ابداعات

السلطان الأسود

 

أحمد المقدم 

في الصين تحتلف المسميات، إنها فعلا حقيقة، لدي صديق يتحدث الصينية بمستوٍ جيد وكثيرًا ما نعقد المقارنات بين اللغتين الإنجليزية والصينية وآدابِهما وكيفية اطلاق المسميات ونطق الأسماء، والمعروف طبعا أن الصين وحضارات ما وراء النهر قد كان لهم السبق فى الكثير من الاختراعات والاكتشافات التي ندين بالفضل الكثير لهم في إيجادها في حياتنا. ناهيك عن عشق الكثيرين حول العالم، وأنا منهم بالطبع، لخفة ظل چاكي شان والتي لا تقل عن خفة حركته المعهودة في أفلامه التى لم نمل منها يومًا، ولكن من يعيشون في علاقة وثيقة بالكافيين في حياتهم اليومية فهم أجدر بحب الصينيين.  

 

الشيء العجيب هو أن الصينيين القدماء هم من اكتشف تلك النبتة التى أصبحت مشروبًا منبهًا فأسموها باسمها الذي نعرفه في لغتنا الفصحى والعامية كذلك. شاي. 

 

 ورغم أن للصينين الفضل في إظهار الشاي للعالم، إلا أن الشاي قد صار إلفًا لدى مجتمعات أخرى. فقد تحدث چورچ بيرنارد شو في مقولة خالدة منصفة قائلا: “لو كان محمد [صلى الله عليه وسلم] حيا بين أظهرنا، لحل مشاكل العالم وهو يحتسي كوبًا من الشاي” فالشاي مشروبٌ له شعبيةٌ كونه مرتبطًا بطقوس المجتمع البريطاني والآيرلندي اليومية وقد جاءا ضمن الدول العشر الأُول من حيث استهلاك الشاي والتي شهدت تواجد المغرب ومصر كدولتين عربيتين في قائمة تخلو من الصين والهند كأكثر الدول انتاجا للشاي. ولا تأتي كينيا كذلك في القائمة رغم أنها من أكثر الدول تصديرًا للشاي وخاصة لمصر.  

أمر غريب! 

 

يتصدر الشاي قائمة المشروبات لأنه الأكثر مرونة من بين المشروبات الأخرى، يالها من لحظة ساحرة تلك التي يأتيك الصبي في إحدى المقاهي بكوب من الشاي بأي نوع تفضل: شاي على بوستة، شاي خمسينة، شاي سكلانص، شاي ميزة، شاي براد، والقائمة تطول. ذلك المشروب الأسود هو بلا منازع ملك الجميع، هو صديق الفلاح، والصنايعي، والعواطلي، والغلبان، والمطحون، والموظف، ومحدود الدخل، والبروليتاريا، والبرجوازية، والأرستقراطية. له سلطان للرأس كسلطان النوم لا ينازعه في اليقظة سلطان. فمن قرر أن يكون الشاي طقسًا يوميَّا هو الشاي نفسه. فلا سلطان على ملك المشروبات. هو ذلك الرفيق الذي يمنحك شيئا من السكينة قبل أن يتفتق الذهن إلى حل المعضلات. هو الذي يتمنى للممتحَن استذكارًا ناجحًا. هو المعانق للعقل بعناق الراحة بعد عناء يوم طويل. هو ذلك الذي يقف وراء الحلبة يمنح المخ اعادة تأهيل بعد مباراة ملاكمة مع الطعام الذي قد أرسله إلى هاوية المعدة. هو الفلكلور والتراث. ورحم الله من قال عنه: “الشاي والسكر والنعناع، للي رَبَّى في راسي الأوجاع”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى