مقالات

إيران بين التهديد النووي والدفاع الاستراتيجي : معادلات الحرب المحتملة مع أمريكا

✍️ يوحنا عزمي 

في ذروة توتر العلاقات الأمريكية الإيرانية ووسط هذه الأجواء العدائية المخيفة من التهديدات المتبادلة والمتصاعدة ، أطلقت القيادة الإيرانية تصريحا خطيراً يحمل العديد من الدلالات والمؤشرات التي تحتمل الكثير من التفسيرات والتكهنات والتوقعات المتضاربة وذلك بحكم طبيعة محتواه وحساسية توقيته واستثنائية الظروف التي صدر فيها.

ومفاد هذا التصريح ، هو أنه إذا هاجمت أمريكا إيران لتدمير مفاعلاتها النووية وما إلي غير ذلك من الأهداف الإيرانية الإستراتيجية الحيوية فإن إيران سوف تدافع وقتها عن نفسها حتي لو اضطرت إلي إستخدام الأسلحة النووية علي اعتبار أنه الخيار الأخير إذا اغلقت الدبلوماسية جميع أبواب الحل السلمي لازمتها مع أمريكا في وجهها او كان هناك قرار أمريكي إسرائيلي موثوق في جديته بالحرب عليها لتدميرها ، الخ.

التاكيدات الإيرانية الرسمية ما زالت تجزم بأن إيران لم ولن تنتج سلاحا نوويا لأنه ليس ضمن عقيدتها الدفاعية ولأن هناك فتوي دينية من المرشد الأعلي للجمهورية الإسلامية الإيرانية تحرم إنتاج واستخدام الأسلحة النووية ، وأنه لم يتم التراجع عن هذه الفتوي حتي الآن .. هذا هو ما يظل يقال علي المستوي الرسمي في إيران حتي الآن. وقد يكون الأمر في الواقع علي خلاف ذلك.

لا ينكر احد ان إيران تمر حاليا بواحدة من اشد لحظاتها ضعفا خلال عقود طويلة بعد تدمير معظم اذرعها وقواعدها الأمامية في العديد من دول المنطقة العربية ، وهي الاذرع التي كانت تعتمد عليها في نقل الحرب المباشرة ضدها إلي جبهات اخري بعيدة عنها ، وهو ما لم يعد كذلك الآن مما يضعها في حالة من الانكشاف التام امام قوة التحالف الأمريكي الاسرائيلي في غياب ظهير داعم ومساند لها ..

وهو ما لا بد وان يكون له تأثيره علي حسابات وقرارات إيران بشأن ما يلائمها من الخيارات الإستراتيجية والدفاعية المتاحة لها في مثل ظروفها واوضاعها الصعبة الراهنة.

إعلانها عن استعدادها للدفاع عن نفسها بالأسلحة النووية يحتمل عندي أحد تفسيرين وهما :

التفسير الأول : هو أنها تمتلك فعلا أسلحة نووية علي الرغم من نفيها وانكارها لذلك مراراً لتقليل فرص هجومهم عليها بتهدئة مخاوفهم حيال برنامجها النووي وإخماد الضجة المثارة حوله .. هذا امر وارد رغم عدم توفر شواهد كافية توكده .. إلا إذا كانت قد نجحت في إنتاج رءوس نووية صغيرة في احد منشآتها النووية غير المعروفة للعالم ، وهذه الرءوس النووية يمكن تحميلها علي صواريخها الباليستية بعيدة المدي او علي بعض طائراتها المسيرة الهجومية او الانقضاضية كما يصفونها في إيران.

التفسير الثاني : فهو ان هذا التصريح قصد منه التخويف ولارغام أمريكا وإسرائيل علي التريث والتمهل وإعادة التفكير في العواقب الكارثية المحتملة لحربهما علي إيران ، وفي هذه الأثناء تكون الظروف قد تهيأت أمام التوصل إلي حل سلمي مقبول لإنهاء هذه الأزمة حتي وان اضطرت إيران لتقديم تنازلات ما تزال ترفضها بشأن الرقابة الدولية علي برنامجها النووي وانا اكثر مع هذا الإحتمال او التفسير الأخير.

وتبقي لي هنا ملاحظة أخيرة وهي ان الحرب علي إيران لن تكون كأي حرب ، وإنما سوف تكون لها عواقبها وتداعياتها الرهيبة وغير المتصورة فضرب مفاعلاتها النووية قد يتسبب في كارثة بيئية عالمية أضعاف ما احدثته كارثة حريق مفاعل تشرنوبيل النووي السوفيتي في الثمانينات. 

كما أنه قد يفتح أبواب الجحيم علي الشرق الأوسط برمته وبما قد لا يخطر لاحد علي بال .. وقد يثير أزمات إقتصادية وأزمات طاقة وسلاسل توريد وامدادات تبدو خارج الصورة الآن .. وهذه كلها نتائج لا تاخذ حقها من الإهتمام في حسابات الرئيس ترامب بشأن حربه المقبلة مع إيران ، فهو مندفع بتأثير غروره وفرط ثقته بقدرته علي الإمساك بزمام الأمور والإبقاء عليها تحت سيطرته بقوته .. لكن الدروس والتجارب الواقعية تتحدث عن حقائق اخري غير تلك التي تملأ عقل الرئيس الأمريكي وتشوش علي رؤيته وتجله لا يري ابعد مما يراه تحت أقدامه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!