ابداعات

“عرض أزياءٍ وجحيم الآمال”

المهنّد إسلام

 

جلسَ الجمهور لمشاهدة عرضَ الأزياء،

والتف مصورو مجلة “ستانس” حول المسرح استعدادًا،

استعدادًا لتصوير العارضين بدايًا،

انتهاءًا بمقابلة المصمم.

وجلستُ أنا في المقدمة،

أشاهد مع المشاهدين الكبار،

إحداهم رئيس تحرير مجلة “ستانس”، أشهر مجلة أزياء للرجال.

وبجانبه تجلس “آنا وينتور” ، بنظارتها السوداء المعتادة، ووجهها الحاد الخالي من التعابير. رئيسة تحرير مجلة “ڤوج” الأمريكية. حضرت كضيفة، للعرض، الذي يبدأُ بعد

ثلاثة..

إثنان..

واحد..

 

“كل شيءٍ أحتاجهُ أملكه..”

اشتعلت عكس العادة إحدى أغنيات “إليزابيث جراند”. التي تتميز بالعمق والهدوء.

وبدأ العارضين في الخروج بأقدامٍ مرتعشة، وجسدٌ يهتز وغير واثق، ووجهٌ ينزفُ دموعًا.

واحدًا تلو الآخر.

 

أولهم كانَ عارضًا صغير،

في الحادية عشرَ من عمره كما يُعتقد.

يبكي بينما يتردي بنطالٌ مزركش بمربعاتِ بها جميعِ درجات اللون الأخضر،

حذاءُ أبيض كلونِ قميصه الذي يبدو كقميصِ نومٍ.

يبكي بينما يمسك في يديه دفترٌ وقلم، وفي اليد الأخرى كوبَ قهوة.

 

وحين وصل لنهاية المسرح، 

أسقط الدفتر والقلمَ ليسقط منها أوراق بها رسومات ضعيفة لملابس وفساتين ساذجة.

ركض باكيًا حيثُ أتى بعدما أسقط الدفتر، وسقط على ركبتيه، ملقيًا رأسه مع كوب القهوة على أرضِ المسرح.

 

تقدمَ للأمام مراهق في الرابعة عشرَ من عمره، 

تقدمَ باكيًا هو الآخر،

مرتديًا سترة برتقالية مزركشة باللون الأحمر،

 مع قبعة قبطانِ طائرة على رأسه، ببنطالٍ أزرق يرتديه مع حذاءٍ عالٍ جملي اللون.

ممسكًا بيديه كوبَ قهوة.

 

حينَ وصلَ لنهاية المسرح، ألقى القبعةٌ على الأرضِ ليعود باكيًا حيثُ أتى، ساقطًا على ركبتيه، ملقيًا كوبَ القهوة مع رأسه على أرضِ المسرح.

 

خرجَ بعده شابًا ذا شعرٍ مُهمَلٌ، السادسة عشرَ هي عمره. ذا سترة جلدية زيتية اللون، قميص أبيض، في منتصفه بطاقةٌ كُتِبَ عليها “عارض”، ببنطالٍ أسودُ اللون مع حذاءٍ أبيض.

في يديه رواية الأجنحة المتكسرة، لجبران خليل جبران. ويديه الأخرى تحملُ كوبَ قهوة.

وعكسَ العارضين السابقين، كانت ملامحه هادئة، تتسمُ بالراحة.

التف ليعود حيثُ أتى، وقفَ جانب الصبيين الصغيرين، وضعيته ثابتة، واثقة، ووجهه صلبًا للجمهور.

 

جاءَ من بعده شاب في السابعة عشرَ من عمره، بملابسِ نادلٍ سوداء، وشعرٌ كالعارض السابق في إهماله.

في يديه كوب قهوة، وفي يديه الأخرى قطعٌ من الكعك.

لم يسقط الكعك، لكن كانت ملامحهُ حزينة. وعاد ليقف بجانب العارض السابق، جاد الملامح.

 

تركتُ القلم الذي أكتبُ به، 

وصعدتُ على المسرح، 

بملابس تخرج من الثانوية، بيدي كوبَ قهوة، وباليد الأخرى ورقة بها تخصصي.

نظرتُ للحاضرين،

وفتحتُ الورقة، 

ووجهتها نحو المشاهدين ليروها،

كان مكتوبٌ عليها علامةُ استفهامٍ كبيرة.

لن يُكتبَ تخصصي إلّا بعد عامٍ من الآن.

 

ألقيتها على الأرض،

خُفِضَت الأصوات والأغنيات.

وأمسكتُ إحدى المعلقات الصوتيه،

خاتمًا العرض.

 

“تكبرُ في العمرِ ظانًا أن لك الحق في إختيار ما يمكنك فعله في المستقبل، حتى تعلمُ الحقيقة،

 وتعلمُ أنك لن تستطيع أن تصبح مصمم أزياءٍ في عمر الحادية عشرَ، حتى تعلم أنك لن تستطيع أن تقودَ طائرة في عمر الرابعة عشرَ، لتكتشفَ أنك تستطيعُ التحدث مع الناسِ وتصبحَ عارضِ كتبٍ في عمر السادسة عشرَ،

وتجرب أن تصبح نادلًا في عمر السابعة عشرَ لتكتشف أنكَ لا تحب هذا العمل،

لكن تكمله لاكتساب الخبرات، وتظن أن هذه ستظل حياتك للأبد.

لتكتشفَ أن ما تفعله في حياتك لا يحدد إلا بعد أن ترتدي هذه الملابس، ملابس التخرج من الثانوية، وتفتتحُ ورقة ليكون لك حرية إختيار ماذا تريد أن تفعل لبقية حياتك.

لذا لا تتسرع في الإختيار،

ولا تحزن،

فلربما إخترتَ شيئًا ليس من نصيبك،

ولربما إختارَ الله شيئًا سينقذُ حياتك إن اعتدت عليه، وتعلمت التعامل معه.

ولا تنسى، فالمظاهر تخدع،

وكل عملٍ له جحيمه الخاص.”

 

أنهيتُ كلامي برفعِ كوب القهوة للأعلى بعدما سمعتُ تصفيق المدعوين.

ليبدأ جميع العارضين برفعِ أكوابهم هم أيضًا،

وينضم إلينا رئيس تحرير مجلة ستانس،

فكانَ كلنا نفس الشخص،

بآمالٍ مختلفة،

لمستقبلٍ أفضل،

غير عابئين بالمشاهدين،

والناقدين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى