مقالات

حين اختفى التاريخ

وائل الهاشمي

 

هناك أسرارًا لا يخفيها التاريخ لأنه نسيها، بل لأنه لم يعرف يومًا كيف يروي نهايتها.
لم تكن الصحراء الغربية يومًا مجرد أرضٍ تعبرها الجيوش، بل كانت متاهة واسعة تخفي في صمتها ما تعجز السيوف عن اكتشافه.
ذلك الامتداد الذي لا يمنح العابرين علامةً يهتدون بها، توغل جيش كامل، يحمل في خطاه غرور القوة، وفي صدور رجاله يقينًا بأن النصر ليس إلا مسألة وقت.

لم تكن حكاية ولدت في عتمة الليل، ولا أسطورة نسجها الرواة لترعب سامعيهم، بل لغزًا ابتلعه التاريخ وترك خلفه أسئلة عصية على الموت.
في قلب الحكاية يقف قمبيز الثاني، ملك الفرس الذي مد طموحه نحو مصر، ثم أرسل جيشًا جر وراءه سطوة إمبراطورية كاملة، قاصدًا واحة سيوة في أقاصي الصحراء الغربية.

في ذلك العصر، لم تكن سيوة مجرد واحة تائهة في محيط من الرمال، بل كانت موضعًا تتقاطع عنده هيبة الآلهة مع أطماع الملوك؛ ففي معبد آمون، الذي اكتسب قداسةً تجاوزت حدود الواحة، كان للصمت معنى، وللنبوءة وزن قد يرفع عرشًا أو يهز إمبراطورية.
ومن هناك، اتجه طموح قمبيز الثاني نحو الغرب، عازمًا على بلوغ المكان الذي اجتمعت فيه أسرار العقيدة بنفوذها.

صدر الأمر، فاستدعيت الرجال، غادر الجيش الفارسي محملًا بالسلاح والمؤن، تمضي صفوفه في انتظامٍ يوحي بأن النصر ليس سوى نهاية تنتظرهم على الطريق.
لم يكن في المشهد ما ينذر بكارثة؛ قائد يعرف وجهته، وجنود ينفذون أمر الملك، وهدف ينتظر بلوغه خلف امتداد الرمال.

لكن الصحراء لا تكشف أنيابها منذ الخطوة الأولى؛ إنها تمنح العابرين وهم السيطرة، ثم تبدأ في انتزاع أسباب نجاتهم واحدًا تلو الآخر.
هناك، حيث تتراجع آثار العمران حتى تتلاشى، يتحول الماء من زادٍ محمول إلى أملٍ يقاتل الرجال من أجله، ويغدو الطريق الذي رسمته الخرائط مجرد تخمين بين كثبان تتبدل مع كل هبة ريح.

كانت الشمس تسحب القوة من الأجساد قطرةً قطرة، وحين يهبط الليل، ينقلب الصمت إلى بردٍ ينهش العظام، بينما تمتد الرمال حولهم بلا علامة تهديهم، كأن الصحراء تمحو خلف الجيش كل أثر يدل على أنه مر من هنا يومًا.
لم تعلن الصحراء عن غضبها بصوتٍ يسمعه الرجال، بل بشيءٍ خفي تسلل إلى الهواء، كأن الأرض تحبس أنفاسها قبل أن تكشف عن وجهها الآخر.

تحركت الرمال أولًا حول أقدام الجنود، خيوطًا ذهبية رقيقة سرعان ما تحولت إلى سحب من الغبار، ثم اندفعت الريح بقوة أخذت معها ملامح المعسكر، فاختلطت الخيام بالظلال، وغابت الوجوه خلف ستائر كثيفة من الرمل.
تسللت الحبيبات إلى العيون والأنوف، واستقرت فوق الأواني والملابس والطعام، حتى بدا أن الصحراء لا تكتفي بمحاصرتهم؛ بل تتسلل إلى كل ما يملكونه لتجردهم منه.

وبعد لحظات، انطفأ بريق النهار، وتحولت الشمس إلى قرص شاحب خلف حجاب خانق، فيما أخذ العالم من حولهم يتلاشى تدريجيًا، حتى لم يعد الجندي يرى من رفاقه إلا أشباحًا تتخبط في عاصفة لا تكشف عمّا تخفيه.
ومع اشتداد العاصفة، انقطعت الصلات بين الرجال؛ لم يعد النداء دليلًا على صاحبه، ولا الصوت القريب ضمانًا بأن وراءه رفيقًا.
وسط ذلك العمى الهائل، صار كل جندي وحيدًا في مواجهة قوة لا ترى، ولا تستدرج إلى قتال، ولا تعرف معنى الاستسلام.

لم تكن هناك سيوف تتصادم، ولا رايات تتساقط تحت ضربات العدو؛ كانت معركة من نوعٍ آخر، طرفها جيش يعرف كيف يقاتل البشر، وطرفها صحراء لا تمنح خصمها فرصة ليرى وجهها.
ثم أُسدلت الستارة، وما وراءها لم يصل إلينا خبر يقيني، بل فراغ واسع تركه التاريخ في قلب الحكاية.

وبعد نحو ألفين وخمسمائة عام، لا تزال الحكاية معلقة بين روايةٍ دونها القدماء وحقيقةٍ لم تحسم. جيش خرج بأمر ملك، وطريق ابتلعه المجهول، وصحراء لا تجيب عن الأسئلة التي تلقى في وجهها. وربما لم يكن أكثر ما أخفاه ذلك الامتداد من الرمال هو مصير آلاف الجنود، بل الحقيقة التي تفصل بين ما حدث فعلًا، وما ظل البشر يتخيلون أنه حدث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى