ابداعات

رسالة الإستقالة التي لم ترسل 

بقلم / نيفين محمد 

 

هناك دائمًا رسائل تُكتب ولا تُرسل، ليس لأنها خاطئة،  

بل لأنها صادقة حد الجنون.  

منها هذه الرسالة:

 

إلى وهم الكمال الذي إعتري صدري،  

أكتب إليك اليوم لأودعك بعد أن طال النظر والتأمل،  

وبعد ثقل اليقين المرير.  

أكتب إليك لأمحو ستار الحقيقة بيني وبين نفسي.

 

لازمتك دهرًا حتى أصبحت جزءًا مصقولًا مني،  

لا عيب فيه ولا خلل.  

سترت نفسي من وَهنٍ أصابها، وحافظت عليها من النوائب  

التي أفقدتها المسير.  

محوت سقوطي أمام أعين المترقبين،  

ساندت تعثراتي وأصلبت خطواتي.

 

أكشف لك الحقيقة المسجونة في سجيتي،  

الخيبة المخبأة في جوفي،  

الحزن المعتق منذ الصبا،  

الكلمات المنمقة أثر الفشل،  

الفطرة المحتلة من العدو.

 

أرسلتُ إليك هذه الرسالة لأنني لم أعد أعرفني،  

لم أعد أميز صوتي وسط الظلام،  

ولا أثر لي أمام المرآة.  

تبين لي أنّني صورة مما تريده الناس،  

ممثل على إحدى شاشات العرض.  

لا أشعر بلذة الانتصار،  

أشعر بثقل النفس على صدري،  

وتمزق أضلعي أثرَ المكابرة.  

 

الفوضى العارمة داخل رأسي تشتت ما بين من أفكار،  

ومحاكم القضاة المقامة يومًا لأخطاء لا شأن لي بها.  

الحذر الدائم ومراقبة أفعالي.  

أنا في القاع لا أجيد العوم ولا العويل.  

أنا في صرحٍ من زجاجٍ هش أرى من خلفه العالم،  

كأنني داخل قضبانٍ من فولاذ.

 

لم أرسل الرسالة خوفًا ولا تراجعًا عما عزمت،  

بل لأنني أدركت أن الخلاص منك  

ليس بالفوضى التي أتخيلها،  

وإنما بالعودة والإدراك،  

وأن الأشياء الناقصة لا تكتمل إلا بالرضا،  

وأن الخطأ ليس ضعفًا والسؤال ليس جهلًا.

 

أدركتُ ذلك دون أن ينهار عالمي.  

فاذهب بسلام، وإن عاد بي الشوق للقاء  

فتحتُ الورقة وقرأتها،  

وتذكرت ثقل ما خلعت وحلاوة ما وجدت.  

الآن أمشي ناقصًا، لكنني حر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى