبيانات الصادرة عن الجهات المختصة.

أما حلايب وشلاتين، فهما منطقتان تخضعان للإدارة المصرية، مع استمرار الخلاف السوداني المصري بشأن السيادة عليهما. ومن غير الدقيق تجاهل وجود هذا الخلاف عند تناول الموضوع، كما أنه ليس من الموضوعية استخدامه دليلًا تلقائياً على أن كل عملية تجري في المنطقة تمثل اعتداءً على الأراضي السودانية.

والقاعدة الأساسية هنا أن أي ادعاء يتعلق بانتهاك الحدود يجب أن يُفحص على أساس الموقع الدقيق والأدلة الجغرافية والوثائق الرسمية، وليس على أساس منشور متداول أو خريطة غير موثقة.

فإذا كانت العمليات تجري داخل الأراضي المصرية، فإن توصيفها باعتبارها اعتداءً على السودان يحتاج إلى أدلة تناقض ذلك. وإذا ظهرت أدلة موثوقة على وقوع تجاوز للحدود أو استهداف أشخاص داخل أراضي دولة أخرى، فإن الأمر يستوجب التحقيق والتعامل معه وفق القواعد القانونية ذات الصلة.

وهذا هو الفارق بين الدفاع عن موقف وطني على أساس الحقائق، وبين الاكتفاء بشعارات قد تضعف الموقف نفسه عندما تُختبر أمام الأدلة.

سابعاً: حماية الجنود والمواطنين لا تعني تجاهل الأسئلة المشروعة

من الضروري التأكيد أن حماية أفراد القوات المسلحة وحرس الحدود، وتأمين المنشآت والمناطق الحدودية، مسؤولية لا تقبل التهاون. وأي اعتداء مسلح مثبت على القوات المصرية يستوجب التحقيق والمحاسبة وفق القانون.

لكن قوة الدولة لا تتعارض مع الشفافية ، كما أن دعم القوات المسلحة لا يتطلب التسليم بصحة كل رواية متداولة أو اعتبار   كل سؤال تشكيكاً في السيادة الوطنية.

فحين تتردد أنباء عن سقوط قتلى أو وقوع اشتباكات أو تنفيذ عمليات عسكرية ، فإن التحقق من أسماء الضحايا ، وتوقيت الحوادث، ومواقعها، وطبيعة المشاركين فيها، يظل أمراً أساسياً لفهم ما حدث على نحو دقيق.

ولا ينبغي نسبة حادثة بعينها إلى شبكة تهريب أو جماعة مسلحة محددة دون دليل موثوق يثبت مسؤوليتها. كما لا يصح توظيف أسماء الضباط أو رتبهم أو التضحيات التي قدمها الجنود في سياق استنتاجات لم تثبتها الجهات المختصة.

إن احترام تضحيات العسكريين يقتضي نقل الوقائع بأمانة، وعدم تحويلها إلى مادة للتعبئة غير المنضبطة. فالمعلومة الدقيقة تخدم الأمن القومي ، بينما قد تؤدي المبالغة أو المعلومات الخاطئة إلى تشويش الرأي العام والإضرار بالموقف الذي يُراد الدفاع عنه.

ثامناً : من المستفيد من تحويل التطورات الأمنية إلى فتنة مصرية سودانية؟

هنا نصل إلى جوهر القضية.

إن تحويل أي تطور أمني على الحدود إلى مواجهة إعلامية بين المصريين والسودانيين لا يخدم بالضرورة مصالح الشعبين، بل قد يخلق بيئة من الشك والعداء المتبادل في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى قدر أكبر من التنسيق والتفاهم.

فالمواطن السوداني الذي اضطر إلى مغادرة منزله بسبب الحرب ليس مسؤولًا عن أفعال الميليشيات المسلحة، والمواطن المصري الذي يطالب بحماية حدود بلاده ليس عدواً للشعب السوداني. كما أن الانتماء إلى دولة معينة لا يثبت المسؤولية عن جريمة أو نشاط غير قانوني.

ومن الخطأ السياسي أن يتحول خلاف بشأن واقعة محددة إلى اتهام جماعي لشعب كامل ، تماماً كما أنه من الخطأ استخدام الروابط التاريخية بين البلدين لإغلاق باب النقاش حول أي ادعاء جدي يستحق التحقيق.

أما المستفيد المحتمل من هذا النوع من الاستقطاب، فهو كل طرف يسعى إلى إضعاف الثقة بين البلدين أو صرف الانتباه عن المسؤوليات الحقيقية لأطراف الصراع. لكن تحديد الجهة التي تقف وراء حملة بعينها يتطلب تتبع مصادر المنشورات ، والتحقق من الحسابات التي نشرتها ، وفحص الأدلة التي تستند إليها، بدلًا من افتراض وجود جهة منظمة دون برهان.

وفي الحروب المعاصرة، لا تقتصر المواجهة على الميدان العسكري، فالمعلومات المضللة والاتهامات غير المثبتة والصور المبتورة قد تتحول إلى أدوات ضغط سياسي ، وتؤدي إلى تعميق الانقسامات وإرباك العلاقات بين الدول.

ولهذا، فإن الرد الأكثر فاعلية على أي حملة تحريضية ليس إطلاق حملة مضادة، وإنما تقديم المعلومات الموثقة ، وتفنيد الادعاءات بالأدلة، ومحاسبة المسؤولين عن نشر معلومات كاذبة إذا ثبت تعمدهم التضليل ومخالفتهم للقانون.

تاسعاً: الحرب السودانية وجرائم الدعم السريع.. لا يجوز أن تتحول المعاناة إلى أداة للدعاية

لا يمكن تناول هذه التطورات بمعزل عن المأساة الإنسانية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب. فقد وثقت جهات دولية ومنظمات حقوقية انتهاكات خطيرة منسوبة إلى أطراف النزاع، بما في ذلك قوات الدعم السريع، في مناطق متعددة، وسط اتهامات بارتكاب عمليات قتل جماعي وعنف جنسي وتهجير قسري ونهب واسع النطاق.

وكانت مدينة الفاشر في إقليم دارفور من أبرز بؤر العنف، حيث ارتبطت التطورات العسكرية فيها بمخاوف واسعة بشأن مصير المدنيين، ووردت تقارير عن انتهاكات جسيمة ارتكبتها قوات الدعم السريع ومجموعات متحالفة معها.

ومع ذلك، فإن تقدير أعداد الضحايا وتحديد المسؤولية عن كل واقعة يجب أن يستند إلى مصادر موثوقة وتحقيقات مستقلة. ولا يصح تداول أرقام ضخمة باعتبارها حقائق نهائية من دون إسناد واضح، خصوصًا في بيئة تتعذر فيها عمليات التحقق الميداني وتتضارب فيها المعلومات.

إن إدانة الانتهاكات لا تحتاج إلى مبالغة، كما أن المطالبة بالعدالة لا تستقيم بتداول معلومات غير مؤكدة. فالضحايا يستحقون توثيقاً أمينًا لمعاناتهم ، ومحاسبة حقيقية للمسؤولين عن الجرائم، لا استغلال آلامهم في صراعات الدعاية السياسية.

ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة التضليل بشأن العمليات الحدودية المصرية لا ينبغي أن تتحول إلى محاولة لصرف الأنظار عن الجرائم المرتكبة بحق السودانيين ، كما أن إدانة تلك الجرائم لا تمنح أي طرف حصانة من المساءلة عن أفعال أخرى إذا ثبت وقوعها.

فالعدالة ليست انتقائية، والسيادة الوطنية لا تلغي المسؤولية القانونية، والروابط التاريخية بين الشعوب لا تعني التغاضي عن الحقائق.

عاشراً : اللاجئون السودانيون في مصر.. العلاقة بين الشعبين أكبر من حملات التواصل الاجتماعي

تستضيف مصر أعدادًا كبيرة من السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم هربًا من الحرب، في واحدة من أكبر حركات النزوح التي شهدتها المنطقة. وقد فرضت هذه الأزمة أعباء اقتصادية واجتماعية وإنسانية على مصر، كما فرضت تحديات قاسية على الأسر السودانية التي فقد كثير منها منازله ومصادر رزقه وأفرادًا من عائلاته.

لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للتحريض ضد السودانيين، مثلما لا يجوز استخدام معاناة اللاجئين لإثارة العداء تجاه المصريين.

فالمواطن السوداني المقيم في مصر ليس امتداداً سياسياً أو عسكرياً لأي طرف من أطراف الحرب، ولا يجوز تحميله مسؤولية قرارات الميليشيات أو الجيوش أو الحكومات. وبالمثل، لا يجوز اختزال الموقف المصري في واقعة متداولة قبل التحقق من ملابساتها.

إن العلاقات بين الشعبين تشكلت عبر عقود طويلة من التداخل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وهي أوسع من أن تتحكم فيها موجات الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي.

والأجدى للطرفين هو التمسك بخطاب عقلاني يرفض التعميم، ويدعم حق الشعب السوداني في الأمن والاستقرار، ويحترم في الوقت نفسه حق مصر في حماية حدودها وأراضيها.

الحادي عشر: ما الذي ينبغي أن تفعله مصر والسودان لتفادي التصعيد؟

من الناحية الاستراتيجية، فإن معالجة مثل هذه الأزمات لا ينبغي أن تقتصر على الردود الإعلامية، بل تتطلب مسارات عملية واضحة.

أولًا، تعزيز تبادل المعلومات بين الجهات المختصة في البلدين بشأن شبكات تهريب الذهب والسلاح، مع تحديد المسؤوليات والوقائع بصورة قابلة للتحقق.

ثانياً، نشر المعلومات الرسمية المتعلقة بمواقع العمليات الأمنية وأهدافها ونتائجها بالقدر الذي لا يضر بسلامة القوات أو متطلبات الأمن القومي، بما يقلل مساحة الشائعات والتأويلات.

ثالثاً، التحقيق في أي ادعاءات موثوقة تتعلق بسقوط ضحايا مدنيين أو وقوع تجاوزات ، وإعلان النتائج وفق الإجراءات القانونية، لأن الشفافية المدروسة تحمي مصداقية الدولة بدلًا من أن تضعفها.

رابعاً، مكافحة شبكات التمويل والتهريب التي قد تستغل الحرب السودانية لتحقيق أرباح غير مشروعة ، بالتعاون مع الجهات الإقليمية والدولية المعنية.

خامساً، الفصل بوضوح بين المواقف السياسية للدول وبين حقوق المواطنين، فلا يُحمل الشعب السوداني مسؤولية أفعال جماعة مسلحة، ولا يُحمَّل الشعب المصري مسؤولية أي واقعة لم تثبت ملابساتها.

وأخيراً، ضرورة الحفاظ على قنوات الحوار بين القاهرة والخرطوم، لأن الخلافات الحدودية والأمنية، مهما بلغت حساسيتها، لا ينبغي أن تتحول إلى صراع شعبي يضيف أزمة جديدة إلى أزمة السودان القائمة.

الخلاصة : أمن مصر واستقرار السودان مصلحة مشتركة

إن مصر ليست مطالبة بالتخلي عن مسؤوليتها في حماية حدودها وثرواتها، كما أن الشعب السوداني ليس مطالبًا بالتنازل عن حقه في معرفة الحقيقة وحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت بالأدلة.

والدفاع عن الأمن القومي المصري لا يتناقض مع احترام سيادة الدول الأخرى، مثلما أن دعم السودان لا يتعارض مع الاعتراف بحق مصر في مواجهة التهريب والجريمة المنظمة والتسلل المسلح.

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الوقائع غير المكتملة إلى أحكام نهائية، وعندما تُستخدم الجنسية أو الهوية الوطنية بديلًا عن الأدلة، وعندما يصبح كل نقاش حول حادثة معينة مدخلًا لتأجيج العداء بين شعبين تجمعهما مصالح استراتيجية وروابط تاريخية عميقة.

إن السودان المستقر يمثل مصلحة مباشرة لمصر، ومصر الآمنة والمستقرة تمثل بدورها عاملًا مهمًا في استقرار محيطها الإقليمي. أما استمرار الحرب، وتفكك المؤسسات، واتساع شبكات التهريب، وتحول الموارد الطبيعية إلى مصادر لتمويل السلاح، فهي عوامل لا تخدم أيًا من الشعبين.

ومن ثم، فإن الموقف الأكثر اتزاناً ليس الانسياق وراء خطاب التخوين، ولا التسليم بالروايات غير الموثقة، وإنما التمسك بثلاث قواعد واضحة: حماية السيادة ، واحترام الحقيقة ، ورفض التحريض بين الشعوب.

فلا ينبغي أن يتحول الدفاع عن مصر إلى عداء للسودانيين، ولا أن يتحول الدفاع عن السودانيين إلى اتهام جماعي لمصر. ولا يجوز أن تُستغل معاناة الشعب السوداني لتبرئة أي طرف من مسؤولياته، كما لا ينبغي أن تُستخدم اعتبارات الأمن القومي لتجاوز حقائق يتعين التحقق منها.

ستظل العلاقة بين مصر والسودان أكبر من أي حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الحفاظ عليها لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالمعلومات الدقيقة ، والحوار المسؤول ، والتعاون الأمني، والعدالة ، واحترام حقوق الإنسان.

فالأمن القومي المصري ليس موضع مساومة، وكرامة المواطن السوداني ليست مادة للتحريض، واستقرار السودان ليس قضية بعيدة عن مصر ، بل جزء أصيل من معادلة الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى